على سنة البلاد العربية جميعا حازت موريتانيا لنفسها كثيرا من أمهات الكتب ومتونها المشهورة وشروحها، واعتمدوا فى كثير منها على أعمال الأندلسيين والمغاربة وبالمثل أعمال المصريين إذ كان بعض شبابها يتلقى العلم عن أساتذته فى البلاد المغربية والمصرية، وطبيعى أن يكثر الواردون منهم على علماء فاس وغيرها من البلاد المغربية. وكان منتشرا فى مكتبات البلدان والقبائل فى القراءات كتاب التيسير فى القراءات السبع لأبى عمرو عثمان بن سعيد الدانى وقصيدة «حرز الأمانى فى القراءات» للشاطبى الضرير القاسم بن فيرّة وهى ألف ومائة وسبعة وثلاثون بيتا، ويقول ابن خلدون: «استوعب الشاطبى ما دوّنه الدانى فى القراءات بقصيدته، وعنى الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين، وجرى العمل على ذلك فى أمصار المغرب والأندلس».
وكانوا يعتمدون فى التفسير كما يقول الدكتور محمد المختار-على كتاب التفسير الكبير لابن عطية الأندلسى قاضى المرية، وهو من أهم الكتب فى التفسير وسماه الوجيز فى التفسير تواضعا وهو فى مجلدات ضخمة، ويقول ابن خلدون إنه لخّص فيه التفاسير المأثورة كلها وتحرّى الأقرب منها إلى الصحة. وتداول تفسيره بعده أهل المغرب والأندلس. واعتمدوا أيضا على تفسير القرطبى المسمى «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآى القرآن» وهو فى عشرين مجلدا سار فيه على نهج ابن عطية السنى.
وكانوا يتداولون فى الحديث النبوى كتب الصحاح الستة للبخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة وأبى داود والنسائى، ويقول الدكتور محمد المختار إن أهم محدث كانوا يعنون بكتبه
[ ١٠ / ٥٥٩ ]
أبو الوليد الباجى الأندلسى، وخاصة كتابه المنتقى فى شرح الموطأ وتخريجه لما فيه من الأحاديث، ويذكر أن الموريتانيين عنوا عناية خاصة بكتابه وبشعره وأدبه.
وكانوا يعكفون فى الفقه المالكى على منظومة ابن عاشر ورسالة ابن أبى زيد القيروانى ومختصر خليل بن إسحاق وشروحه، وعنوا بدراسة كتابات أبى عمرو يوسف بن عبد البر الذى تعتز به المالكية وبكتاباته فى الفقه المالكى وفى مقدمتها التمهيد والاستذكار وكتاباته التاريخية وفى مقدمتها الاستيعاب فى تراجم الصحابة، وبالمثل عنوا فى الفقه المالكى بكتابات ابن رشد الفقيه الكبير جد ابن رشد الفيلسوف وكتاباته الفقهية من مثل البيان والتحصيل ومقدماته على المدونة.
ومن كتب النحو التى كانوا يتداولونها متن الآجرومية لابن آجروم الصنهاجى، وكان الأزهر فى مصر إلى عهد قريب يبدأ به دراسة النحو لطلابه، وعنوا بألفية ابن مالك وشروحها وبكتابه لامية الأفعال، وعنوا بألفية السيوطى المسماة الفريدة وبكتب نحوية مختلفة سيأتى ذكرها فى الترجمة لعلماء العربية.
وعنوا فى علم الكلام والتوحيد بالعقائد الأشعرية وكتابات السنوسى والجزائرية وإضاءة الدجّنة للمقّرى، وكانوا يقرءون متن السلم للأخضرى فى المنطق. ودرسوا شرح الأعلم الشنتمرى للشعراء الستة: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة. وعرفوا أهم الكتب الأدبية، وفى مقدمتها الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى والأمالى لأبى على القالى والكامل للمبرد وزهر الآداب للحصرى وبهجة المجالس لابن عبد البر وخزانة الأدب للبغدادى كما عرفوا دواوين كثيرين من الشعراء على مر العصور.
وهذا الحشد من المؤلفات التى كانت متداولة فى موريتانيا، والتى عنى بإحصائها الدكتور محمد المختار فى مقدمات كتابه: «الشعر والشعراء فى موريتانيا» يدل بوضوح على أن موريتانيا-وإن لم تقم على شئونها قبل العصر الحديث دولة تنظم ثقافتها وحياتها العلمية- فإنها استطاعت بفضل عنايتها بالعلوم الإسلامية أن تصبح ذات ثقافة علمية قيمة وأن يصبح لها علماء فى مختلف فروع العلوم الإسلامية والعربية.