ذكرنا فى حديثنا عن فتح العرب لدول المغرب الأقصى أنهم لم يكونوا غزاة فاتحين طلبا لمغانم مادية إنما كانوا دعاة للإسلام مجاهدين، ونرى عبد الله بن سعد بن أبى سرح والى الخليفة عثمان على مصر بعد أن يتم له فتح ليبيا وتونس يوجه حملة إلى أرض النوبة سنة ٣١ هـ/٦٥١ م تتوغل حتى دنقلة عاصمة دولة المقرة واضطرت القائمين عليها إلى عقد معاهدة جاء فيها أن على أهل مقرة حفظ المسجد الذى بناه المسلمون بدنقلة وخدمته وإسراجه وأن لا يتعرضوا لمسلم يصلى فيه، ويؤدوا لمصر سنويا ثلاثمائة وستين من شباب رقيقهم ذكرانا وإناثا، وتعهدت مصر بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس. وظلت علاقات الدول الإسلامية فى مصر بمملكة مقرة النوبية قائمة على أساس هذه المعاهدة نحو ستة قرون.
وكانت قبائل البجّة السودانية تنزل فى الصعيد بالصحراء شرقى أسوان إلى دهلك (مصوع) وقامت بغارات على أسوان فى عهد المأمون العباسى فأرسل إليهم حملة بقيادة عبد الله بن الجهم سنة ٢١٧ هـ/٨٤١ م وهزمهم وأملى عليهم معاهدة قبلوها، فيها أن يؤدى ملك البجّة أو أميرهم خراجا سنويا: مائة من الإبل أو ثلاثمائة دينار وأن يحترم البجة الإسلام ولا يقتلوا مسلما. وأهم من ذلك «أن عليهم أن لا يهدموا شيئا من المساجد التى بناها المسلمون فى سائر بلادهم طولا وعرضا» مما يدل على أنه كان قد نزل بديارهم عرب مسلمون بنوا هذه المساجد، وكانت قد نزلت بينهم-قبل هذا التاريخ فيما يبدو-قبائل أو بعبارة أدق جماعات
_________________
(١) انظر فى هذا الموضوع خطط المقريزى فى مواضع متعددة وكذلك مروج الذهب للمسعودى وتاريخ ابن خلدون والسودان عبر القرون للدكتور مكى شبيكة ص ٢٥ وما بعدها وكتاب دراسات سودانية للدكتور عبد المجيد عابدين (طبع جامعة الخرطوم) والإسلام والنوبة للدكتور مصطفى محمد مسعد وكتاب العربية فى السودان للشيخ عبد الله عبد الرحمن ودائرة المعارف الإسلامية.
[ ١٠ / ٦١٨ ]
من قبيلتى بلىّ وجهينة للرعى وللتجارة ولاستخراج الذهب فى منطقة العلاقى، وعبرت البحر الأحمر جماعات من هوازن ونزلت فى إقليم البجة ثم رحلت إلى منطقة كسلا داخل السودان. ونجد البجة فى عهد المتوكل تعود إلى العصيان وتحاول الاستيلاء على مناجم الذهب فى العلاقى من أيدى العرب، ويرسل إليهم المتوكل جيشا سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م بقيادة محمد بن عبد الله القمى ويتغلب عليهم، ويطلب ملكهم الصلح على أن لا يتعرض للعرب العاملين فى معدن الذهب ويدفع الخراج المفروض سنويا. ويزور بغداد وتبهره حضارتها.
وعند ما استولى أحمد بن طولون على زمام الحكم بمصر سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م أرسل إلى بلاد البجة والنوبة حملة بقيادة أبى عبد الرحمن عبد الله بن عبد الحميد العمرى واشترك فيها كثير من قبيلتى ربيعة وجهينة، ونزل كثير من جنوده فى النوبة وأرض البجة. ويذكر المسعودى الذى زار مصر سنة ٣٢٨ هـ/٩٤٠ م أن ربيعة اختلطت بالبجة فى أرض المناجم وأصبحوا أسرة أو قبيلة واحدة. ويذكر المقريزى أن ابن طولون جنّد من النوبيين أربعين ألفا ألحقهم بجيشه، ولا بد أنهم جميعا أسلموا أو لعل كثيرين منهم كانوا مسلمين قبل استخدامه لهم.
