هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد اللّواتي الطنجى المشهور باسم ابن بطوطة، ولد فى طنجة سنة ٧٠٣ هـ/١٣٠٤ م لأسرة كانت تشتغل بالفقه والدراسات الدينية وكانت فى بسطة وسعة من العيش، واهتم أبوه-وكان فقيها-بتربيته فحفظ القرآن، ودفعه لدراسة الفقه المالكى واستوعب ما عند شيوخه فى نحو العشرين من عمره، وطمحت نفسه لقضاء فريضة الحج، فخرج من بلده فى الثانية والعشرين من سنه مع رفقة، واتجه معها شرقا إلى الجزائر ونزل؟؟؟ سنتها الشمالية، وتنقل بين رفاق حتى تونس وفيها رأى الالتحاق بقافلة من قوافل الحجاج، وعرفوا فيه فقهه فأقاموه قاضيا بينهم، ونزلت القافلة الإسكندرية فطاف بمشاهدها وزار علماءها وعبّادها وتعرّف على ناسك زاهد يسمى «الشيخ خليفة» وقال له: إنّي أراك تحب السياحة والجولان فى البلاد فأجابه: نعم. فقال له: «لا بد لك-إن شاء الله-من زيارة أخى فريد الدين بالهند وأخى ركن الدين زكريا بالسند وأخى برهان الدين بالصين، فإذا بلغتهم فأبلغهم منى السلام» فعجب ابن بطوطة من قوله وكأنما تنبأ له أنه سيصبح رحالة كبيرا يطوف بلدان العالم الإسلامى حتى أقصاها وأنه سيمد رحلاته إلى الهند والصين. وترك الإسكندرية ميمما وجهه نحو القاهرة ولم يذهب إليها مباشرة إذ طاف قبلها ببعض البلاد فى الوجه البحرى مثل دمنهور وفوّة بالقرب من رشيد ودمياط والمحلة الكبرى. وفى فوة تعرف على شيخ صالح يسمى أبا عبد الله المرشدى، وأكرمه وبات على سطح زاويته، فرأى فى منامه حلما عجيبا: أنه على جناح طائر عظيم، يطير به فى سمت القبلة يتيامن ثم
_________________
(١) انظر فى ابن بطوطة ورحلته النبوغ المغربى ١/ ٢٢٢ ورحلة ابن بطوطة للدكتور شاكر خصباك (طبع بغداد) وابن بطوطة ورحلاته: تحقيق ودراسة وتحليل للدكتور حسين مؤنس (طبع دار المعارف بالقاهرة).
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
يشرّق ثم يذهب فى ناحية الجنوب ثم يبعد فى طيرانه إلى ناحية الشرق وينزل فى أرض مظلمة خضراء ويتركه بها. ويقص حلمه على الشيخ ويطلب إليه تأويله، فقال له: سوف تحج وتزور النبى ﷺ وتجول فى بلاد اليمن والعراق وبلاد الترك وبلاد الهند وتظل بها مدة طويلة.
وكان هذا التفسير لحلم ابن بطوطة وما حمله له الشيخ خليفة من السلام إلى إخوة له فى الهند والسند والصين إرهاصا ليصبح رحّالة بل ليصبح أعظم رحالة عرفه العرب فى تاريخهم الوسيط. ونزل القاهرة والفسطاط، ثم أخذ طريقه إلى الحج عن طريق الصعيد وعيذاب على البحر الأحمر وفيها رأى الطريق البحرى إلى جدّة معطّلا لخروج قبائل البجّة على سلطان مصر محمد الناصر بن قلاوون، فعاد إلى الفسطاط، واتجه إلى صحراء سيناء وتجول فى بلاد الشام من بيت المقدس ومعان إلى حلب، وخرج من الشام مع ركب من الحجاج إلى المدينة المنوّرة فمكة، واتجه بعد أداء فريضة الحج إلى العراق وغربى إيران ونزل فى النجف وواسط والبصرة وشيراز فى إيران وبغداد وبلدان الموصل. وحج حجته الثانية وأقام بمكة سنة، ورأى أن يزور اليمن وطاف ببعض بلدانها وعبر البحر إلى أفريقيا الشرقية وزار الصومال وزيلع ومقدشو، وعاد إلى الجزيرة العربية مارا بشواطئها الجنوبية وظفار وعمان ودخل الخليج العربى وبعض بلدانه. وحج حجته الثالثة واتجه بعدها إلى مصر، ولم يلبث أن رحل إلى آسيا الصغرى حيث بلدان السلاجقة وأمراء الدولة العثمانية الأوائل، وأبحر إلى شبه جزيرة القرم وكانت تابعة لسلطان مغول القفجاق محمد أوزبك وتجول فى بلاده وفى بلاد القوقاز والبلغار، ورغب فى أن يدخل