طبيعى أن تكثر الرسائل الشخصية فى المغرب الأقصى منذ القرن السادس الهجرى لاكتظاظه بالكتّاب منذ ذلك الحين، ومن طريف ما نلتقى به فى القرن السادس رسالة للقاضى أبى موسى بن عمران المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/١١٨٢ م كتب بها إلى ابن له بفاس فى طلب العلم، وهى تمضى على هذه الصورة (٢):
«إلى ولدى. . هداه الله وصانه، وجمّله بالعلم والتّقوى وزانه. كتبته إليكم عن اشتياق كثير، وبمشيئة الله-تعالى-تتيسّر الأمور، ويتكاتف السرور، وإذا وجدتكم-على ما أحبه من أدوات الحفظ والأداء، ولزام آداب العقلاء-جازيتكم بما يرضيكم، وبما يزيد على أقصى تمنّيكم، وقد أجمعت الأئمة على أن الراحة لا تنال بالراحة، وأن العلم، لا ينال براحة الجسم، فادرس تروس، واحفظ تحفظ، واقرأ ترق. ومهما ركنت إلى الدّعة كنت فى
_________________
(١) الحياة الأدبية فى المغرب على عهد الدولة العلوية للدكتور الأخضر ص ٤١٢.
(٢) النبوغ المغربى ٢/ ١٦٥.
[ ١٠ / ٤٩٩ ]
أهل الضّعة. وما رأيت الناس مجتمعين على حمده فاجتلبه، وما رأيتهم مجتمعين على ذمّه فاجتنبه، والأعدل الأقسط، أن تسلك السبيل الأوسط:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ففى صالح الأعمال نفسك فاجعل»
والرسالة من والد فقيه قاض يأمل لابنه مستقبلا علميا يرفعه بين العلماء، وهو يدعو له أن يتجمّل بالعلم والتقوى ويزدان بهما، فهما الزينة الحقيقية للإنسان، ويقول له إنه سيكافئه مكافأة ترضيه، إذا وجده على ما يتمناه له من حسن الحفظ والأداء اللغوى للكلام، ويذكر مكافأة ترضيه، إذا وجده على ما يتمناه له من حسن الحفظ والأداء اللغوى للكلام، ويذكر له أن ما يتمناه الشاب فى المستقبل من الراحة والطمأنينة لا ينال براحة الجسم والكسل، ويقول له: ادرس وتعمق فى الدرس حتى يأتى يوم ترؤس فيه أقرانك واحفظ المتون والعلوم تحفظ، وأكبّ على القراءة يرق فكرك وترق بين الناس، أما إذا ركنت إلى الكسل والدعة كنت من أهل الضّعة والانحطاط والخسّة. وإذا رأيت الناس يجمعون على مدح شئ وحمده فاجتلبه واكتسبه، وإذا رأيتهم يجمعون على ذم شئ فاجتنبه وابتعد عنه. ويقول له إنه ينبغى لك دائما أن تتخذ لنفسك فى الحياة السبيل الأوسط، حتى لا يتلوّمك أحد على الإفراط والمبالغة فى شئ ولا على التفريط والتقصير فى شئ، فخير الأمور الوسط. ويذكر له أن كل شخص يضع نفسه فى المنزلة التى يختارها لنفسه، وينبغى أن تضع نفسك دائما فى خدمة الأعمال الطيبة الصالحة. ويرسل أبو القاسم الحسنى الشريف فى العهد المرينى قصيدة مع رسالة فى شبابه إلى ابن هاني السبتى الذى مر بنا أنه توفى شهيدا فى جبل طارق سنة ٧٣٧ هـ/١٧٣٧ م ويرد عليه ابن هاني برسالة طويلة جاء فيها (١):
«هذا-بنىّ-واصل الله لى ولك علوّ المقدار، وأجرى-وفق أو-فوق إرادتك وإرادتى لك جاريات الأقدار، ما سنح به الذهن الكليل، واللسان الفليل، فى مراجعة قصيدتك الغرّاء، الجالبة السرّاء، الآخذة بمجامع القلوب، الموفّية بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع (٢) والأسلوب، المتحلية بالحلى السنيّة، العريقة المنتسب فى العلا الحسنية. . وإنك واحد حلبة البيان، والسابق فى ذلك الميدان يوم الرهان، فكان لك القدم، وأقرّ لك مع التأخر السابق الأقدم، فو حقّ فصاحة ألفاظ أجدتها حين أوردتها، وأسلتها حين أرسلتها، وزنتها حين وزنتها، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها، وأصّلتها (٣) حين فصّلتها، ونظام جعلته بجسد البيان قلبا ولمعصمه قلبا (٤)، وهصرت حدائقه غلبا (٥)، وارتكبت رويّه صعبا. . بنىّ! كيف رأيت للبيان هذا الطّوع، والخروج فيه من نوع إلى نوع، أين صفوان بن إدريس، ومحلّ
_________________
(١) النبوغ المغربى ٢/ ١٥١.
