هو عبد الواحد بن محمد البوعنانى مفتى فاس فى عهد المولى إسماعيل العلوى (١٠٨٤ هـ/١٦٧٢ م-١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م) وهو يعد أهم حكام الدولة العلوية، وفى عهده نهض المغرب الأقصى نهضة ثقافية وأدبية، واستعادت البلاد ذكرى واقعة وادى المخازن ضد البرتغاليين فى أوائل العهد السعدى إذ آذن المحتلين الأوربيين للبلدان المغربية بحرب تسحق ضلوعهم سحقا. وأخذت تلك البلاد تسقط فى حجره وحجر المغاربة واحدة تلو أخرى، وكان أول ما حازه منها-كما تقدّم-المهدية سنة ١٠٩١ هـ/١٦٨١ م وتلتها طنجة سنة ١٠٩٥ هـ/١٦٨٤ م ثم حاز العرائش سنة ١١١١ هـ/١٦٩٩ م واستدار العام فحاز أصيلا، وكان حريّا أن يواكب هذه الفتوح قصائد حماسية وملحمية كثيرة. وربما
_________________
(١) انظر فى البوعنانى وقصيدته كتاب الوافى بالأدب العربى فى المغرب الأقصى ٣/ ٨٣٩. والنبوغ المغربى ٣/ ٢٣٢.
[ ١٠ / ٤١٩ ]
كان خير ما نظم فيها مدحة للبوعنانى يشيد فيها بفتح المولى إسماعيل لمدينة العرائش، وهو يفتتحها بقوله:
ألا أبشر فهذا الفتح نور قد انتظمت بعزمكم الأمور
وطير السّعد نادى حيث غنّى قد انشرحت بفتحكم الصدور
وقد وافتكم الخيرات طرّا وطاب العيش واتصل السرور
وجاهدتم وقاتلتم فأنتم لدين الله أقمار تنير
وأطلعتم صوارمكم نجوما لدى هيجاء صاحبها كفور
وأنت البدر يوم السّلم حسنا وفى يوم الوغى الأسد الهصور (١)
والشاعر فرح بهذا الفتح المبين، حتى ليراه نورا يغمر سناه البلاد والعباد، وكل شئ من حوله فرح، فالطير تتغنى، وقد انشرحت الصدور بما وضع عنها إسماعيل من أثقال كانت تعانى منها عناء شديدا، وأى أثقال أشد من احتلال الوطن واعتصار طيبات الرزق فيه، وقد ردّت إلى أهلها وطاب العيش واتصل السرور بفتح العرائش وفتح طنجة والمهدية قبلها، وقد جاهدتم أصحاب الصليب، وانتصرتم لدين الله الحنيف، وكأنكم أقمار تشع من حولها أضواء منيرة، وكأنما سيوفكم نجوم تحف بكم، وإنك للبدر المنير فى السلم حسنا وفى الحرب الأسد الهصور، ويمضى منشدا:
وفى ثغر العرائش قد تبدّى لقدركم على الشّعرى الظّهور
قهرتهم بأبطال عظام على الهيجاء كلّهم جسور
وكم رأس من الكفار أمسى قطيع الرأس مجرورا يخور (٢)
وكم أسرى وكم قتلى بأرض وكم جرحى دماؤهم تفور (٣)
تمرّ بها الطيور فتنتقيها وبات الذئب وهو لها شكور
وأضحى الناس كلّهم نشاوى على طرب وما شربت خمور
وهو يقول للمولى إسماعيل لقد بدا واتضح لقدركم فى ثغر العرائش النصر المبين، فقد قهرتم العدو بالمغاربة الأبطال ممن تدربوا على الحروب، فكلهم جسور على القتال لا يتخاذل أبدا، وكم رئيس من الكفار أمسى مقطوع الرأس أو مجرورا يتخبط فى دمه صائحا، وإن الأسرى والقتلى لأكثر من أن تحصى سوى الجرحى ودمائهم المتدفقة، ولكأنك أقمت للطير مأدبة تتخيّر منها غذاءها، وقد تجمعت عليها الذئاب، وهى تعوى كأنها تشكرك، وأضحى الناس
_________________
(١) الهصور: المفترس.
(٢) رأس: يريد رئيسا. يخور: يصيح.
(٣) تفور: تتدفق.
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
نشاوى من الفرحة بهذا النصر لا من خمر ذاقوها، ولكن من نصر تفوق نشوته نشوة الخمر فرحا وسرورا. ويقول:
فبشراكم بهذا الفتح نور وبشراكم بما منّ الغفور
به زادت مآثركم علوّا وقد عظمت به لكم الأجور
ألا يا أهل سبتة قد أتاكم بسيف الله سلطان وقور
إذا ما جاء سبتة فى عشىّ تزفّ له إذا كان البكور
ووهران تنادى كل يوم متى يأتى الإمام متى يزور
فيهزمكم ويقتلكم ويسبى وسيف الحق فى يده ينور (١)
وهو يبشر المولى إسماعيل بأن هذا الفتح نور منّ عليكم به الله الغفور فزاد مآثركم وأمجادكم سموا، وعظم لكم به الأجر والثواب، وكانت سبتة لما تفتح، فشعر بها تهبّ فى وجه الإسبان مهددة لهم بالمولى إسماعيل وما يحمل من سيف الله الذى لا يفلّ أبدا، وكأنما حين يأتيها مساء تزفّ إليه بكورا منكلا بالمحتلين لها من الإسبان وبالمثل وهران وكانوا قد استولوا عليها، تناديه صباح مساء كي يهزمهم ويقتلهم بسيف الله الذى لا يزال يضيء فى يده، ويختم قصيدته بقوله:
أيا مولاى قم وانهض وشمّر لأندلس فأنت لها الأمير
وجاهدهم وحاربهم وفرّق جموعهم فربّكم النّصير
ولا يمنع بفضل الله منها كما قد قيل برّ أو بحور
بقرطبة تنال المجد طرّا ويأتى العزّ والملك الكبير
وتصور هذه الأبيات مدى طموح البوعنانى حين رأى فتوح المولى إسماعيل تتوالى فيحثه لا على أخذ سبتة ووهران فحسب، بل أيضا على استرداد الأندلس حيث ينال العز والمجد طرا بعودة قرطبة إلى حمى العرب والعروبة.
٤ -