بلاد الظلمة (روسيا) وعدل عن ذلك. وأنس به السلطان محمد أوزبك ويعدّه من أعاظم ملوك الدنيا، وأرسله فى ركب مع زوجته بنت ملك الروم لزيارة أبيها فى القسطنطينية فتعرف على بلدان الدولة البيزنطية. ويرحل إلى خوارزم، ويدخل سمرقند، ويتجوّل فى بلدان خراسان مثل بلخ وبخارى وبلاد أفغانستان مثل هراة، ويدخل إلى الهند فى سنة ٧٣٤ هـ/١٣٣٣ م ويكرمه سلطان السند أو البنجاب محمد شاه ويوليه قضاء دهلى ويقيم بها ثمانى سنوات. وأرسله السلطان فى وفد بهدية إلى ملك الصين، وأبحر إلى قاليقوط إحدى ثغور الهند فى الغرب، وهبت عاصفة أغرقت المركب وأسرته والهدية، ولم يرجع إلى السلطان، ورحل إلى جزائر ذيبة المهل (الملديف) جنوبى الهند، وتولّى القضاء بها عاما وبعض عام، وتركها إلى الصين عن طريق جزيرة سيلان والبنغال، ويركب البحر وينزل سومطرة وجاوة، ثم يتجه إلى الصين ويتجول فى بلدانها، ويعود إلى سومطرة ويمر بإيران والعراق والشام ومصر، ويبحر من عيذاب لقضاء العمرة. ويصمم على العودة إلى موطنه، ويصل إلى تونس ويركب منها البحر إلى الجزائر ويمر بسردانية وبتلمسان، ويصل إلى فاس سنة ٧٥٠ ويرحب به سلطانها أبو عنان ويلحقه بحاشيته. ولا يلبث أن يزور الأندلس ويتجول فى بلدان إمارة بنى
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
الأحمر بغرناطة، ويعود منها عازما على زيارة السودان الغربى، ويدخل الصحراء إليه سنة ٧٥٣ ويتجول فى بلدان مالى ويصل إلى تمبكتو على النيجر، ويعود فى أواخر سنة ٧٥٤ إلى المغرب. وكان السلطان أبو عنان معجبا أشد الإعجاب بما يقصه عن رحلاته فأمر كاتبه ابن جزىّ أن يساعده فى كتابة رحلته التى سماها: «تحفة النظّار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار». ونجد ابن جزىّ يقول فى آخرها: «انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبى عبد الله محمد بن بطوطة» وكان فراغه من هذا التلخيص فى شهر صفر سنة ٧٥٧ هـ/فبراير ١٣٥٦ م. ويبدو أن ابن بطوطة كان قد قيد رحلته فى أسفار كثيرة وأن ابن جزى لخصها مما جعل بعض الباحثين يظن أنها من تحريره. وابن جزى نفسه يعترف بأن كل ماله إنما هو تلخيص واختصار لجوانب من تفاصيلها الكثيرة، ولذلك نذهب إلى أنها مكتوبة فى جملتها بأسلوب ابن بطوطة نفسه، ونعدّه لذلك من كبار كتاب المغرب الأقصى. وهو لا يدخل بلدة إلا وصف سورها إن كان لها سور مثل الإسكندرية ودورها ومطاعم أهلها وملابسهم وأسواقها ومدارسها وعلماءها ونسّاكها وحكامها وعادات سكانها وتجاراتها وزروعها وعملتها وكل ما يتصل بها، وكيف لابن جزى بوصف ذلك وهو لم يشاهد شيئا منه. وكانت فيه نزعة دينية قوية فأطال الحديث عن الزوايا والنساك والأولياء وأصحاب الكرامات، ونقتطف بعض ما جاء فى رحلته الضخمة، فمن ذلك قوله عن مصر:
«أم البلاد، وقرارة فرعون ذى الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة (ذات المزارع والرياض الجميلة) المتناهية فى كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحطّ رحل الضعيف والقادر، بها ما شئت من عالم وجاهل، وجادّ وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، وتموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة أماكنها ومكانها، وشبابها يجدّ على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد». والسجع قليل فى الرحلة، إذ لا يعدو المقدمة وكلمات قليلة تقال فى وصف بعض البلدان، والأسلوب العام أسلوب مرسل طليق اختاره ليكون دقيقا وواضحا فى وصف مشاهداته.
