هو محمد بن أحمد بن الشاذلى المتوفى سنة ١١٣٧ هـ/١٧٢٥ م. لم يولد لأبيه فى عهد الزاوية الدلائية، وإنما ولد له بعد خروج أهله وآبائه منها. حفظ القرآن الكريم، وأكبّ بعد حفظه له على علوم اللغة من نحو وصرف وعلوم البلاغة المختلفة، ومضى يتزود بالأدب، ولم تلبث شاعريته أن استيقظت فيه، فأخذ ينظم الشعر فى أغراضه المختلفة، واشتهرت له قصيدة فى الفخر يستهلها بحوار بينه وبين سيدة يمضى على هذه الشاكلة:
ما إن يعيبك فقد الحلى والحلل إن أنت بالهمم الشمّاء كنت ملى
وربّ جاهلة هبّت تعاتبنى أن كنت-عن غمر عيش-مؤثر الوشل (٣)
قالت رأيتك ذا قول محبّره أزهى من الرّوض غبّ الواكف الهطل (٤)
_________________
(١) الوافى ٣/ ٨٥٦.
(٢) انظر فى الشاذلى كتاب الشعر الدلائى (راجع الفهرس) والنبوغ المغربى ٣/ ٤٧.
(٣) غمر العيش: رافهه وواسعه. الوشل: الماء الضحل القليل.
(٤) محبّرة: منمقه. غب الواكف الهطل: عقب السحاب الممطر.
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
وفى الملوك له كفء فامّهم حتى يعيدوك ذا خيل وذا خول (١)
ولست أصغى وإن لجّت لتعدل بى عن منهج الصّون بالنّعتاب والعذل
وإن من كرمى بخلى بشعرى عن تقريظ ذى كرم أو ذمّ ذى بخل
وهو يقول إن الشخص لا يعيبه فقد الحلى والحلل أو بعبارة أخرى فقد الثراء إذا كان مليئا بالهمم السامية الرفيعة، ويقول: رب جاهلة عاتبتنى لانصرافى عن رافه العيش واكتفائى بالوشل القليل منه، بينما أملك بيانا بليغا أزهى من أزهار الروض عقب السحاب الهاطل، وتقول فى الملوك من يستحقه، فاقصدهم حتى يثروك ويصبح لك خيل وخدم كثيرون. ويقول إنه لا يصغى لمثل هذه العاتبة مهما لجت وألحت إذ تريد أن تعدل به عن منهج الاحتفاظ بمروءته، وإن خلاله الكريمة لترفعه عن مديح الملوك والكرماء وعن هجاء البخلاء الأشحاء، وما يلبث أن يعلن لعاذلته قوله:
ولن ترينى مذيلا-ما حييت-له فى غير ذكر الوغى والأعين النّجل (٢)
يأبى إبائى وآبائى ويأنف لى مجد أناف-ولم يقنع-على زحل (٣)
نفس الكريم تعاف الورد يصحبه ذلّ على ظمأ فى الجوف مشتعل
لو كنت سائل غير الله لم أسل غير المذاكى وغير البيض والأسل (٤)
وهو يقول لصاحبته إنه لن يبتذل شعره إلا فى الحماسة والحرب الضارية وإلا فى الغزل بالحسان ذوات الأعين النجل الفاتنة، وإن آبائى وإبائى يأبيان أن أمتهن شعرى وأهينه فى مديح أو هجاء، وبالمثل مجدى الذى بلغ عنان السماء، وظل فى ارتفاعه حتى أشرف على الكوكب البعيد: زحل. ويقول إن نفس الكريم تعاف أن يرد على ماء فيه ذل أو ما يشبهه، مهما كان ظامئا ومهما كان الظمأ يشتعل فى جوفه. وما يلبث أن يقول إنه لو سأل غير الله لم يسأله نوالا ولا عطاء، وإنما يسأله خيلا وسلاحا وسيوفا. ويمضى فى قصيدته منشدا:
لا ترض بالعيش فى ظلّ الهوان وخض لنيل عزّ غمار الموت والثّكل (٥)
فليس يدرك بالجبن البقاء ولا الإقدام يقضبى بما لم يقض فى الأزل
وهو يوصى كل من حوله أن لا يرضوا بعيش فى ظل هوان وذل، وأن يخوضوا فى سبيل العز غمار الموت وفقد الأهل، فالبقاء لا يدرك بالجبن، ونفس الإقدام لا يغير قضاء كتب فى الأزل وقدّر على الإنسان. ويستمر قائلا:
_________________
(١) أمهم: اقصدهم. خول: خدم وعبيد.
(٢) مذيلا: مبتذلا ومهينا. النجل: الواسعة الجميلة.
(٣) أناف: أشرف.
(٤) المذاكى: الخيل. البيض والأسل: السيوف والرماح.
(٥) الثكل: فقد الأهل والأحبة.
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
حلبت شطرى صروف الدهر من عدم ومن يسار ومن صاب ومن عسل
فما بطرت لإثراء ولا حسبى بدت به خلّة تنتاب من خلل (١)
وكنت إما بدا لى من حلىّ عطل ألفيت من حلى فضلى غير ذى عطل
وشى المهنّد يبدو فوق صفحته يغنيه عن شية الأغماد والحلل
وهو يقول إنه طالما جرّب صروف الدهر وأحداثه من فقر وغنى ومن مرّ وحلو فلم يلحقه بطر ولا استخفاف لإثراء ولا بدا خلل فى حسبه وشرفه، وكان إذا أصابه عطل من حلىّ الغنى شعر أن حلىّ فضله يزينه. ويضرب مثلا لذلك السيف فإن الوشى الذى يزينه يبدو على صفحته مما يلمع عليها ويبرق لا على غمده وما يزدان به من بعض النقوش. والقصيدة بديعة فى كل ما يتصل بها من الألفاظ والصور والمعانى.