الأخبار عن الحركة العلمية فى موريتانيا إنما تأخذ فى النمو منذ القرن العاشر الهجرى حين تم تعربها بفضل قبائل المعقل العربية: حسان وغيرها، ويسوق الشنقيطى فى كتابه تراجم أدباء شنقيط وكذلك الدكتور محمد المختار ولد إبّاه فى كتاباته أخبارا مختلفة عن تلك الحركة،
[ ١٠ / ٥٥٧ ]
فمن ذلك أنهم كانوا يختبرون الصبى إذا بلغ خمس سنوات من عمره فى حفظ الأعداد الأولى من واحد إلى عشرة فإذا تعلمها وذكرها سريعا أخذوا فى تعليمه الحروف الأبجدية ثم يعلمونه الحركات: الضمة أو الرفع والفتحة أو النصب والكسرة أو الجر، ثم يحفظونه القرآن الكريم، ويذكر الشنقيطى أن كثرة معلمى الصبية فى هذه الدورة كنّ من النساء، مما يدل على أن النساء فى موريتانيا كن يتعلمن حتى يصبحن صالحات لتعليم الصبية. ويقول الحسن الوزان فى حديثه عن مدينة تشيت إن «النساء هن اللائى يتعلمن ويقمن بدور معلمات المدرسة للفتيات والفتيان» وبعد حفظ الصبى القرآن وتعليمه الكتابة يبدأ فى الالتحاق بشيخ ليتعلم على يديه بعض العلوم. والبيئات تختلف فى نوع العلوم التى يبدأ الصبى بتعلمها فى سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، بعد حفظ القرآن فأهل منطقتى آدرار وتكانت ومن حذا حذوهما يبدءون بتعليم الفقه على مذهب الإمام مالك فى متن مختصر لعبد الرحمن الأخضرى الجزائرى ومنظومة لابن عاشر فى الفقه ثم ينقلونه إلى دراسة رسالة ابن أبى زيد رئيس المالكية فى القيروان والبلاد المغربية، ثم يدرس مختصر خليل بن إسحاق المالكى المصرى وبعض شروحه. وبلدان أخرى يبدأ فيها الناشئ بدراسة بعض دواوين العرب والعقائد الأشعرية وتآليف السنوسى الجزائرى فى علم التوحيد ثم يقرءونه الفقه والنحو. وبلدان تبدأ بتعليم علوم البلاغة والمنطق.
ولم تكن هناك حكومة أو جهات تنفق على الطلبة والعلماء، وكان الطلبة يؤمون-فى أحيان كثيرة-علماء بعيدين عن أوطانهم، فكيف يتعيش الطالب الموريتانى إذن، يقول الشنقيطى إن أكثر الطلاب يأخذ الواحد منهم بقرة حلوبا أو بقرتين وربما ثلاثا، وإذا كان الشيخ صاحب إبل أخذ الطالب ناقة أو ناقتين وربما ثلاثا، ويتجمع الطلاب ساعة الحلب ويتناول كل منهم ما يكفيه من اللبن. ويتناوبون رعى بقرهم ونوقهم، ويأخذ راعيها معه كتابه أو لوحه، ويقرأ فى الكتاب أو يحفظ ما فى اللوح، وبالمثل يتناوبون سقى نوقهم أو بقرهم. ومع هذه المشقة كان طلاب موريتانيا يقبلون على دروس العلماء الكبار. وكان العلماء-مثل الطلاب-لا ينفق عليهم أحد ما يستعينون به فى حياتهم ومعيشتهم، ولم يكن أحد من الطلاب يعطيهم شيئا نظير تعلمه، بل على العكس كانوا يعطون المحتاجين من الطلاب بعض ما ينفقونه. ولم يكن فى موريتانيا مدارس بالمعنى المعروف إنما كان فيها محاظر منتشرة فى مدنها ومراعيها من ضفاف نهر السنغال إلى الساقية الحمراء غربا وفى الحوض جنوبا وفى الصحارى الشرقية حيث ترى شيخا بدويا كسائر البدو متقشفا فى ملبسه بالمراعى وبالمثل فى المدن، وترى أمام بيته أو خيمته طائفة من الشبان كثيرة أو قليلة تسكن تحت الشجر أو تحت عريش من الخشب، ومنذ الضحى يلتفون حول الشيخ، وقد يدعوهم إلى بيته أو يلتقى بهم فى مسجد، وقد يلقى الدرس جالسا أو قائما، وقد يلقيه خارج بيته والمسجد ماشيا، وقد
[ ١٠ / ٥٥٨ ]
يقرأ الطلاب نصا بعينه مع شيخهم. وقد يقرئهم ويعلمهم أشتاتا، وهو الغالب، فالطالب يختار مادة قراءته حسب حاجته من فقه أو نحو أو بلاغة، وترى الشيخ مثلا يدرس لعشرة من الطلاب ألفية ابن مالك وطالب يقرأ من أولها وثان من وسطها وثالث من أواخرها ويشرح لكل طالب ما يقرؤه، وهكذا فى الفقه وغيره من العلوم. ومثلا ثانيا إذ يستمع الطلاب إلى شيخ يشرح نصا فى مختصر خليل فى الفقه، إذا هو ينتقل إلى باب من ألفية ابن مالك، ثم إلى درس فى علم التوحيد أو فى علم المنطق أو فى العروض، وقد ينتقل من ذلك إلى شرح بعض أشعار الجاهليين أو الإسلاميين. وتعجب إذ ترى هذا الشيخ العالم يسوق فى الصباح بقرة إلى موضع للرعى، والقدوم على عاتقه يقطع به أعوادا من الشجر ليبنى بها بئرا، ويذهب إليه ليرى المكلفين بالعمل فيه، ويعود-بعد ذلك-ليدرس لتلاميذه طوال النهار، حتى إذا انتهى من صلاة العشاء ونام الناس أخذ يعنى بتصنيف كتاب له أو بالقراءة فى بعض الأمهات والأصول من الكتب.