وبدون ريب هيّأ نزول القبائل العربية الكثيرة فى البجة والنوبة لاعتناق كثيرين منهما الإسلام، ومع ذلك ظلت الكثرة فى النوبة مسيحية. ويزور بلاد النوبة فى أوائل عهد الفاطميين ابن سليم الأسوانى، ويروى المقريزى عنه أن المسلمين هناك معزّزون وفى حالة استقرار وأنّ كثيرين من النوبيين اعتنقوا الإسلام مع تمسكهم بلغاتهم وجهلهم للعربية. ويذكر ابن سليم أن المسلمين تغلغلوا فى الأراضى السودانية حتى علوة جنوبى الخرطوم، واستطاعوا فى القرن الرابع الهجرى/العاشر الميلادى أن يبنوا لهم مسجدا فى سوبا عاصمة علوة. وكانت أم الخليفة المستنصر الفاطمى فى القرن الحادى عشر الهجرى سودانية وبلغ المجندون من النوبة فى الجيش الفاطمى-بتشجيع منها-خمسين ألفا. وأصبح للعرب من بنى ربيعة-فى العهد الفاطمى- مساكن على وادى العلاقى الممتد من أسوان إلى عيذاب على البحر الأحمر وما به من مناجم الذهب، وفى سنة ٤٧٠ هـ/١٠٧٧ م أعلن شيخهم دخوله فى طاعة الفاطميين فلقّبه الخليفة الفاطمى المستنصر بلقب كنز الدولة وعرف قومه بالكنوز، ولما استولى الأيوبيون على صولجان الحكم فى مصر من أيدى الفاطميين انسحب عرب الكنوز من حدود أسوان إلى بلاد النوبة. وكان ثغر عيذاب قد ازدهر منذ العصر الفاطمى بسبب احتلال حملة الصّليب لفلسطين وقيام مملكة بيت المقدس وتحوّل الطريق الرئيسى لحجاج مصر والبلاد المغربية إليه.
وفى سنة ٦٧٠ هـ/١٢٧٢ م أغار النوبيون على ميناء عيذاب ونهبوا متاجره وقتلوا القاضى والوالى عليه من قبل مصر لعهد الظاهر بيبرس، وأغاروا على أسوان ونهبوا أسواقها، وأرسل بيبرس فى السنة التالية حملة إلى النوبة يقودها والى قوص، ووصل إلى دنقلة وملك النوبة داود يفر أمامه. وجاء إلى القاهرة ابن أخته شكنده متظلما منه، وانتهز الفرصة بيبرس، فجهز له
[ ١٠ / ٦١٩ ]
جيشا مع بعض قواده، ومضى الجيش حتى دنقلة، ولقى داود وجماعته وهرب، وتوج شكنده (إسكندر) ملكا على مقرة بنفوذ وقوة الجيش المصرى المملوكى مع إعلان أنه نائب للسلطان وعليه أن يرسل إليه نصف ما يجمعه من الضرائب والجزية على الشباب من غير المسلمين وكانت فى واقعها ضريبة دفاع، وبذلك عدّ أهل مقرة المسيحيين أهل ذمة. وتوفى شكنده سنة ٦٧٥ هـ/١٢٧٧ م وتولى بعده أمير من البيت المالك دون رجوع إلى السلطان قلاوون الذى خلف الظاهر بيبرس فأرسل إلى بلاد النوبة حملة قضت على الملك الجديد، ونصبت سمامون ملكا على مقرة ونائبا لقلاوون بنفس شروط شكندة السالفة غير أن سمامون لم يلبث أن أظهر عدم إخلاصه وولائه لقلاوون، فأرسل إليه حملة تأديبية بقيادة أيدمر والى قوص، وهزم سمامون وفر إلى الجنوب وأقيم مكانه ابن أخته ورأى قلاوون أن يبقى معه المملوك أيدمر.
