أول كتّاب المغرب الأقصى النابهين فى ديوان على بن يوسف بن تاشفين وابنه تاشفين، ويقال إنه ولد سنة ٥١٧ هـ/١١٢٣ م وكأنه كتب فى هذا الديوان قبل العشرين من عمره، وفيه تعرّف على تقاليد الكتابة الديوانية التى أرساها فى الديوان المغربى كتّاب الأندلس أبو بكر بن القصيرة وابن أبى الخصال وعبد المجيد بن عبدون وأضرابهم، ولما قضى الموحدون على دولة المرابطين فرّ وغيّر هيئته، وكان محسنا لرمى السهام، فانتظم فى الجيش الموحدىّ الذى خرج إلى مدينة سوس فى الجنوب لقتال ثائر هناك، وانتصر الجيش الموحدى وقتل الثائر وانهزم أنصاره، فطلب القائد أبو حفص عمر إينتى كاتبا يحسن عرض المعركة ليخبر بها رئيس الدولة عبد المؤمن ومن معه من الموحدين، فدلّ على أبى جعفر، وكتب له رسالة طويلة أعجبت عبد المؤمن، فاستدعاه، واستكتبه وزاده الوزارة إلى الكتابة، لما رأى عنده من شجاعة قلبه وحصافة رأيه، كما يقول المراكشى. ولم يزل وزيره إلى أن أغضبه فقتله، وفى كتاب المعجب أن سبب قتله أنه كان قد تزوج بنت أبى بكر بن يوسف بن ناشفين، وكان أخوها يحيى فارسا وأبلى بلاء شديدا فى مقاومة الموحدين، وانقاد لهم حين تمّ نصرهم وانضوى تحت لوائهم،
_________________
(١) نعما عما: نعما كثيرة.
(٢) غلفا: جمع أغلف: كأن على القلب غلافا.
(٣) صدف: أعرض.
(٤) انظر فى ترجمة أبى جعفر أحمد بن عطية كتاب المعجب لعبد الواحد المراكشى ص ٢٦٦ - ٢٦٩ والإحاطة لابن الخطيب ١/ ١٣٢ - ١٣٩ والنبوغ المغربى ٢/ ١٦٦ والوافى ١/ ٢٥١ - وانظر فى رسائله مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية (طبع الرباط).
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
فجعله عبد المؤمن قائدا على من دخل فى عقيدة الموحدين من لمتونة قومه، ولم يزل مكرّما عند عبد المؤمن إلى أن بلغته عنه أفعال وأقوال أحنقته عليه. وتحدث عبد المؤمن بذلك فى مجلسه فخشى أبو جعفر أحمد بن عطية على صهره يحيى من فتك عبد المؤمن به، فقال لزوجته قولى لأخيك يتحفّظ، وإذا دعوناه غدا فليظهر المرض، وإذا استطاع الفرار واللحاق بجزيرة ميورقة فليفعل (وكان صاحبها؟؟؟ ارجا على الموحدين). وتمارض يحيى وزاره بعض أصحابه فأسرّ إليه ما بلغه عن صهره أبى جعفر، فنقل الرجل ذلك إلى شخص من أبناء عبد المؤمن، فأمر بالقبض على أبى جعفر وأخيه أبى عقيل الكاتب ولم يلبث أن أمر بقتلهما سنة ٥٥٣ هـ/١١٥٨ م، واعتقل يحيى وظل فى سجنه إلى أن مات، ولم تأخذ عبد المؤمن فى أبى جعفر وصاحبيه رأفة ولا شفقة ولا رحمة.