ويقول عن أهل مصر إنهم «ذوو طرب وسرور ولهو» أما المدارس فلا يحيط أحد بها لكثرتها، ويشيد بمارستان قلاوون وأن الواصف يعجز عن بيان محاسنه إذ أعدّ فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر، ويقول إن مجباه (ما يجبى إليه وينفق عليه) ألف دينار كل يوم. ويقول إن الزوايا الخاصة بالزهاد والمتصوفة تكثر فى مصر كثرة مفرطة. وينزل آسيا الصغرى ويتجول فى بلدانها ويصف مشاهدها ومساجدها ومدارسها وحماماتها ويتحدث عن حكامها من السلاجقة والعثمانيين، ويعجب فيها بنظام للفتوة يقوم به فتيان على حسن الضيافة وإيواء
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
الغريب. ووجدهم فى كل بلدة يتخذون لهم رئيسا كما يتخذون مقرّا يتعاونون فيه على البر بالضيف وإكرامه، وكان هذا النظام للفتوة هناك يسمّى «الأخيّة» ويصفه قائلا:
ذكر الأخيّة الفتيان: واحد الأخيّة أخى على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية، فى كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد فى الدنيا مثلهم أشد احتفالا بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدى الظّلمة. والأخى عندهم رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأعزاب والمتجرّدين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هى الفتوة. ويبنى زاوية ويجعل فيها الفرش والسّرج وما يحتاج إليه من الآلات، ويخدم أصحابه بالنهار فى طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم، فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق فى الزاوية، فإن ورد فى ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم. وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف. وإن لم يرد وارد اجتمعوا على طعامهم، فأكلوا وغنّوا ورقصوا، وانصرفوا إلى صناعتهم بالغدوّ (صباحا) وأتوا بعد العصر إلى مقدّمهم بما اجتمع لهم، ويسمّون الفتيان، ويسمى مقدمهم- كما ذكرنا-الأخى. ولم أر فى الدنيا أجمل أفعالا منهم، ويشبههم فى أفعالهم أهل شيراز وأصفهان (فى غربى إيران) إلا أن هؤلاء أحبّ فى الوارد والصادر، وأعظم إكراما وشفقة. وفى اليوم الثانى من يوم وصولنا. . أتى أحد هؤلاء الفتيان إلى الشيخ شهاب الدين الحموى (رفيق لابن بطوطة) وتكلم معه باللسان التركى، ولم أكن يومئذ أفهمه (إذ تعلّمه فيما بعد) وكان عليه أثواب خلقة، وعلى رأسه قلنسوة لبد (صوف) فقال لى الشيخ أتعلم ما يقول الرجل فقلت: لا أعلم ما قال، فقال لى: إنه يدعوك إلى ضيافته أنت وأصحابك فعجبت منه وقلت له: نعم. فلما انصرف قلت للشيخ: هذا رجل ضعيف ولا قدرة له على تضييفنا ولا نريد أن نكلفه، فضحك الشيخ، وقال لى هذا أحد شيوخ الفتيان الأخيّة، وهو من الخرّازين (إسكافى) وفيه كرم نفس وأصحابه نحو مائتين من أهل الصناعات قد قدّموه على أنفسهم، وبنوا زاوية للضيافة، وما يجتمع لهم بالنهار ينفقونه بالليل. فلما صلّيت المغرب عاد إلينا ذلك الرجل وذهبنا معه إلى زاويته، فوجدناها زاوية حسنة مفروشة بالبسط الرومية الحسان، وبها الكثير من ثريّات الزجاج العراقى، وفى المجلس خمسة من البياسيس، والبيسوس شبه المنارة من النحاس، وله أرجل ثلاث، وفى وسطه أنبوب للفتيلة، ويملأ من الشّحم المذاب، وإلى جانبه آنية نحاس ملأى بالشحم وفيها مقراض لإصلاح الفتيل، وأحدهم موكّل بها، ويسمّى عندهم الجراغجى. وقد اصطفّ فى المجلس جماعة من الشبان، لباسهم الأقبية وفى أرجلهم الأخفاف (جمع خفّ) وكل واحد منهم متحزم، وعلى وسطه سكين فى طول ذراعين، وعلى رءوسهم قلانس بيض من الصوف، بأعلى كل قلنسوة قطعة موصولة بها فى
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
طول ذراع وعرض إصبعين، فإذا استقرّ بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوته ووضعها بين يديه، وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردخانى (ضرب من الحرير) وسواه حسنة المنظر، وفى وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين. ولما استقرّ بنا المجلس عندهم أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء، ثم أخذوا فى الغناء والرقص فراقنا حالهم، وطال عجبنا من سماحتهم وكرم أنفسهم، وانصرفنا عنهم آخر الليل».
