من قديم أهم من الزروع والمراعى عند أهل موريتانيا التجارة مع أهل السودان. وأهم ما يتجرون به معهم الملح الذى كانوا يستخرجونه من مناجم تغازى حتى القرن العاشر الهجرى، وأخذوا-فيما بعد-يستخرجونه من آجّل شرقى وادان، ويكاد كل أهل موريتانيا يتجرون فيه لكثرة العائد منه، ويتجر فيه أهل شنقيط ووادان وتيججكة وولاته والحوض وتكانت، ويكاد يباع فى أعماق السودان بوزنه ذهبا. ومر بنا قول ابن بطوطة فى زمنه إن الحمل منه أى حمل البعير وهو-كما قال-لوحان بعشرة مثاقيل من الذهب فى تغازى، ووجده فى مالى
[ ١٠ / ٥٥٤ ]
يباع بثلاثين مثقالا وقال إنه قد يباع فى مالى بأربعين مثقالا، ومالى قريبة من تغازى فما بالنا بما يباع به فى أراضى السودان البعيدة. وقال الشنقيطى إن كل ما عند أهل السودان من الخيل والثياب والزروع والعبيد كانوا يبيعونه-أو يبادلونه-بالملح. ومما يأتى به بائع الملح من هناك القماش المعروف بالأكحال وأردية يسمونها «ديماس وديسة» وبنائق والفول المعروف عند المصريين بفول السودان وعند أهل الشام بالفستق وعند أهل الحجاز باللوز الهندى. وهذه هى التجارة العامة فى موريتانيا وتليها التجارة فى الصمغ، ويجنيه أهل القبلة من الأنحاء التى يكثر فيها القتاد أو الشوك وكذلك أهل الحوض. ولم يكن أهل موريتانيا يعرفون النقود فكانوا يتبادلون فى الكثير الأكثر القماش الذى يحتاجونه لملابسهم بالغنم، وكان الثلاثون ذراعا من القماش تسمى باسم البيصة، وهى الوحدة التى يرجعون إليها فى ثمن الأنعام والعبيد فيقولون مثلا هل تبيع هذا العبد أو ذلك البعير أو هذا الثور بعشر بيصات أو يقولون مثلا بكم أشترى بالبيصة من الغنم فيقال ثلاث أو أربع ونحو ذلك. وإذا كان البيع أو التبادل بين الأنعام بعضها وبعض فيقولون مثلا ثمن هذا البعير أربعة عجول من البقر أو ثمانية من الغنم.
وليس فى موريتانيا سوى صناعات أولية بسيطة، وكان فيها حدادون بسطاء يصنعون الفئوس والخناجر وآلات الحراثة، وكان بها دباغون يدبغون الفراء وجلود الأنعام، وبعض النساء كن يخطن ما يصنع من الجلود، وكان بينهم من يصنع أوانى الخشب، وكل تلك صناعات يدوية أولية.