(٢) المهيع: الطريق البين.
(٣) أصلت: أبرز.
(٤) القلب: السوار يكون نظما واحدا.
(٥) هصر: جذب وأمال. غلبا: كثيرة الأشجار.
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
دعواه بين رحلة وتعريس (١)، كم بين ثغاء بقر الفلاة وزئير ليث الفريس (٢)، كما أنى أعلم قطعا وأقطع علما، وأحكم قضاء وأقضى حكما، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرائعة، وفريدتك الحالية الفائقة، المعارضة بها قصيدته، المنتسخة بها فريدته لذهب عرضا وطولا، ثم اعتقد لك اليد الطّولى، وأقرّ فارتفع النزاع، وذهبت له تلك الغايات والأطماع، ونسى كلمته اللؤلؤية، ورجع عن دعواه الأدبية، واستغفر ربّه من الإلهية».
ويبدو أن أبا القاسم الحسنى الشريف نظم قصيدته معارضة لقصيدة بديعة لصفوان بن إدريس الذى شهد له أقرانه ومعاصروه الأندلسيون بالبراعة الشعرية الفائقة، وسموا قصيدته القصيدة اللؤلؤية، ولعله أرسل بها مع قصيدته المعارضة إلى ابن هاني السبتى ليشهد له بتفوقه. وهو يستهل رسالته لأبى القاسم بأن قصيدته تأخذ بمجامع القلوب، ويشيد ببلاعته وأنه واحد حلبة البيان، والسابق يوم الرهان، إذ هو الأرسخ قدما مما يجعل صفوان بن إدريس السابق الأقدم يشهد له بروعة بلاغته. وينوه ابن هاني بفصاحة ألفاظه وبراعة معانيه، ويقول أين بيان صفوان بن إدريس من بيانك، ويبالغ فى ذلك قائلا إن بيانه كثغاء أو صياح بقر الفلاة بينما بيانك كزئير الأسد وهو ينهش فريسته. وزعم له أن صفوان لو استمع إلى قصيدته البارعة وفريدته التى عارضه بها لنسخت قصيدته كما تنسخ الريح آثار الديار ولأقرّ لك بالبراعة الشعرية وأن قصيدتك تفوق قصيدته اللؤلؤية، واستغفر ربه من دعواه.
وكان ابن الخطيب أديب غرناطة المشهور فى القرن الثامن الهجرى يكاتب أدباء المغرب الأقصى المشهورين ويساجلهم بالشعر تارة، وبالرسائل تارة أخرى، وممن أرسل إليهم إحدى رسائله ليساجله أبو جعفر الجنّان المكناسى محاولا أن يحرّك قريحته الأدبية، فرد عليه برسالة استهلها بثلاثة أبيات مشيدا فيها ببيانه، وفيها يقول منوّها برسالته إليه (٣):
«جلوت علىّ من بنات فكرك عقائل نواهد، وأقمت بها على معارفك الجمّة دلائل وشواهد، واقتنصت بشوارد بديهتك من المعالى أوابد شوارد، وفجّرت من بلاغتك وبراعتك حياضا عذبة الموارد، ثم كلفتنى من إجراء ظالعى فى ميدان ضليعها (٤)، مقابلة الشمس النيّرة بالسّراج عند طلوعها، فأخلدت (٥) إخلاد مهيض الجناح، وفررت فرار الأعزل عن شاكى (٦) السلاح، وعلمت أننى إن أخذت نفسى بالمقابلة، وأدليت دلو قريحتى للمساجلة، كنت كمن كلّف الأيام رجوع أمسها، أو طلب ممن علته السماء محاولة لمسها. . ثم إن أمرك-يا سيدى-
_________________
(١) تعريس: إقامة.
(٢) الفريس: ما يفترس من الحيوانات.
(٣) النبوغ المغربى ٢/ ١٥٥.
(٤) الظالع: الأعرج. الضليع: القوى المتين.
(٥) أخلد: سكن وفكر.
(٦) شاكى السلاح: كامل السلاح.
[ ١٠ / ٥٠١ ]
لا يحلّ وثيق مبرمه، ولا يحلّ نسخ محكمه، فامتثلت امتثال من لم يجد فى نفسه حرجا من قضائك، ورجوت حسن تجاوزك وإغضائك، أبقاك الله قطبا لفلك المكارم والمآثر، وفصّا لخاتم المحامد والمفاخر».