وبهذا الأسلوب المرسل فى حبكة السرد ودقة الوصف تتميز كتابة ابن بطوطة فى رحلته، ويقول إنه كان بعد ضيافته فى هذه الزاوية كلما نزل من بلاد الأناضول سأل عن الأخيّة، وأحيانا كانوا لا ينتظرون حتى يسأل عنهم، بل يسرعون إليه، وتتعارك جماعاتهم عليه. ويذكر صناعاتهم وحاكم كل بلدة ومن حوله من الفقهاء والعلماء وما منحه من الهدايا والصلات، ودائما-كعادته فى كل بلدة نزلها-يذكر حكايات النسّاك ومن فيها من أصحاب الكرامات المسمون بالأولياء. وينتقل إلى شبه جزيرة القرم وبلدان مغول القفجاق وسلطانها: محمد أوزبك وذهابه لزيارته فى عاصمته «السرا» شمالى بحر خوارزم وكان معسكرا بجيشه قريبا منها، وركب إليه مع حاكم شبه جزيرة القرم عربة تجرها الجياد «وعلى العربة شبه قبة من قضبان خشب مربوط بعضها إلى بعض بسيور جلد رقيق، وهى خفيفة الحمل وتكسى باللبد (الصوف) أو الملف (الجوخ)، وفيها طيقان مشبكة ويرى الذى بداخلها الناس ولا يرونه، ويتقلب فيها كما يحب، وينام، ويأكل، ويقرأ، ويكتب وهو فى حال سيره».
ووصل إلى معسكر السلطان وقال إنه يشبه مدينة عظيمة تسير بأهلها، ففيه المساجد والأسواق والمطابخ، وكل ذلك تحمله وتجره العربات. ودخل على السلطان محمد أوزبك فأكرمه. ويعده من أعاظم ملوك الدنيا، ويصف مجلسه الذى كان يتخذه فى كل يوم جمعة بعد الصلاة يقول: «إنه يجلس فى قبة تسمى قبة الذهب، مزينة بديعة، وهى من قضبان خشب مكسوة بصفائح الذهب، وفى وسطها سرير من خشب مكسو بصفائح الفضة المذهبة وقوائمه فضة خالصة ورءوسها مرصعة بالجواهر، ويقعد السلطان على السرير، وعلى يمينه زوجتان وكذلك على يساره، وكلما جاءت إحداهن قام لها السلطان وأخذ بيدها حتى تصعد على السرير، وهذا كله على أعين الناس دون احتجاب». ويفيض فى الحديث عن كل زوجة وجواريها، ومماليكها وما أهدينه. ويعرف السلطان رغبته فى زيارة بلدان البلغار فيرسل معه من يهديه الطريق، وحاول أن يدخل فى إقليمى ويسوا ويورا (روسيا) فى شمال البلغار حتى المحيط المتجمد الشمالى ويسميها أرض الظّلمة. ويعدل عن ذلك لعظم المئونة. ومن طريف ما قاله عنها مما سمعه من الناس: أن السفر إليها لا يكون إلا فى عجلات صغار تجرّها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد فلا يثبت فيها قدم الآدمى ولا حافر الدابة، والكلاب
[ ١٠ / ٥٣٠ ]
لها الأظفار فتثبت أقدامها فى الجليد». ويصف العجلات التى تجرها الكلاب ومسيرتها. فحتى ما يسمعه عن بعض الأقاليم يعرف كيف يقصّه بدقائقه. وتزور إحدى زوجات محمد أوزبك أباها ملك القسطنطينية فيرسله فى رفقتها يتجول فى بلدان تلك الدولة، ويعود إلى حاضرة السلطان، وينوه بفقيه يسمى نعمان الدين الخوارزمى كان السلطان يزوره كل يوم جمعة فلا يقوم إليه ويقعد السلطان بين يديه ويتواضع إليه والشيخ يترفّع عليه حتى إذا حضره المساكين والفقراء تواضع لهم وكلمهم بألطف كلام.
