هى أول دولة إسلامية ذات نظم سياسية وإدارية تظهر فى السودان الأوسط قاعدتها
_________________
(١) انظر فى دولة الفونج مخطوطة كاتب الشونة فى تاريخ السلطنة السنارية والإدارة المصرية وكتاب السودان عبر القرون للدكتور مكى شبيكة وانظر تاريخ السودان القديم والحديث لنعوم شقير وكتاب قبائل من السودان الأوسط والسودان الغربى للدكتور عبد المجيد عابدين: فصل سقوط الممالك النوبية وقيام الفونج.
[ ١٠ / ٦٢١ ]
سنار على النيل الأزرق، واختلفت الآراء فى أصل الفونج، فقيل إنهم من إقليم البرنو دخلوا السودان من غربيه فى القرن الخامس عشر الميلادى، وقيل هم من الشلوك القاطنين فى جزر النيل الأبيض، وقيل هم من أعالى النيل الأزرق من إقليم فازوغلى، وكانوا هم ينسبون أنفسهم إلى العرب، ويقولون إنهم من نسل بعض بنى أمية الذين فروا من الشام أثناء مذابح العباسيين لأبناء أسرتهم فى أول استيلائهم على الحكم، وكأنهم تغلغلوا فى الفرار حتى وصلوا إلى منطقة سنار على النيل الأزرق. وكانت العربية لغة دولتهم الرسمية، وكانوا يكتبون بها وثائقهم وبذلك كانوا دولة عربية إسلامية، وأول قيام تلك الدولة يؤرخ له بسنة ٩١٠ هـ/١٥٠٤ م وكان يرأسها ملك يسمى «عمارة دونقس» وكانت مملكة علوة فى سوبا قد تضعضعت، فتحالف عمارة دونقس مع عبد الله جمّاع شيخ عرب القواسمة من جهينة وشيخ قبائل العبدلاّب، وكان يسود المنطقة من التقاء النيلين الأبيض والأزرق مع الامتداد شمالا، والتقى الحليفان مع قوات مملكة علوة وانتصرا عليها انتصارا حاسما، وفرت فلولها إلى كردفان والصحارى وذابوا فى سكان البلاد من المسلمين. وانتهت بذلك مملكة علوة واتخذ دونقس مدينة سنار عاصمة له، وأصبح عبد الله جماع نائبا له فى الجزء الشمالى من الدولة. وحين استولى العثمانيون على مصر مدّوا حدودهم المصرية إلى مدينتى سواكن ومصوع على البحر الأحمر سنة ٩٢٧ هـ/١٥٢٠ م وأقاموا فيهما حاميتين. واستطاع عمارة دونقس أن يقنع العثمانيين بأنه ملك مسلم وسكان بلاده عرب مسلمون ولا مبرّر لأن يخشاهم العثمانيون.
ويخلف عمارة دونقس فى دولة الفونج ثلاثة ملوك لا يذكر لأحدهم عمل مهم ويخلفهم الملك دكين ودنايل سنة ٩٧٦ هـ/١٥٦٩ م وفيه يقول كاتب الشونة: «هو من أفخر ملوك الفونج، رتب الدواوين أحسن ترتيب وجعل لها قوانين مضبوطة لا يتعداها أحد، وجعل لكل جهة من جهات مملكته رئيسا (حاكما) معلوما وقنّن لمن عادته الجلوس بحضرته رتبا: الأعلى فالأعلى فى جلوسهم أمامه، وما زال يعنى بتمهيد دولته إلى أن توفاه الله تعالى سنة ٩٨٥ هـ. ويتعاقب بعده ملوك لا أهمية لهم ويخلفهم عدلان وداى سنة ١٠١٩ هـ/١٦١١ م ويذكر كاتب الشونة أنه حدثت فى عهده نهضة تعليمية وكان للشيخ عجيب رئيس عرب القواسمة والعبدلاب دور مهم فى تلك النهضة. ويبدو أنه ثار على عدلان وداى، ونشبت معركة بين جيشه وجيش الفونج مات فيها وانهزم جيشه وفرت أسرته من عاصمته «قرّى» إلى دنقله، وتوسط الشيخ الصالح إدريس ود الأرباب عند عدلان وداى فأقام العجيل أكبر أبناء الشيخ عجيب مكان أبيه شيخا أو أميرا على «قرّى» وعادت إليها أسرته.
