كان أبوه عالما فاضلا ناسكا مشارا إليه-كما يقول الشنقيطى-فى بلده وجيله، ملحوظا بعين التعظيم فى معشره وقبيله. ويقول عن باب إنه العالم الأوحد الذى أغار ذكره وأنجد. ومرّ بنا أنه أكمل كتاب الديباج فى تراجم فقهاء المالكية من القرن الثامن الهجرى حتى القرن الثانى عشر. ولما كفّ عمه-وكان قاضيا-أنابه عنه فى قراءة الحديث للطلاب والناس حتى وفاته، واشتد الخلاف بينه وبين ابن خاله حرم الذى مرت ترجمته فى مسألة من مسائل الوقف، وانضم إلى كل منهما طائفة من العلماء والشعراء، وكان فقيها محدثا ناسكا. ويقول الشنقيطى عنه: قلما مات أحد ممن يشار إليه فى قبيلته إلا رثاه، توفى سنة ١٢٧٦ هـ/١٨٦٠ م. ومن قوله فى رثاء عبد الله بن حرمة بن الصبار العلوى:
كان عبد الإله برّا تقيّا نزه النفس طاهر الأثواب
صحب الصالحين وهو صغير لم ينل منه عنوان الشباب
كان برّا بأمّه وأبيه ورفيقا بجاره ذى الجناب (٢)
وهو فى لزبة الزمان ربيع ذو جفان كأنهنّ جوابى (٣)
كلّ يوم تراه يدرس علما وهو بالليل قائم المحراب
يقول باب إن عبد الله كان صالحا تقيا نزيها عن الصغائر طاهر الأثواب، صحب الصالحين ناشئا فى شبابه، وكان بارا بأمه وأبيه ورفيقا بجاره البعيد فضلا عن القريب. وفى أيام الشدة والجدب يصبح ربيعا للناس وتكتظ مائدته لهم بقصاع كالحياض مترعة بالطعام، وفى كل يوم يدرس للطلاب والناس علما وفى الليل يخلص لربه مصليا فى المحراب. ويقول فى رثاء محمد بن أحمد الحسنى:
_________________
(١) انظر فى ترجمة باب وشعره الوسيط ص ٣٤ والشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٣٠٦ وما بعدها.
(٢) ذى الجناب: يريد البعيد.
(٣) لزبة: شدة. الجفان جمع جفنة: القصعة. الجوابى جمع جابية: الحوض.
[ ١٠ / ٥٨٩ ]
فعل الجليل جميل فارض ما فعلا رمى بقلبك شجوا أو رمى جذلا (١)
واذكر مصيبة خير الخلق تسل بها إذا عليك مصاب معضل نزلا (٢)
به تيتّم-إذ أودى-بنو حسن يتم ابن يومين والعافون والنّزلا (٣)
لو ساعدتنى القوافى ما تركت لمن يرثى مقالا ولا يشفى لى الغللا (٤)
وباب يدعو للرضا بقضاء الله وكل ما ينزله بالإنسان من حزن أو فرح، ويقول إن مصيبة الأمة فى خير الخلق رسولها الكريم يجعل كل فرد فيها يتعزّى بها عن كل ما ينزل به من مصاب فادح أو كما يقول شديد عسر. وقد أصاب باليتم من يعولهم من بنى حسن والسائلين والضيفان. ولو ساعدته القوافى ما ترك لراث أو نادب مقالا، ومهما قال فلن يستطيع شفاء ما يكنه من حرارة الحزن عليه. ويقول فى رثاء زوجته مريم بنت محمد مولود:
همّ تأوّبه من بعد ما هجعا قد بات منه يراعى النجم مكتنعا (٥)
أضحى الفؤاد به من لوعة خبلا والعين تسكب من تذرافها دفعا
يبكى على مريم يوما وحقّ له أن لا يزال عليها باكيا وجعا
يا ليلة بتّها جنب المليحة لم أهنأ وقد نام عنى القوم مضطجعا
حتى دعاها إلى المولى المهيمن ما يدعو الملوك ويدعو الأعصم الصّدعا (٦)
يا ربّ مريم قد وافتك وافدة فاجعل لها جنّة الفردوس مرتبعا
ومريم زوجة باب هصر الموت غصن شبابها فى سن الواحدة والعشرين وقد تركت ولديها فاطمة وأحمد وقلبه مشغوف بهما، وهو يقول إن همّا ظل يعاوده بعد هجوعه قليلا، وظل سهران يراعى النجوم فى غروبها وكأنما أصابه لشدة لوعته خبل، وعينه تذرف الدمع مدرارا، ويبكى على مريم بكاء حارّا ويتوجع وما كان عليه أشد من ليلتها الأخيرة وهو بجوار محبوبته يتجرع الحزن وقد نام الناس جميعا، ودعاها إلى ربها الموت الذى يدعو الملوك والوعول والوحوش الفتيّة، ويدعو لزوجته ربه أن يدخلها فراديس الجنان. ويستمر فى القصيدة ويدعو الله أن يلطف بولديها وأن تصلى عليها الملائكة وحاملو العرش والأنبياء والمسلمون فى صلاة الجمعة وحجاج بيت الله الحرام، ويسترجع مستسلما للقضاء. والمرثية مؤثرة بالغة التأثير.
_________________
(١) شجوا: حزنا. جذلا: مسرة.
(٢) معضل: شديد أو لا يمكن البرء منه.
(٣) العافون: السائلون.
(٤) الغلل جمع غلة: حرارة العطش وتستعار لنار الوجد والحزن.
(٥) مكتنعا: مائلا إلى الغروب.
(٦) الأعصم الصدع: الوعل الفتىّ القوى.
[ ١٠ / ٥٩٠ ]