من أهل طنجة كما يقول القلقشندى، اختلف إلى الكتاب حتى حفظ القرآن، ثم شغف بحلقات العلماء حتى أتقن العلوم الدينية والعربية وعلومها البيانية واللغوية، وترجم له الفتح بن خاقان فى القلائد، ومن قوله فى التعريف به: «حوى العلوم وحازها، وتحقق حقائق العرب ومجازها، وروى قصائدها وأرجازها» وأضاف أنه عالم بالطب «موفق العلاج، واضح المنهاج». وقد يفهم من ذلك أنه توسع فى الاطلاع على علوم الأوائل واختار منها الطب فتعمقه كما تعمق الفقه والدراسات الدينية مما جعل دولة المرابطين تختاره قاضيا بطنجة كما اختارت
_________________
(١) الوافى ٣/ ٨٤١.
(٢) الوافى ٣/ ٨٤٥.
(٣) انظر فى ترجمة ابن زنباع وشعره القلائد (طبع تونس) ص ٢٥٩ وصبح الأعشى والوافى للأستاذ ابن تاويت ١/ ٣١ وما بعدها والنبوغ المغربى للأستاذ عبد الله كنون ١/ ١٠١ والتعريف بالقاضى عياض لابنه محمد، تحقيق د. بنشريفة (طبع الرباط).
[ ١٠ / ٤٠١ ]
صديقه عياضا قاضيا فى سبتة. وحكى ابن القاضى عياض فى كتابه الذى قصره على التعريف بأبيه أن أبا الحسن بن زنباع كان بينه وبين أبيه فى الشبيبة إخاء كبير، وفى الكبر وقع بينهما تقاطع إذ بلغ عياضا عنه كلام ساءه، فعاتبه واعترف ابن زنباع بالفضل له. وفى ذلك ما يدل -من بعض الوجوه-على حسن خلقه. وربما نقله المرابطون قاضيا فى بعض المدن الأندلسية مما جعله يقترب من المعارك التى سجل فيها قوادهم انتصارات ضخمة على نصارى الإسبان، ومن قوادهم العظام: سير بن أبى بكر وابن عائشة أخو أمير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين وأخوه تميم ومحمد بن الحاج وابن فاطمة أبو محمد عبد الله ومزدلى، ولكل منهم جهاد وفتوحات عظيمة، ويقول ابن زنباع ممجدا بطلا من هؤلاء الأبطال لدولة المرابطين منوّها بفتح تمّ على يده:
لذا تصان السيوف فى الخلل ويفخر الخطّ بالقنا الذّبل (١)
وتكرم الخيل فى مرابضها برّ الفتاة العروب بالرجل (٢)
ويقطف النّبع كالحواجب أو أحنى وتمهى السهام كالمقل (٣)
ويؤثر الشّرّة الكمىّ إذا خيّر بين الدروع والحلل (٤)
فتح به أثأرت البلاد كما أشرفت المقربات بالنّهل (٥)
هدّت له الروم هدّة ملأت قلوب أبطالهم من الوجل (٦)
فما أطاقوا الولوج فى نفق وما أطاقوا الصعود فى جبل (٧)
كأنهم والرماح تحفزهم جرى فصال سلكن فى الوحل (٨)
وهو يقول لمثل هذا النصر تصان السيوف فى أغمدتها، ويفخر الخط برماحه الفاتكة، وتكرم الخيل فى مرابطها، بر الفتاة الكريمة بالرجل المحتاج لمعروفها وبرها، وتقطف أعواد شجر النبع اللينة حتى تصبح قسيّا كأقواس الحواجب، وترقق السهام وتسدد إلى صدور الأعداء كما تسدد سهام الأعين الفاتنة إلى القلوب، ولمثل هذا النصر يؤثر الشجاع حميّة الحرب وهولها إذا خيّر بين الدرع والحلة الفاخرة، فإن الدرع فى نظره أكثر نفاسة، وإنه لفتح مبين أدركت
_________________
(١) الخلل جمع خلة: غمد السيف. الخط: أرض كانت تنسب إليها الرماح الخطية. القنا: الرماح. الذبل: الحادة.