وهو يشيد ببيان ابن الخطيب فى رسالته، ومعروف أنه أحد بلغاء الأندلس بل العرب قاطبة، وأبو جعفر يحكم اختيار ألفاظه وسجعاته، ويضيف إلى ذلك تشبيهات واستعارات بارعة، من ذلك تشبيهه فى جذبه له لمساجلته بمن يحاول أن يجرى فرسا ظالعا أعرج مع فرس ضليع قوى متين أو بمن يحاول مقابلة الشمس المنيرة عند طلوعها بسراج لا يكاد ضوءه فى نورها يبين، وسكن محسّا كأنه مهيض الجناح، بل لقد جمع نفسه وقرر الفرار من المساجلة فرار الأعزل من حامل السلاح وشاهره، ويخال نفسه إن أدلى دلو قريحته عازما على المساجلة كان كمن يكلف الأيام أن ترد أمسها عليه، بل كمن يطلب من شخص لمس السماء بيديه. ثم يعود إلى نفسه فيرى أن ليس من حقه أن ينقض أمرا لابن الخطيب أو ينسخ حكما له، فامتثل راجيا منه تجاوزه وإغضاءه عن ضعفه فى البيان، ويدعو الله أن يبقى ابن الخطيب قطبا للمحامد والمآثر وفصّا نفيسا لخاتم المكارم والمفاخر. وكان ابن الخطيب فى عصره يعدّ زعيم الأدب والأدباء، وأهدى إليه أبو القاسم الشريف الحسنى ديوانا له سماه جهد المقل، ومعه الرسالة التالية (١):
«الحمد لله الكبير المتعال المسئول أن يعصمنا من خطل القول وزلل الأعمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأرسال. هذه أوراق ضمّنتها جملة من بنات فكرى، وقطعا مما يجيش به بعض الأحيان صدرى، ولو حزمت لأضربت عن كتبها كلّ الإضراب، ولزمت فى دفنها وإخفائها دين الأعراب، ولكنى آثرت على المحو الإثبات، وتمثّلت بقولهم: «إن أحسن ما أوتيته العرب الأبيات. وإذا هى عرضت على ذلك المجد، وسألها كيف نجت من الوأد، فقد آويتها من حرمكم إلى ظل ظليل، وأحللتها من فنائكم إلى معرّس ومقيل (٢)، وأهديتها علما بأن كرمكم بالإغضاء عن عيوبها كفيل، فاغتنم قليل الهدية منى إن جهد المقلّ غير قليل، فحسبها شرفا أن تبوّأت فى جنابك كنفا ودارا، وكفاها فخرا ومجدا أن عقدت بينها وبين فكرك عقدا وجوارا».
وهو يقول إن أوراق الديوان تضمنت طائفة من بنات فكره، ولو أخذ نفسه بالحزم لامتنع عن كتابتها كل الامتناع، بل لمحاها محوا، غير أنه عاد فآثر على المحو الإثبات وتمثل بقولهم إن أحسن ما أوتيته العرب أبيات يقدمها الشاعر بين يديه. ثم يذكر أنها إن عرضت
_________________
(١) النبوغ المغربى ٢/ ١٧٦.
(٢) معرس: مبيت. مقيل: مكان فى القيلولة بنصف النهار.
[ ١٠ / ٥٠٢ ]
عليه، وسألها كيف نجت من الوأد عرف أنها آوت من حرمه إلى ظل ظليل، وحلّت من فناء داره وساحتها إلى خير معرّس ومقيل، ويقول إن كرمه سيجعله يغضى عن عيوبها، وحسبها شرفا أنها نزلت من جنابه دارا، وكفاها مجد وفخرا أن انعقد بينها وبين فكرك جوار حميد وعقد وثيق. ولابن شبرين المتوفى سنة ٧٤٧ هـ/١٣٤٧ م رسالة فكهة كتب بها إلى أبى الحكم بن مسعود الشاهد بالمواريث، ويفتتحها بقوله (١):
«أطال الله بقاء أخى وسيدى لأهل الفرائض يحسن الاحتيال فى مداراتهم، وللمنتقلين إلى الدار الآخرة يأمر بالاحتياط فى أمواتهم، ودامت أقلامه مشرعة (٢) لصرم (٣) الأجل المنسأ (٤)، معدة لتحليل هذا الصنف المنشأ، من الصّلصال والحمأ، فمن ميّت يغسل وآخر يقبر، ومن أجل يطوى وكفن ينشر. . وكلما خربت ساحة، نشأت فى الحانوت راحة، وكلما قامت فى شعب (٥) مناحة، اتسعت للرزق مساحة».
وتمضى الرسالة فى مثل هذه الفكاهة وشاهد المواريث يسأل عن العقار والأملاك، ويقول عن المتوفّى إنه ذكر فى الأسماء الخمسة مع ذو فقيل ذو مال، وأرجل أعوانه تدبّ إلى الأسفاط دبيب الصّقر إلى الحجل (٦)، وحضر الموروث والمكسوب، ووزن بالأرطال، وكيل بالأقداح، والشاهد يصيح فتعلو صيحته، والمشرف يشرف فتسقط سبحته، وتقسّم التركة ويحضر الورثة. وكل ذلك فى أسلوب فكه بديع.
وتظل الرسائل الشخصية فى العهدين السعدى والعلوى تكتب بهذا الأسلوب المسجع البديع، والكتاب يتبارون فى انتخاب ألفاظهم وصياغاتهم انتخابا يروق ويروع.
٤ -