هو أبو العباس أحمد الدغوغى، من شعراء الزاوية الدلائية فى القرن الحادى عشر الهجرى، ومرّ بنا فى الفصل الأول أنه أسس هذه الزاوية فى بادية تادلة أبو بكر الدلائى سنة ٩٧٤ هـ/١٥٦٧ م وأن محمدا ابنه نهض بها إذا استكثر فيها من عمارة الدور والدكاكين وسائر المرافق ووقف على شيوخها وطلابها ما يكفيهم من مئونة. وأمّها كثيرون من علماء المغرب يدرسون فيها ويتحلق من حولهم الطلاب، وسرعان ما أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الثقافة والأدب، ولولا تعرضها لمسائل السياسة لظل لها فى الأدب وشئون الثقافة دور مهم، إذ قضى عليها المولى رشيد وهدم عمارتها سنة ١٠٧٩ للهجرة ونقل شيوخها وعلماءها إلى فاس. والمهم أن محمد بن أبى بكر الدلائى مؤسسها الحقيقى كان يحفّ به كثيرون من الشعراء فى مقدمتهم أحمد الدغوغى الذى قصر عليه جمهور أشعاره، حتى ليصبح شاعره الرسمى الذى ينطق باسمه فى مواقفه العلمية وجهاده نصرة للدين الحنيف، ويصوره زعيما دينيا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وكان لوعظه أصداء بعيدة فى القبائل المتبدّية إذ تستجيب له مذعنة مستشعرة له الولاء، ولدعاته الذين ينهونهم عن اقتراف الآثام والتوبة منها والعمل الصالح. وللدغوغى يمدحه:
_________________
(١) انظر فى الدغوغى وترجمته وأشعاره كتاب الشعر الدلائى لعبد الجواد السفاط «طبع الرباط» وراجع فى الزاوية الدلائية كتاب الدكتور حجى عنها (طبع الرباط).
[ ١٠ / ٤١٧ ]
يا أحلم الحلماء أحزمهم إذا ما الرأى ردّ إلى مشورة حازم
صل واغلظن فى الله واسط مجاهدا بحسام عزمك ذى الذؤاب الحاسم
واقطع حبال خبال كلّ معارض ومعاند للحق غير موائم
فإلام تبرح فى الضلال قبائل من عرب مغربنا سدى وأعاجم
وإلى سيادتك السنيّة ينتهى نصح الورى ولأنت أعلم عالم
والدين أنت إمامه ورئيسه والدهر عبدك وهو أطوع خادم
والدغوغى يصور محمد بن أبى بكر حليما فهو لا يأخذ أتباعه والقبائل من حوله بالشدة، ويقول له لك أن تصول وتجول وتغلظ فى الدعوة لله وتقهر خصومها بحسام عزمك الحاد ولتقض على كل معارض لك ومعاند للحق لا يذعن له. ويحمل على القبائل الخارجة عن ولائه التى لا تبرح مهالك الضلال، الأعجمية منها والمهملة التى لا يصلها دعاته، وينوه بسيادته السنية وعلمه وإمامته وطاعة الدهر له كيفما أمره. وثار فى الصحراء أبو الحسن السملالى وعاث فيها فسادا، ففزع إليه كبراؤها وسادتها يستنجدون به لإحباط ثورته، ففكر فى جمع جيش لحربه ثم عدل عن ذلك إلى طريق الوعظ والإرشاد حتى لا تراق دماء المسلمين، واستجاب لدعاته السملالى وحقنت الدماء، فأنشده الدغوغى قصيدة منوها بصنيعه، وفيها يقول:
كم ولدة لولاكم فى بلدة يتمت وغودرت المواطن عافيه
ولكم بكم عمرت مواطن طالما أقوت وتألفها الذئاب العاويه
هذا لسان الحق ينشد إنما شمس الهدى للمهتدين دلائيه
بكرية الأبراج مشرق سعدها بمحمدىّ الرشد غربا باقيه
ولعلمه ولحلمه ولحكمه حكم تفوق الحصر لا متناهيه
وهو يصف محمد بن أبى بكر الدلائى بأنه دائما يحمى الصغار الأبرياء من حرب آبائهم ولولاه لتيتّموا وأصبحت المواطن خالية من آبائهم، وكم به عمرت بلاد ومواطن كانت تقفر فى عهد غيره وتسكنها الذئاب العاوية، وإن لسان الحق لينشد إن شمس الهدى للناس جميعا دلائية الموطن بكرية الأبراج، مشرقها دائما فى المغرب أو الغرب بمحمد بن أبى بكر، وينوه بعلمه وحلمه وعدالة حكمه. خلال وشمائل تفوق الحصر لا متناهية. ودائما ينوه بكرمه وجوده وأنه غيث مدرار بمثل قوله:
يا من إذا تربت يمينى كان لى نشر ثناه غنىّ فلست أعول (١)
ما المال من أمل إليك أمالنى حسبى رضاك فهل إليه وصول
فرضاك كل غنيمة فى ضمنه حتى الثراء به رضاك كفيل
_________________
(١) أعول: أفتقر.
[ ١٠ / ٤١٨ ]
ولقد أفادنى الفصاحة جودكم وأنا امرؤ حصر اللسان كليل
فعجزت عن نطق بحسن كمالكم وكذا سواى فما عساه يقول
والقطعة تصوره مريدا وتلميذا لشيخه محمد بن أبى بكر، وإنه ليشعر فى عمق حين يعول ويفتقر أن ثناءه على شيخه غنى ما بعده غنى ولا ثراء، ويعلن أنه يمدحه لا لعطاياه، وإنما طلبا لرضاه، فرضاه كل ما يريد من غنمه، وإنه ليحمل إليه ثراء ما بعده ثراء، كما يعلن أن جود ابن أبى بكر هو الذى حل عقدة لسانه وكان عييّا كليلا فأصبح فصيحا، ومع ذلك فإنه يعجز عن بيان كمال أستاذه، بل إنه كمال لا يستطيع هو ولا غيره تصويره. وكان ابن أبى بكر يختم صحيح البخارى مرة كل عام، ويحتفل بهذه المناسبة، وينشده الشعراء مدائح مختلفة، وينشده الدغوغى فى أحد احتفالاته:
نال البخارىّ منه سبحا وغوصا مرامه
فناب فى السّبح عنه وقام غوصا مقامه
أكرم بسوق بديع للمكرمات أقامه
فيه الثناء عليه وقفا إذا الغير سامه
فجوهر الفضل فرد تأبى المعالى اقتسامه
وهو يقول إن صحيح البخارى حظى منه بسبح فى أحاديثه وغوص ما يماثلهما سبح وغوص، ويقول إنه أقام للمكرمات سوقا عظيمة، جعلت الثناء وقفا عليه دون غيره ممن قد يبتغيه، إذ جوهر الفضل فرد، وتأبى المعالى أن يكون قسمة بينه وبين سواه. وعلى هذا النحو كان الدغوغى شاعر محمد بن أبى بكر وداعيته ولسانه الناطق عن ميوله وأهوائه.