من قبيلة فشتالة التى كانت تنزل فى الشمال الغربى لمدينة فاس، وهى قبيلة صنهاجية وقد ولد بها سنة ٩٥٦ هـ/١٥٤٩ م وتركها مبكرا للتزود من حلقات العلماء فى فاس، وتفتحت موهبته الأدبية سريعا، فكان شاعرا كاتبا وعمل فى دواوين الدولة السعدية، وعرف المنصور الذهبى فضله، فما زال يرقى به حتى أسند إليه رياسة القلم بديوانه، واستعان فيها ببلديّه ومواطنه عبد العزيز الفشتالى، وهو يثنى عليه كثيرا فى كتابه: «مناهل الصفا» وكان المنصور الذهبى يأنس إليه، ففسح له فى مجالسه الأدبية والعلمية وشارك فيما كان بها من مساجلات، وكان ما يزال ينظم فيه مدائح بديعة فى مقدمتها مولدياته التى كان يلقيها فى احتفال المنصور بالمولد النبوى الشريف، وفيه يقول أحمد بن القاضى فى كتابه: درة الحجال: «وزير القلم الأعلى الأديب البليغ الشهير الذكر بالمغرب، وهو علم فى الفضيلة والسراوة (٢) ومكارم الأخلاق وكرم النفس، واسع الإيثار، متين الحرمة، عالى الهمة، كاتب بليغ أديب شاعر، حسن الخط، فصيح اللسان، مؤثر لأهل العلم والأدب». ويذكره فى كتابه المنتقى مرارا بمثل قوله: «وزير القلم الأعلى، وحائز القدح (٣)، المعلى، الكاتب الأعظم، والخضمّ المفخّم، الناظم الناثر، وحائز قصبات السبق فى الدفاتر». وكلفه المنصور الذهبى بسفارة إلى الخليفة العثمانى مراد بن السلطان سليم فأداها على خير وجه، وتعرف فى أثناء ذلك على الخفاجى
_________________
(١) انظر فى ترجمة محمد بن على الفشتالى كتاب درة الحجال ٢/ ١٩٠ والمنتقى ١/ ٣٢٩ وريحانة الألباء للخفاجى ص ١٤٨ - ١٦١ والنبوغ المغربى ١/ ٢٧٥ لكنون وكتابه رسائل سعدية والوافى ٣/ ٦٩٢.
(٢) السراوة: الشرف.
(٣) القدح المعلى: أكثر أقداح القمار نصيبا ويكنى به المكانة الرفيعة.
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
صاحب كتاب الريحانة وانعقدت بينهما صداقة مما جعل الخفاجى-وقد أعجب به-يترجم له فى كتابه، وفيه يقول: «وزير مولاى أحمد (المنصور) أديب فاس، وريحانة فضلائها الأكياس (١)، تقدم فيها متقلدا قلادة إنشائها، فائقا برسائله على سائر أدبائها. . وله ماء شعر تشربه أفواه الأسماع، ورياض منثور تغرّد حمائم قوافيه بمطرب الأسجاع. ويحتفظ كتاب «رسائل سعدية» بكثير من رسائله إلى البلدان المغربية وباشوات الدولة العثمانية ووزرائها والجيش الجزائرى. ويقول الأستاذ كنون فى تقديمه لتلك الرسائل إن لمحمد بن على الفشتالى منها ١٨ فصلا ومكتوبا، من ذلك رسالة إلى أهل فاس أهل الحضرة السعدية يخبرهم فيها بفتوح السودان سنة ٦٩٨ للهجرة قائلا (٢):
«أما بعد حمد الله الواسع الجود والعطاء، المصرّف الأقدار على حكم السرعة من إرادته والإبطاء، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذى سنّ تجهيز البعوث لتدويخ الأقطار، بتوالى تكاثف القبائل والقطار (٣)، والرّضا عن آله وصحبه الذين اقتفوا من ذلك أوضح سبيل، واغتنموا نشر نسيمه البليل، والدعاء لهذا الأمر الكريم (الفتح) بما يزيده عزّا وظهورا، ويجعله فى عين الوجود نورا، فإنا كتبناه إليكم من حضرتنا العليّة، ومجمع المفاخر القريبة والقصيّة: حمراء مرّاكش، حرسها الله. هذا وإنّا ننهى إليكم-عرّفكم الله عوارف آلائه الجسام، وأطلع عليكم أوجه البشائر واضحة القسام-بأنه لما انصبّ عزمنا الميمّن فى سالف التاريخ، وتاقت هممنا العلية لتدويخ بلاد السودان بأتمّ وجوه التدويخ، وجّهنا من عساكرنا الكثيفة، ذات الأنفس الأبية المنيفة (٤)، جملة يتكفّل معها الإسعاد، بكمال المراد، ونبذة نشرت عليها من ألوتينا الظافرة كلّ فتخاء (٥) قاهرة، أطارها اليمن كلّ مطار، ولجّج بها الإقبال لجج القفار، تخوض آلا (٦) تتراكم أمواجه، وتفتح بابا طالما طلسم رتاجه (٧)، فاقتحم العساكر أحياء وحللا (٨) وارتدى من المهابة وبعد الصيت برودا وحللا، حتى أدخل ربقة (٩) طاعة هذه الإيالة (١٠) من الشعوب الصحراوية، والقبائل الوبريّة من أعاريب الكراع (١١)، التى لم ترتض بولايته ولا طاعته، جموعا كثيرة ينتهى التعداد بهم على حكم ما أدّوه من الزكاة الشرعية لستة وأربعين ألف خيمة. وهذه الجملة بالنسبة إلى ما وراءها من القبائل العربية الوحشية بعض من كلّ، وجزء من جلّ. وانتهى الغوص والإبعاد، بما وجّهناه من الأجناد،
_________________
(١) الأكياس، جمع كيس: الحصيف.