وبعد عودة الجيش المصرى المملوكى اضطر سمامون الملك الجديد نائب قلاوون وأيدمر إلى العودة إلى القاهرة فجهز قلاوون حملة كبيرة لمنازلة سمامون سنة ٦٨٧ هـ/١٢٨٩ م ووصل الجيش دنقلة ففرّ سمامون أمامه متوغلا فى الجنوب، وكان الملك الجديد توفى فى الطريق، فنصّب ابن أخته بدنقلة ملكا على مقرة، وبقيت هناك فرقة من الجيش المصرى مع أمير مملوكى. وعاد سمامون ثانية إلى دنقلة، وقبض على الأمير المملوكى وأرسله ورجاله إلى القاهرة وقتل الملك الجديد، وأرسل إلى قلاوون متعهدا له بأداء كل الالتزامات، وقبل قلاوون منه ذلك وتوفى وخلفه ابنه خليل فامتنع سمامون عن أداء الجزية والضرائب، وجهز له السلطان خليل حملة فرّ أمامها من دنقلة، ونصّب مكانه ملك جديد، وكان الأمير عبد الله برشمبو لجأ إلى القاهرة واعتنق الإسلام ودخل فى ولاء محمد الناصر بن قلاوون، وكان من الأسرة النوبية المالكة فرأى الناصر تعيينه نائبا له فى دنقلة وملكا مسلما عليها لأول مرة سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م وأرسل معه حملة لتنفيذ ذلك، وبذلك استولى على صولجان الحكم فى مقرة المسيحية أول ملك مسلم. ولم يلبث أن نازعه الملك شيخ ربيعة الملقب بكنز الدولة، واستطاع القضاء عليه، ونصّب شيخ ربيعة نفسه ملكا على مقرة، ودخلت معه إلى أرض النوبة قبائل عربية كثيرة عملت على نشر الإسلام فيها بحيث يأخذ المسيحيون هناك فى التضاؤل، ولا يبقى منهم فى نهاية القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى إلا عدد قليل جدا. وتلك حسنة واضحة لاقتحام القبائل العربية لأرض النوبة، وهذه الحسنة رافقها توزيع أراضى النوبة بين القبائل العربية وقيام إمارات كثيرة صغرى فيها مما قضى نهائيا على مملكة المقرة.
وكانت الحدود الشمالية لمملكة علوة الواقعة جنوبى مملكة مقرة تسمى الأبواب وكان يقوم عليها حاكم يسمى ملك الأبواب، وخلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد كان يرسل لسلاطين المماليك بولائه، وحين كان يعصى ملك مقرة هؤلاء السلاطين ويفرّ إلى الأبواب كان كثيرا ما يقبض عليه ويرسل به إليهم. ومنذ قامت فى دنقلة دولة إسلامية سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م
[ ١٠ / ٦٢٠ ]
أخذت تضعف صلات مملكة علوة بالكنيسة اليعقوبية فى الإسكندرية، إذ قطع الاتصال بينهما فلم يعد يأتيهم من الإسكندرية أساقفة، وأهملت الطقوس الدينية وهجرت الكنائس. ورافق ذلك انتشار القبائل العربية من مقرة إلى أراضى علوة وسهولها وتغلبهم عدديا على سكانها وامتزاجهم بهم، كل ذلك أسرع بأهل علوة إلى اعتناق الإسلام: المسيحى منهم ومن كان لا يزال على دينه الوثنى.
ولم أتحدث عن الإسلام فى غربى السودان حتى الآن، ومرّ بنا فى حديثنا عن موريتانيا مدى نشر دولة المرابطين بقيادة أبى بكر للإسلام فى إفريقيا المدارية وتغلغله به إلى حوض النيجر وبلاد البرنو والكانم، وكان ملوك الكانم من الطوارق الملثمين المسلمين وكانوا تجارا من قديم واستطاعوا أن يبسطوا سلطان دولتهم الإسلامية من بحيرة تشاد إلى غربى السودان وأرض النوبة، وكان لتجارهم عمل عظيم فى نشر الدعوة الإسلامية غربى السودان، وأهم من ذلك الكتلة الضخمة من قبيلة زوارة البربرية المسلمة التى كانت تنزل فى إقليم فزان، إذ هاجرت إلى إقليمى واداى ودارفور غربى الخرطوم وهاجرت معها كتلة من عرب الشوا أو الشاوية أى رعاة الشاة ومنهم فى غربى السودان السلامات وخزام والجعادنة والمحاميد والدكاكير، وهاجر بعدهم من فزان أولاد سليمان حين استولى الأتراك العثمانيون على ليبيا وكوّن هؤلاء العرب ومن صحبهم من البربر مملكة إسلامية مبكرة فى إقليمى دارفور وواداى بين سنتى ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م و٤٩١ هـ/١٠٩٧ م ومن سلاطين تلك المملكة سليمان وقد شملت سلطنته الكانم بجانب واداى وشطرا كبيرا من دارفور، وورث عنه هذه السلطنة ابنه دونامة (٦٠٧ هـ/١٢١٠ م-٦٢١ هـ/١٢٢٤ م). وهذا بالإضافة إلى ما كان يمر بالسودان الغربى من حجاج إفريقيا المدارية. وكل ذلك عجل بانتشار الإسلام فيه.
وواضح من كل ما سبق أن الإسلام انتشر فى السودان تدريجا، ويبدو أن انتشاره فى غربى السودان كان أسرع من انتشاره فى شرقيه وفى حوض نهر النيل السودانى نفسه، ولم ينتشر-كما رأينا-بالسيف، إنما انتشر بالموعظة والكلمة الطيبة.
٣ -