وأبو جعفر أحمد بن عطية يعدّ فى الذروة من كتّاب عبد المؤمن، ويشهد لذلك أن «مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية» يشتمل على سبع وثلاثين رسالة، له فيها سبع عشرة رسالة، ولو أنه ظل حتى نهاية عبد المؤمن لتكاثرت رسائله فى تلك المجموعة، ومن رسائله خمس موجهة إلى طلبة سبتة من دعاة الموحدين بها، وهو دائما يبلغ أهلها فى تلك الرسائل انتصارات عبد المؤمن تلويحا لها بعد أن قامت بثورتها سنة ٥٤٣ أن تلتزم بطاعة عبد المؤمن وعقيدة الموحدين وإلا أنزل بها عقابا أليما. وتبدأ هذه المجموعة للرسائل برسالة بقلم أبى جعفر بن عطية موجهة على لسان عبد المؤمن إلى طلبة سبتة كى يبلغوها أهلها، وفاتحتها على هذه الصورة:
«من أمير المؤمنين-أيّده الله بنصره وأمدّه بمعونته-إلى الطلبة (الدعاة) الذين بسبتة وجميع من فيها من الموحدين خاصة وعامّة-وفّقهم الله وسدّدهم-سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فالحمد لله مولى الرّغائب، ومسنّى (١) الآمال والمطالب، وقابل توبة التائب، نحمده بما يتعيّن من حمده الواجب، ونصلّى على محمد نبيّه العاقب (٢)، وعلى آله وصحبه أولى المفاخر السنيّة والمناقب. ونصل [بذلك] الرضا عن الإمام المعصوم، المهدى المعلوم، المحرز شرف المبادئ والعواقب، المجلّى بنوره الثاقب حجب الظلام الواقب (٣). . وقد وصلنا بحمد الله إلى مرّاكش على أتمّ أحوال الظفر واليمن، وعدنا إليها تحت ظل السلامة التامة والأمن، بعد كمال الغزوة المباركة وتمامها، وإطفاء نار الفتنة ببرد الهدنة وسلامها، وإلصاق أنوف الكفرة المرتدين برغامها وقطع دابر القوم المجرمين. . وإن النعمة-وفقكم الله-بهذه الفتوح العميمة العامة شاملة على من أخذ بهذا الأمر العزيز (يريد دعوة الموحدين) ودان، وتزيّا بحلته البهية
_________________
(١) مسنى: ميسر.
(٢) العاقب: خاتم الرسل.
(٣) الواقب: الشامل.
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
فازدان، فهى الفتوح التى ظهر بها من آيات المهدىّرضي الله عنه-العجب العجاب، وفاض فيها من بركاته الفيض المنساب، ودرّت بها الأرزاق وانتشر الأمن وكرم المآب، وكان أمرها مخصوصا. بالمرتدين، الخاسرين، فمحقهم وطيسها الشديد الغلاّب، وليس لله على ذلك إلا الحمد والشكر والمتاب». ويقول عبد المؤمن فى الرسالة لأهل سبتة: حافظوا على القرآن والتوحيد.
وواضح أن عبد المؤمن ينعت الخارجين عليه بأنهم كفرة مرتدون، إذ ارتدوا عن دعوة الموحدين، وكأنما أصبحت هى الإسلام، فمن ارتد عنها ارتد عن الدين الحنيف. والرسالة فى أوائلها تدعو بالرضا عن الإمام المعصوم المهدى ابن تومرت الذى أخرج بدعوته الناس من الظلمات. وما تلبث الرسالة أن تذكر أن هذا الفتح وغيره من الفتوح إنما هو من بركاته.
وفى الرسالة الرابعة المكتوبة بقلم ابن عطية والموجهة إلى يحيى بن غانيّة صاحب جزر منورقة الرافض لدعوة الموحدين قطعة يصوّر عبد المؤمن له فيها ابن تومرت داعية الموحدين بهذه الصورة التالية:
«هذا الأمر (يريد دعوة الموحدين) -وفّقكم الله-هو أمر المهدىرضي الله عنه- حقّ فتأمّل، ومع معالمه الجلاء فلا ظنّ ولا تخيل. والمهدىرضي الله عنه-قد بشّر به النبىﷺفى غير ما حديث، وظهرت علاماته وآياته فى قديم من أمره وحديث، ودلّ على اسمه وزمانه وفعله ومكانه بأدلة رفعت الإشكال والتعسف، فأتىرضي الله عنه-كما نعت النبى ﵇ووصف، وقالﷺفيه وفى طائفته العزيزة ما قد ظهر ظهور الإشاعة والإذاعة، وقضى بوجوب الائتمار والائتمام والطاعة، وأخبر فى جملة ما أخبر به عنهم أنهم يقاتلون على الحق إلى قيام الساعة. . وقد تبيّن الصبح لذى عينين، وجدع الحق أنف الكذب والمين، وتجلت (١) الهداية ضد الضلال والرّين (٢)».