وفى نفس السنة صمم الفونج على خلع ملكهم عدلان وولوا مكانه الملك بادى سيد القوم
[ ١٠ / ٦٢٢ ]
وخلفه الملك رياط وفى عهده حدثت حرب مع الحبشة سنة ١٠٢٧ هـ/١٧١٨ م اكتفت فيها الحبشة بما استولت عليه من بعض الغنائم، وولى بعده ابنه بادى أبو دقن سنة ١٠٥٤ هـ/١٧٤٥ م ويقول عنه كاتب الشونة: «هو من ذوى الشجاعة والكرم والهمم العالية، وقد غزا النيل الأبيض وفتك بسكانه المعروفين بالشلوك وغزا جبال تقلى غربى النيل الأبيض بنحو مرحلتين، وصالح ملكها على جزية سنوية جعلته تابعا لمملكة الفونج. وبنى بعاصمته سنار جامعا وقصرا لدواوين الحكومة، وكان مكرما لأهل العلم، وكان يرسل بهدايا إلى علماء الأزهر ونظمت فيه عدة مدائح وخاصة من الشيخ عمر المغربى الأزهرى وفيه يقول من قصيدة طويلة:
هو الملك المنصور بادى الذى له مدائح قد جلّت عن العدّ والحصر
ودام حكمه نحو خمس وثلاثين سنة، وخلفه ابن أخيه أونسة ود ناصر، وفى عهده حدثت مجاعة، وتم لقبائل الشائقية التى كانت تنزل فى شمالى السودان بمنطقة حلفا استقلالها عن العبدلاّب وبالتالى عن سنار، وكانوا أهل بسالة وشجاعة، وكانت تقدمهم فى الحرب امرأة فاقت فى الفروسية وفنون الحرب نظراءها من الرجال وكانت تسمى عديلة، وهى التى حرضت ابنها عثمان على خلع طاعة ودعجيب أمير العبدلاّب، ونشبت بينهما الحرب وانتصر عثمان ومنح ودعجيب الشائقية استقلالها. ونشطت فرنسا فى إرسال بعثات تبشيرية إلى الحبشة تريد أن تخرجها من مذهبها اليعقوبى القبطى فى المسيحية إلى مذهبها الكاثوليكى وباءت جميعا بالإخفاق الذريع لا فى الحبشة وحدها بل أيضا بين مسيحيىّ سنار. وتتطور الظروف فى دولة الفونج، ويستولى على صولجان الملك فيها بادى أبو شلوخ سنة ١١٣٧ هـ/١٧٢٤ م وتعود الحبشة إلى الشغب على حدود مملكة سنار، وفى سنة ١١٥٧ هـ/١٧٤٤ م سار ياسوس إمبراطور الحبشة على رأس جيش متجها نحو مملكة سنار، وأمر بحرق القرى السودانية وقتل الناس وأخذ إبلهم وأنعامهم، وعسكر قسم كبير من الجيش الحبشى أمام سنار ولقيه جيشها وهزمه، وكان الإمبراطور معسكرا مع بقية الجيش بعيدا فلما بلغته الهزيمة آثر السلامة وعاد بجيشه إلى بلاده. ويقول كاتب الشونة فى حديثه عن هذه الحرب ونهايتها: «فرح الملك بادى وأهل سنار ووفّوا بنذورهم وعملوا الموالد وذبحوا الذبائح وأقاموا ولائم ونشروا الحرير وزيّنوا المسجد والسوق سبعة أيام وسمع سلطان الروم (الخليفة العثمانى) بذلك ففرح بنصرة الإسلام والدين». ولم يحاول الأحباش بعد ذلك غزو السودان ودولة الفونج. وأخذت سياسة الملك بادى تسوء سوءا شديدا وغيّر كثيرا من القوانين واستعان بأهل النوبة مفضلا لهم فى الوظائف العليا على الفونج، وغضب الشعب غضبا شديدا، غير أنه انتظر نتيجة حملة كردفان سنة ١١٦٠ هـ/١٧٤٧ م ونجحت الحملة وضمت كردفان إلى دولة الفونج، وقرر الشعب وقادة الجيش خلع بادى وتولية ابنه ناصر ملكا بعده.
[ ١٠ / ٦٢٣ ]
وأصبح ملوك الفونج-منذ هذا التاريخ-ألعوبة فى أيدى الوزراء من الهمج، وكانوا جماعة أو قبيلا واضحا فى سنار: وكان منهم الوزير الأول لبادى أبى شلوخ ثم لابنه ناصر وهو الشيخ محمد أبو لكيلك، أما جماعته وهم الهمج فيقال إنهم من الجعليين الذين كانوا ينزلون شمالى قبائل العبدلاب، ويقال بل هم من أهل النوبة الذين أسكنهم الملك بادى أبو دقن فى قرى حول سنار وجعل منهم جنده وحرسه الخاص. والأصل الذى انحدر منه الشيخ محمد أبو لكيلك يرجع إلى جعلىّ، تزرّج من نساء الأبواب. وقد مكنته مجموعة أخواله الأبواب من الاحتفاظ بإدارة الحكم وتدبيره. وعزل الملك ناصر وتولى أخوه إسماعيل، وتوفى الشيخ محمد أبو لكيلك وتولى المشيخة بادى ود رجب، وبدأ التنافس سريعا فى جماعة الهمج، إذ أخذ غير واحد يستعين بمجموعته أو عشيرته ليستولى على الحكم، وكثرت الانقسامات والحروب الأهلية فى الدولة إلى أن دخلت جيوش محمد على السودان سنة ١٢٣٦ هـ/١٨٢٠ م بقيادة ابنه إسماعيل كامل.
٤ -