(٢) مرابضها: أماكن مقامها. العروب: الجميلة الأصيلة.
(٣) النبع: شجر تقطف غصون منه لينة كالحواجب. تمهى: ترقق منها السهام وتسدد.
(٤) الشرة: شدة الحرب وشدة القتال. الكمى: الشجاع.
(٥) أثأرت البلاد: أدركت لها ثأرها. المقربات: الخيل العطشى طوال ليلة. النهل: الشرب الأول.
(٦) الوجل: الفزع.
(٧) الولوج: الدخول.
(٨) فصال جمع فصيل: ولد الناقة أو البقرة.
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
به للبلاد ثأرها من أعدائها، وإنها لتستشرف به فتوحا متوالية كما تستشرف الخيل الكريمة التى ظلت تعدو ليلة طويلة ظامئة إلى الماء أنها ستنهل منه إذ تراه فجأة أمامها، ولقد سحق الروم سحقا ملأ قلوب أبطالهم بالوجل والفزع فما استطاعوا الدخول فى نفق ولا الصعود فى جبل حتى لكأنهم فصال أو أولاد نوق يسيرون فى وحل، ولا يستطيعون السير، بل يتعثرون ويقعون بالعشرات فى شباك الأسر. وبطولة ثانية صورها لمعركة أخرى من معارك المرابطين، وفيها يقول:
سل الحرب عنهم والسيوف جداول تدفّق والأرماح رقط تنضنض (١)
وبالأرض-من وقع الجياد-تمدّد ولكنه-فيما تروم-تقبّض
وبالأفق للنّقع المثار سحائب مواخض لكن بالصواعق تمخض (٢)
وقد سهكت تحت الحديد من الصّدا جسوم بما علّت من المسك ترحض (٣)
وأشرفت البيض الرّقاق على الطّلى لتكرع فيها والرءوس تخفّض (٤)
فلست ترى إلا دماء مراقة تخاض إلى أكباد قوم تخضخض (٥)
وابن زنباع يقول سل الحرب عن شجاعة المرابطين وبأسهم، والسيوف فى أيديهم كأنها جداول تتدفق بالدماء، والرماح تلوكها وتستحيل رقطا ملطخة بها، والأرض تحت حوافر خيلهم كأنها تتمدد، وهى فى الواقع تطوى طيا، وبالأفق للغبار المثار سحائب حوامل صواعق مهلكة من الأسلحة والعتاد الحربى وقد تغيرت أجسام الأبطال تحت الحديد من الصدأ بما تغسل به من المسك مرارا، وفى أيديهم السيوف وقد سلت على أعناق الأعداء كأنما تريد أن ترتوى منها بينما تهوى الرءوس إلى الحضيض، فلست ترى إلا أنهارا من الدماء تقتحم إلى أكباد الأعداء.
وكان حريا بالفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان أن يضيف فى ترجمة ابن زنباع إلى هاتين البطولتين للمرابطين ما وصفه من بطولات أخرى لهم فى الأندلس، وعلى الأقل كان ينبغى أن يورد قصيدتى البطولتين اللتين ذكرهما كاملتين وأن يذكر القائدين اللذين يمدحهما ابن زنباع بقصيدتيه وموقعتيهما الحربيتين، وسنلتقى بابن زنباع فى عرضنا لأشعار الغزل والطبيعة لتتضح شخصيته الشعرية.
_________________
(١) رقط: جمع أرقط: ما كان بلونه بقع مثل النمر. تنضنض: تلوك.
(٢) النقع: غبار الحرب. مواخض: حوامل. تمخض: تحمل.
(٣) سهك الشئ: تغيرت رائحته. علت: الشرب الثانى بعد النهل. ترحض: تغسل.
(٤) البيض الرقاق: السيوف. الطلى: الأعناق. كرع: شرب.
(٥) مراقة: سائلة. تخاض: تقتحم. تخضخض: خوض فى أكبادهم
[ ١٠ / ٤٠٣ ]