ويطوف ابن بطوطة ببلدان سلاطين المغول فى التركستان ويمر ببلدان خراسان وأفغانستان إلى الهند، وعيناه الواسعتان ترصد وتسجل كل ما بها من أنهار وغروس وأشجار وحبوب وفواكه. ويعرض سكانها بعاداتهم وحكامها وضيافتهم له. ويعجب لحرق الهندوس لموتاهم بالنار وتحريق النساء مع أزواجهنّ حين يموتون وتقربهم إلى إلههم بالغرق فى نهر الكنج المقدس، ولا يكتفى برواية ذلك بل يعرض فى تفصيل مشاهد من ذلك عرضا بديعا. ويحتفى به الأمراء والقضاة والفقهاء فى بلاد الهند حتى يصل إلى دهلى (دلهى) ويصف سورها ومزاراتها وجامعها ويذكر أن به ثلاث عشرة قبة وأربعة من الصحون، وفى صحنه الشمالى صومعة (مئذنة) لا نظير لها فى بلاد الإسلام ورأسها من الرخام الخالص وتفاحاتها (رءوس أعمدتها) من الذهب الخالص وسلمها واسع بحيث تصعد فيه الفيلة. ويتحدث عن علماء دهلى ونسّاكها وتاريخها منذ فتحها المسلمون وسلاطينها حتى سلطانها الأخير لأيامه محمد شاه، كما يتحدث عن هذا السلطان وقصره ومجلسه وكثرة ما بخزائنه من الحلى والذهب، ويقول إن سريره أو عرشه من الذهب الخالص وأن قوائمه مرصعة بالجواهر، وأن طوله ثلاثة وعشرون شبرا، وعرضه نصف ذلك، ويطيل وصفه. ويخلع عليه الخلع السنيّة وينعم عليه بوظيفة القضاء فى عاصمته، ويظل يتولاها ثمانى سنوات كما مرّ بنا. ويتحدث عن انتشار السحر فى الهند ويذكر ما رآه من عجائب فيها. وينزل جزائر ذيبة المهل (الملديف) ويفصل القول عن سكانها وملابسهم وعاداتهم فى الزواج وغير الزواج. ويتجه إلى الصين وينزل سومطرة أو بلاد الجاوة ويصف بعض أشجارها مثل اللبان والكافور والعود الهندى والقرنفل، وفيها جميعا يقول:
«شجرة اللّبان صغيرة تكون بقدر قامة الإنسان إلى ما دون ذلك وأغصانها كأغصان الخرشف (الخرشوف) وأوراقها صغار رقاق، واللبان صمغية تكون فى أغصانها. وأما شجرة الكافور فهى قصب كقصب بلادنا، إلا أن الأنابيب منها أطول وأغلظ، ويكون الكافور فى داخل الأنابيب. وأما العود الهندى فشجره يشبه شجر البلوط إلا أن قشره رقيق، وأوراقه كأوراق البلوط سواء ولا ثمر له. وأما أشجار القرنفل فهى ضخمة، والمجلوب منها إلى بلادنا هو العيدان، والذى يسميه أهل بلادنا نور القرنفل فهو الذى يسقط من زهره وهو شبيه بزهر النارنج، وثمر القرنفل هو المعروف فى بلادنا بجوز الطيب، رأيت ذلك كله وشاهدته».
[ ١٠ / ٥٣١ ]
وينزل الصين ويقول: فى كل مدينة منها حى للمسلمين ينفردون فيه بسكناهم ومساجدهم، ويقول إن لكل شخص من أهل الصين عكازا يعتمد عليه فى المشى، ويذكر أن الحرير عندهم كثير جدا وأنهم لا يتبايعون بالدينار والدرهم إنما بيعهم وشراؤهم بورق كل قطعة منه بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان (وهم بذلك أول من تعامل بأوراق نقدية) وينوّه ببراعتهم فى التصوير ويطيل الحديث فى ذلك، وقال إنهم يتخذون بيوتا لذوى العاهات. ويقص ما شاهده من عجائب هناك. ويعود من الصين إلى موطنه بعد أن أدّى فريضة الحج، ويرحل رحلته الثانية إلى الأندلس ثم رحلته الثالثة إلى السودان الغربى على المحيط الأطلسى.
والرحلة تصور العالم الإسلامى فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى أروع تصوير لا بقلم كاتب كبير فحسب بل بريشة فنان بارع وقد اهتم بها المستشرقون فنشروها مع ترجمتها للغاتهم كما نشروا منها قطعا أو أقساما مع ترجمتها والتعليق عليها.