ولد ونشأ فى منطقة تجكانت الموريتانية، وتتلمذ للمختار بن حبيب وأخذ كل ما عنده، وكان يتعثر فى أول أمره، ثم فتح الله عليه واشتهر بعلمه وخاصة فى العربية وجاءه الطلاب من كل فج، وسمعت به قبيلة إديقب اليعقوبية، وهى من أهم قبائل الزوايا فى مدارسة العلوم، فطلبت إليه أن ينزل بها ليأخذ عنه طلابها علم النحو وعلم الكلام أو التوحيد، وكان لا يجارى فيهما، وأقام عندهم مدة، ثم حدثت بينه وبينهم مناظرات فى بعض العلوم كان يقودها تلميذه محمد المجيدرى ومولود بن أحمد وعادوا إلى استسماحه، مستشهدين بقوله تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ فأجابهم بما أجاب به يوسف إخوته، إذ قال ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾. وعاد إلى موطنه وانثال عليه الطلاب، وكان رفيقا بهم يجود لهم بما يملك، وكثروا فرحل بهم إلى بئر فى أرض تجكانت، فشرعوا يبنون الأخصاص لسكناهم، وكان لا يشتغل نهارا ولا ليلا إلا بتعليمهم. وله فى النحو منظومة تسمى الاحمرار جمع فيها بين ما ذكره ابن مالك فى الألفية وكتابه التسهيل وطبعت فى مصر، وله فى النحو أيضا مقدمة ألّفها-كما مرّ بنا- للمبتدئين، وتكونت له فى النحو مدرسة أهم تلاميذه فيها بلاّ الشقراوى جعلناها خاتمة حديثنا عن علماء العربية بموريتانيا. وله من قصيدة يعتب فيها على قبيلة إديقب اليعقوبية وتلميذه محمد المجيدرى ويفاخر بما أسدى إليه وإلى أبنائها من علم العربية قائلا:
فلا تنكرونى آل يعقوب واذكروا ليالى أجلو ما على الناس أظلما
وحين أحلّى منكم كلّ عاطل بدرّى وأسقى باردى كلّ أهيما (٣)
_________________
(١) حنت: مالت وعطفت.
(٢) انظر فى ترجمة المختار بن بون وشعره كتاب الوسيط ص ٢٧٧ والشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٣٤٢.
(٣) الأهيم: العطشان عطشا شديدا.
[ ١٠ / ٥٨٠ ]
وهو يقول لهم لا تنكرونى بعد ما قدمت لكم من جميل واذكروا حلّى لطلابكم المشكلات التى استصعبت وانبهمت، واذكروا ما زينت به من درر العلم أبناءكم وكيف أسقيتهم منه ما أطفئوا به ظمئهم إلى المعارف، ويقول مفاخرا بقبيلته وقومه:
ونحن ركب من الأشراف منتظم أجلّ ذا الخلق قدرا دون أدنانا
نتلو كتاب إله العرش كلّ مسا وكلّ يوم ومن نلقى توقّانا
ومن تكن همّة الأقدار نصرته لم تقدر الناس أن توهى له شانا
وهمّة دونها هام السماء ومن همّته دونها هام السّما دانا (١)
وهيبة ملئت منها القلوب فلو نظرت شزرا إلى أقصى الورى حانا (٢)
ولا ينهنهنى عن حاجة جزع ولا ألين وإن ذو لوثة لانا (٣)
وهو يفخر بقومه أو قبيلته فخرا مبالغا فيه إذ يجعل أعظم الناس قدرا دون أدنى شخص فيهم منزلة ومكانة، ويقول إنهم مكبون على كتاب الله يتلونه مساء وكل يوم، وينوه بشجاعتهم وأن القبائل تحذرهم وتتوقاهم، ويذكر أن الأقدار دائما تنصرهم على أعدائهم، ومن تنصره لا يستطيع أحد ولا قبيل أن يضعفا له شأنا وهم مهابون هيبة ملئت منها القلوب مخافة، حتى إنه لو نظر إلى عدو مغضبا هلك خوفا وفزعا، ولا يعتريه إزاء حاجة يريدها جزع، وإنه صلب لا يلين، إنما يلين الضعيف الواهن. توفى سنة ١٢٢٠ هـ/١٨٠٦ م وقبل بل قبل ذلك بسنوات.