وعبد المؤمن فى هذه الرسالة ينعت ابن تومرت بما كان ينعت به عنده وعند دعاة الموحدين من تبشير النبى به ووصفه، وما أوجب للمهدى من اتباع دعوته، ومن لم يتبعها حكم عليه بالكفر والارتداد عن الدين الحنيف، ويقول إنهم مأمورون بالقتال عليها إلى قيام الساعة. ورسائل ابن عطية فى «مجموع رسائل موحدية» مكتوبة بلغة مروّقة صافية مع السهولة والسلاسة وقصر الأسجاع فى جوانب كثيرة من الرسائل، مع تضمينها صورا من الاستعارات ومن المحسنات البلاغية. واحتفظ له ابن القطان فى كتابه نظم الجمان برسالة كتبها على لسان عبد المؤمن من تينملل حين زار قبر المهدى فيها لشهر ربيع الأول سنة ٦٤٥ وهى أشبه
_________________
(١) فى الأصل: جلت.
(٢) الرين: الدنس.
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
بدستور لحكم أمراء الولايات المختلفة وأنه ينبغى أن يقوم على العدل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقد أرسلت نسخ منها إلى جميع الولاة. وحين زجّ به عبد المؤمن فى السجن أرسل إليه يستعطفه برسالة مشهورة استهلها بأبيات يسترحمه فيها وتلتها الرسالة على هذه الصورة (١):
«تالله لو أحاطت بى كلّ خطيئة، ولم تنفك نفسى عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن فى الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت إن الله لم يوح، فى الفلك إلى نوح، وأبرمت لاحتطاب نار الخليل حبلا، وبريت لقدار ثمود نبلا، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار النّدوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة، وأبغضت كل قرشى، وأحببت لأجل وحشىّ كل حبشى، وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب إمامة خليفة، وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتلقت من حصار الدار وقتل أشمطها بشعبة، وقلت تقاتلوا رغبة فى الأبيض والأصفر، وسفكوا الدماء على الثّريد الأعفر، وغادرت الوجه من الهامة خضيبا، وناولت من قرع سنّ الحسين قضيبا، ثم كنت بحفرة المعصوم لائذا، وبقبر المهدىرضي الله عنه عائذا، لقد آن لمقالتى أن تسمع، وأن تغفر لى هذه الخطيئات أجمع، مع أنى مقترف، وبالذنب معترف:
وعفوا أمير المؤمنين فمن لنا بردّ قلوب هدّها الخفقان
والسلام على المقام الكريم ورحمة الله وبركاته».
وهو يقول لعبد المؤمن لو أنى سخرت بكل من فى الوجود من خلق الله، واستنكفت لإبليس من سجوده لآدم وأنكرت أن الله أوحى إلى نوح فى فلكه ما أوحى، وأبرمت حبلا للمحتطبين لنار إبراهيم الخليل، وبريت لقدار ثمود عاقر الناقة نبلا، وحططت عن يونس شجرة اليقطين التى أنبتها الله لتظله، وأوقدت مع هامان لفرعون على الطين ليبنى له صرحا حتى يرى ربه كما زعم، ولو أنى السامرى الذى قبض على شئ من دين موسى ثم كفر به ونبذه ودفع بنى إسرائيل لعبادة العجل فى غيبة موسى، وكذبت على السيدة مريم العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة المقاطعة بين قريش وبين الرسول وصحبه قبل هجرته، وظاهرت الأحزاب وعاونتهم فى حصار المدينة، وأبغضت كل قرشى وأحببت لأجل وحشى
_________________
(١) انظر فى هذه الرسالة كتاب روض القرطاس لابن أبى زرع (طبع الرباط) ص ١٩٦ وكتاب النبوغ المغربى للأستاذ كنون ٢/ ١٦٦ وراجع ترجمة ابن عطية فى الإحاطة.
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
الحبشى قاتل حمزة بن عبد المطلب فى غزوة أحد كلّ حبشى، وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب إمامة أبى بكر وخلافته، ولو أنى شحذت شفرة خنجر غلام المغيرة بن شعبة طاعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أو لو أنه تعلق بشعبة فى حصار عثمان من شعب الدار وقلت تقاتلوا على الدرهم والدينار وسفكوا الدماء وتركت الوجه الكريم لعلى بن أبى طالب خضيبا بالدماء، وناولت يزيد بن معاوية قضيبا ليقرع السن-كما قيل-فى ثغر الحسين. لو أنه صنع شيئا من ذلك ثم لاذ بحفرة ابن تومرت وقبره لقد آن أن تسمع لقولى وتغفر لى خطيئاتى وتعفو عنى. ولم يلن له قلب عبد المؤمن بل ازداد قسوة وأمر بقتله. ولا يقلل من روعة هذه الرسالة أنه استوحاها من الرسالة الجدية لابن زيدون، والحق أنه كان كاتبا بارعا وأن رسائله تعد فى الذروة من النثر المغربى فى مختلف عصوره.