من ذرية عقبة بن نافع والى المغرب ومؤسس مدينة القيروان، يقول الشنقيطى عنه: «كان من أفراد عصره علما وصلاحا، ولم نر أحدا يطعن فى ولايته سوى المختار بن بون كان يشدد النكير عليه لما بلغه من أن الشيخ الكنتى يسلبه. ورجع عن ذلك وصارت بينهما مكاتبات وملاطفات، ويقول الشنقيطى: «على أنه لا يوجد ولى إلا وتنكر عليه أشياء من العلماء» ومن نظر فى كتبه سواء كانت فى الحقائق الصوفية أو غيرها يتبين له فضله، وفيه يقول محمد بن الأمين:
وأخرجه ذو العرش للناس نائبا عن المصطفى والأمر فاش وذائع
ويرضع من ثدى المعارف من أتى مريدا ولم ترضع كذاك المراضع
وهو يقول إن الله أخرجه نائبا عن الرسول فى هداية الناس، وهى مبالغة واضحة. ويذكر أنه يغذى مريديه الكثيرين الذين يأخذون العهود عليه من المعارف الربانية غذاء لا يماثله أى غذاء لشيخ من شيوخ الطرق الصوفية. وقد توفى سنة ١٢٢٦ هـ/١٨١٢ م. وله يدعو إلى العمل الصالح استعدادا للآخرة:
أيقظ جفونك إن القلب وسنان وصمّم العزم إنّ العزم كسلان (٤)
وجدّ شوقا إلى أخراك مبتدرا إن اللبيب إلى أخراه حنّان (٥)
واعمل لدار بها اللذّات قاطبة روح وراح وراحات وريحان
ظلّ وماء وأزهار مفتّقة عن الكمائم أشكال وألوان
قيعان مسك بها الأنهار جارية خمر وماء وماذىّ وألبان (٦)
_________________
(١) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٢٧٨.
(٢) صوارم: سيوف قاطعة.
(٣) انظر ترجمة المختار الكنتى وشعره فى الشنقيطى ص ٣٦١ والشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٣٩٠.
(٤) وسنان: نائم.
(٥) حنان: مشتاق.
(٦) ماذىّ: عسل مصفّى.
[ ١٠ / ٥٩٩ ]
وهو يدعو النائمين عن العمل للآخرة أن يفتحوا عيونهم ويعزموا عزما صادقا على العمل لها والجد فيه فالعاقل من بادر إلى ذلك اشتياقا للآخرة، وعمل لدار الخلد المشتملة على جميع اللذات من راحة وخمر ومسرات وريحان عطر، وظل وماء جار وأزهار عبقة أشكال وألوان وقيعان مسك تجرى من تحتها الأنهار وخمر غير مسكرة وعسل مصفى وألبان، ويسترسل فى وصف من بالجنة من الحور العين منشدا:
بيض نواعم أبكار منعّمة تحار فيهن ألباب وأذهان
ير فلن من سندس الفردوس فى حلل من فوقها حلل من تحتها بان (١)
نشأن وسط مقاصير مزخرفة لم يطمثها بها إنس ولا جان (٢)
ريق لذيد وأنفاس معطّرة ومنطق ساحر الألفاظ فتّان
مهورهنّ صلاح دائم وتقىّ زهد وصبر وإخلاص وإيمان
وهو يستمد فى وصفه للحور العين من سورة الرحمن فى القرآن الكريم، فيقول إنهن بيض ناعمات أبكار مترفات تحار فى جمالهنّ العقول والألباب يتبخترن فى حلل الفردوس السندسية، وقد نشأن فى غرف مزخرفة، لم يلامسهن إنس ولا جان، ريقهن لذيذ ونفحهن شذى وعطر، ويتحدثن حديثا ساحرا فتانا، ومهورهن صلاح وتقى وزهد وتقشف وإخلاص لله ودينه الحنيف وإيمان صادق.