عرضنا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف أن رقى الحياة العقلية حينذاك أدّى إلى استحداث فن الشعر التعليمى، وكان من السابقين إليه أبان بن عبد الحميد بترجمة كتاب كليلة ودمنة عن الفارسية إلى العربية فى نحو ١٤ ألف بيت من الشعر المزدوج المنظوم من وزن الرجز وفيه
_________________
(١) الخضرم الزخار: البحر الواسع الطاغى موجه.
(٢) مهيمن: قاهر معجز. لسن المناطق: ألسنة البلغاء.
(٣) الطل: المطر القليل. مزمزم: سحاب ملئ بالرعد. همار: مدرار كثير المطر.
(٤) تضوعت: فاحت. شذا: عطر. العبير: الطيب. جونة: وعاء.
(٥) التقصار: القلادة.
[ ١٠ / ٦٠٩ ]
تختلف القافية من بيت إلى بيت، مع اتحاد الشطرين المتقابلين فيها بكل بيت، ونظم مزدوجات أخرى فى التاريخ والفقه. ومن حينئذ شاع هذا الفن الجديد فى العراق وإيران والبيئات الإسلامية المختلفة، وتكاثرت منظوماته فى الأندلس والمغرب، وتأخذ فى الظهور بموريتانيا فى القرن الثانى عشر الهجرى وسرعان ما تتكاثر كثرة مفرطة فى القرن الثالث عشر، ومن أمثلتها فى أواخر القرن الثانى عشر نظم المجيدرى لما ورد عن العرب من كلمات على وزن فاعول ولا مهاسين مثل طاوس وناقوس (١). ونلتقى بالمختار بن بون المتوفى حول سنة ١٢٢٠ هـ/١٨٠٦ م وله فى النحو نظم سماه الاحمرار ذكر فيه من تسهيل ابن مالك ما لم يذكره فى الألفية، ومزجه بها مزجا جيدا يدل على مهارة تامة (٢). وكان يعاصره عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوى المتوفى سنة ١٢٣٠ هـ/١٨١٤ م وقد نظم كتاب جمع الجوامع فى أصول المذهب المالكى للسبكى وسمى نظمه مراقى السعود، وألف شرحا لهذا النظم باسم نشر البنود يقول الشنقيطى: «لم يأت الزمان بمثله، ولا جاد فيما مضى بشكله» وألف فى علم البيان نظمه «نور الأقاح» ووضع له شرحا سماه «فيض الفتاح» جمع من فنون البلاغة الثلاثة: المعانى والبيان والبديع الدرّ الثمين، ألغى فيه الغث وأخذ السمين، وله فى مصطلح الحديث نظم سماه «طلعة الأنوار» وضع عليه شرحا (٣) ولابنه محمد منظومة فى الأفعال جمع فيها ما فى التسهيل لابن مالك وما فى لاميته وما فى شرح بحرق اليمانى للامية، وشرح المنظومة، وهو عمل لغوى بارع، ويقول الشنقيطى معبرا عن إعجابه بهذا العمل: ناهيك به (٤). ولعبد الله بن أحمد الغلاوى معاصر ابن الحاج وأحد أفراد زمنه فى العلم وأعلم من بأرض الحوض منظومات (٥) متعددة، منها منظومته لرسالة ابن أبى زيد القيروانى فى الفقه المالكى، أنشد الشنقيطى من فاتحتها قوله:
ولم أكن جذيل هذا الفنّ وما علىّ لومة لأنّى (٦)
شغلت بالنّحو وبالبيان و(إنّ هذان لساحران)
ويذكر الشنقيطى أنه نظم متنا فى الفقه لعبد الرحمن الأخضرى الجزائرى صاحب متن السلم المشهور فى المنطق، وبدأ نظمه بقوله:
عبد الإله الشنقطىّ يشترى بعقده المنظوم تبر الأخضرى
وقال إنه نظم أيضا متن الخزرجية فى العروض، واستهلّ نظمه لهذا المتن بقوله:
الحمد لله على تخريجى مسائل العلوم بالتدريج
_________________
(١) الشنقيطى ص ٢١٥.
(٢) الشنقيطى ص ٢٨٠ - ٢٨١.
(٣) الشنقيطى ص ٣٨ - ٣٩.
(٤) الشنقيطى ص ٨٣.
(٥) انظر ترجمة الغلاوى عند الشنقيطى ص ٩١ وما بعدها.
(٦) جذيل: خبير.
[ ١٠ / ٦١٠ ]
ويبدو أن منظوماته العلمية كانت سائغة جيدة، ويقول الشنقيطى إنه همّ بنظم مختصر خليل فى الفقه ثم صرفه عن ذلك صارف (١).
وللتجانى بن باب المتوفى حول سنة ١٢٦٠ هـ منظومة فى أزواج النبى ﷺ وأولادهن منه وما لكريماته الطاهرات من بنين وبنات، وله على هذه المنظومة كما يقول الشنقيطى شرح نفيس. وله أرجوزة نظم فيها ورقات الجوينى إمام الحرمين فى علم الأصول (٢). واشتهر أحمد البدوى المجلسى بمنظومتين (٣): منظومة فى أنساب العرب سماها عمود النسب استهلها بقوله:
حمدا لمن رفع صيت العرب وخصّهم بين الأنام بالنبى
والمنظومة الثانية فى غزوات الرسول ﷺ، وينوه الشنقيطى بجودة نظمها وأنها تدل على تبحره فى السيرة النبوية، افتتحها بقوله:
حمدا لمن أرسل خير مرسل لخير أمة بخير الملل
وأفضل الصلاة والسلام على لباب صفوة الأنام
وأنشد له الشنقيطى قطعتين فى غزوة الخندق وغزوة حنين. وممن أكثروا من الشعر التعليمى فى النحو عبد (٤) الودود بن عبد ألّ من نحاة النصف الثانى من القرن الثالث عشر الهجرى وشعرائه، وله مقطوعة فى مد المقصور استهلها بقوله:
ومدّ مقصور خلافه اشتهر وفصّل الفرّاء تفصيلا بهر
ومضى فى المقطوعة يذكر تفصيله لأحكام مد المقصور، ويقول الشنقيطى: «له قصيدة غزلية فى المصادر الغربية، وما ترك مسألة عويصة فى النحو إلا نظمها أسلس نظم وأتقنه، وعلى شاكلته المختار بن ألمّا، يقول الشنقيطى: توفى بعد سنة ١٣١٠ هـ/١٨٩٣ م وله أنظام كثيرة فى النحو (٥)، ومثلهما الحسن بن زين تلميذ عبد الودود المتوفى قريبا من ١٣٢٠ هـ/١٩٠٣ م يقول الشنقيطى: له استدراك على لامية الأفعال لابن مالك مزجه بها ولولا أنه كتبه بالحمرة لالتبس بنظم ابن مالك، وله أنظام كثيرة مفيدة، وينشد بعض نظمه فى مسائل نحوية (٦).
_________________
(١) الشنقيطى ص ٩٢.
(٢) الشنقيطى ص ٧٠.
(٣) انظر ترجمته فى الشنقيطى ص ٣٥٠.
(٤) انظر ترجمته فى الشنقيطى ص ٣٧٤.
(٥) الشنقيطى ص ٢٣٩.
(٦) الشنقيطى ص ٣٧٧ - ٣٧٨.
[ ١٠ / ٦١١ ]