هو أبو عبد الله بن محمد العبدرى، أصله من منطقة حاحة إحدى مناطق إقليم مراكش، وهى منطقة وعرة تمتلئ-كما يقول الحسن الوزان-بالجبال العالية الصخرية وبالغابات والأودية المائية الصغيرة. ويبدو أنه نشأ فى حاحة وأكمل تعلمه على شيوخ مراكش، وكان أديبا يحسن نظم الشعر وصوغ النثر، ولم يلتزم السجع دائما فى رحلته، وقد بدأها-كما يظن- فى العقد الثالث من حياته سنة ٦٨٨ هـ/١٢٩٠ م وقد استغرقت منه عامين طويلين، وبدأها من حاحة موليا وجهه نحو شمالى الجزائر حتى مدينة مليانة، ومرّ منها بالمدن فى الشمال حتى تونس، ومنها إلى طرابلس فالقطر المصرى بادئا منه بالإسكندرية وأعجبته فأقام بها فترة، ثم تركها إلى القاهرة وحمل عليها، كما حمل على طرابلس من قبل، واتجه منها إلى العقبة فإقليم الحجاز حيث أدّى فريضة الحج، وزار قبر الرسول العطر، وعاد من طريق فلسطين إلى مصر فالبلدان الإفريقية حتى بلدته، ونراه أحيانا فى وصفه للبلدان يبالغ فى الثناء تارة، وتارة ثانية يبالغ فى الذم والقدح، وقد أضفى ثناءه على مدينة مليانة فى الجزائر، وفيها يقول:
«مدينة مجموعة مختصرة، وليست بذلك عن أمهات المدن مقصّرة، أشرفت من كثب على وادى (نهر) شلف، واستشرفت نسيم طرفها من شرف، فى روضة جمة الأزهار والطّرف. فرعت (امتدت) فى سفح جبل حمى حماها أن يرام، وشرعت فى أصل نهر يشفى المقيم من الهيام، شاق منظرا، وراق مخبرا، وشفى الظمأ موردا ومصدرا، يشتهى الناظر إليه وهو ريان الشروع، ويقول: لورشّ به-لأفاق-المصروع، وكأن حصباءه
_________________
(١) انظر فى رحلة العبدرى كتاب الوافى ٢/ ٣٩٣ وقد نشر الرحلة وحققها الأستاذ محمد الفاسى وهى مطبوعة فى الرباط.
[ ١٠ / ٥١٣ ]
جمان والماء من فوقه دموع». ومليانة من المدن التى بناها الرومان قديما، وهى على قمة جبل، وبينها وبين شرشال على البحر المتوسط أربعون ميلا، والجبل المشيدة عليه ملئ بالينابيع ومغطى بأشجار الجوز». ويقول الحسن الوزان إن بيوتها متقنة وبداخلها فستقيات جميلة، وسكانها فى زمنه من الصناع والحاكة والخراطين، وتشتهر بصنع أوان لطيفة من الخشب، وكثيرون من أهلها يزرعون الأرض. وإذا كانت القاهرة لم تعجب العبدرى فإن الإسكندرية أعجبته وفيها يقول:
«مدينة الحصانة والوثاقة، وبلد الإشراق اللامع والطلاقة، وطلاوة النظر وحلاوة المذاقة، كلّ عنها ظفر الزمان ونابه، وفلّ منها جيش الحدثان وأحزابه، فلم تبد عليها للزمان ضراعة، ولا وكست لها فى معاملاته سلعة ولا بضاعة، ولا وقفت له موقف ذل يوما ولا ساعة، بل ثبتت لحزبه ثبوت البطل، وصابرت كيده حتى اضمحلّ سحره وبطل، فلم تصغ أذنا إلى ما يوعد به من الخنا والخطل، فهى واقفة وقوف الأطواد سامية بطرف غير كليل وجيد غير منآد (١)، آخذة من الكفر وأهله بالمخنّق (٢)، حتى أبدلتهم من الصافى المروّق الكدر المرنّق (٣)، فسامروا الأسف مسامرة الندى للمحلّق (٤)، ودجا عليهم ليل هم ادلهمّ بعد نهار سرور تألق، واضطرم عليهم الأسى واحتدم، فحالفوا الندم. . مدينة فسيحة الميدان، صحيحة الأركان، مليحة البنيان، تسفر عن محيّا جميل المنظر، وترنو بطرف ساج (٥) أحور، تبسم عن ثغر كالأقحوان إذا نوّر، كأنه لم يغب عنها شخص الإسكندر (٦)، بما ساس فيها من عجائب مبانيها ودبّر، ناهيك بمدينة كلها عجب، قد ستر حسنها حسن غيرها وحجب، ووفّى فيها الإتقان حقه كما وجب، وقد أغنى عن تسطير وصفها ما سطّره الأعلام، وصرّت (٧) به على المهرق الأقلام».
وكان العبدرى يتخفف أحيانا من السجع ويرسل الكلام إرسالا، ويمثل الأستاذ ابن تاويت لذلك بقوله فى عمود السوارى بالإسكندرية:
«هو حجر واحد مستدير عال جدا، على قدر الصومعة (المأذنة) المرتفعة، وهو يبدو من بعيد بارزا فى غابة النخيل مرتفعا عنها، وقد أقيم على حجارة منحوتة مرتفعة، على قدر الدكاكين العظام، علوها أزيد من قامتين، ولا يعلم كيف أقيم عليها، ولا كيف ثبت هنالك مع الرياح والعواصف، وهو مما لا يمكن تحريكه البتة، فضلا عن إقامته هنالك».
_________________
(١) غير منآد: مستقيم.
(٢) المخنق: موضع الحبل فى العنق للخنق.
(٣) المرنق: المزداد الكدر.
(٤) كريم جاهلى مدحه الأعشى بأن الكرم يبيت معه.
(٥) ساج: ساكن.
(٦) الإسكندر هو الإسكندر المقدونى مؤسس الإسكندرية.
(٧) صرّت: صوتت. المهرق: الصحيفة يكتب فيها.
[ ١٠ / ٥١٤ ]
ولعله لم يظلم بلدا كما ظلم طرابلس، فقد ذمها ذما بالغ فيه: ذم موقعها وبيئتها وذم أهلها، وربما كان ذمه لطرابلس وغيرها مثل القاهرة يرجع إلى أنه لم يكن يخالط ذوى المروءة فيهما ومن يحمله على المدح لا على القدح، أو كان يتعرف على أشخاص مذمومين فذم-دون ريث وتأن-البلد التى تأوى أمثالهم، وقد نالت تونس منه الحظ الأوفر فى الثناء، ومن قوله على لسانها:
أنا الغادة الحسناء فاق جمالها فقالت يمينا لا خطبت على زوج
إذا الغانيات ارتدن وصف بعولة فما بى ولا فخر-إلى الزّوج-من حوج
وفىّ لمكدودى الحجيج استراحة فهم يردونى الدّهر فوجا على فوج
وإنّي-إلى البيت العتيق-كسلّم به يرتقى من فى الحضيض إلى الأوج