(٢) رسائل سعدية ص ١٩٢.
(٣) القطار: قوافل الإبل على نسق منتظم.
(٤) المنيفة: المتسامية.
(٥) فتخاء: عقاب.
(٦) آلا: سرابا.
(٧) الرتاج: الباب العظيم.
(٨) الحلل جمع حلة: مجتمع البيوت والناس.
(٩) ربقة: حبل.
(١٠) الإيالة: إقليم من أرض الدولة.
(١١) الكراع: عدة الجيش من الخيل والسلاح.
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
بعد مقربة من ثمانين مرحلة فى المفاوز الصعبة المجاز إلى بلاد السودان، والأنحاء التى جنا (١) طاعتها لهذه الإيالة-إن شاء الله-دان، فتناهضت أجناسهم للدفاع، بحكم التأليف والاجتماع، بما ينيف (٢) على أربعين ألف مقاتل ما بين حشود الأعراب وأخلاط الأتباع، وجيوش السودان، فانتفخ هرّهم ليصول، وانتفض بومهم يشير للعقبان بالنزول، فما كان إلا اجتماع الفريقين، وتدافع الجانبين. والغرض أن أنصار هذه المثابة وحماتها قد مسّهم النّصب بأوجه التأثير، وأفنى جلّ خيلهم مواصلة المسير، حتى إنهم لم يتوفر من أعدادهم حين الالتحام، مع الأشقياء أبناء حام، سوى سبعمائة رام، وقرب عشرين فارسا، وكان كلهم بالمكافحة والمنازلة ممارسا، فهبّ عليهم من رياح النصر كل صبا، واتخذوا الشهامة والجلاد سبيلا ومذهبا، فخفقت الألوية العلويّة بالنّصر والظّفر، وانبتّ (٣) -بحمد الله-سلك انتظامهم وانتثر، وأتى الحين والأسر على جموعهم فى الحين ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.
وإنما ذكرنا هذه الرسالة يتمامها لندل على أسلوب محمد بن على الفشتالى المسجع، وأنه كان يمتلك ناصية اللغة بما يؤلف من الألفاظ المصقولة الرصينة، كما كان يعنى أحيانا بالجناس والاستعارات الملائمة كاستعارة العقبان لجنود جيشه، وعبر عن سلوكهم الصحراء الجنوبية بأنهم «فتحوا بابا طالما طلسم رتاجه، فاقتحم العسكر أحياء وحللا، وارتدى من المهابة وبعد الصيّت برودا وحللا». ويقول عن أهل السودان الغربى فى محاولتهم منازلة جند المنصور: «انتفخ هرّهم وانتفض بومهم يشير للعقبان (جنود المنصور) بالنزول». ولعل فى هذه الاستعارات وما يماثلها فى الرسالة ما يدل على أن الفشتالى كان يمتلك ذهنا خصبا. ومن رسائله رسالة بلسان المنصور يعزى فيها رئيس وزراء الدولة العثمانية سنان باشا فى وفاة السلطان مراد خان، وهى تستهل على هذه الصورة:
«الوزارة العظمى التى تجال بأنظارها المسدّدة قداح التدابير الجلائل، والمنزلة التى لها وفور الاختصاص من أثرة (٤) الإيالة العثمانية بأوضح الدلائل، والمكانة التى ضعضعت عروش عظماء المشركين وطأطأت رءوس رؤساء الكفار، والقطب الذى عليه فى دولة بنى عثمان أعظم المدار، الوزير الأجلّ، الأعظم، الأفخم، الكبير، الخطير، الأشمخ، الأرسخ، الأطول، الأكمل، المعتبر، المشتهر، الحظىّ، السّرىّ (٥)، الأقرب، الأنجب، الأثير، الشهير، الأخصّ، الأخلص، الأسعد، الأصعد، الأرقى، الأنقى، الأظهر، الأطهر، المثيل، الحفيل (٦)، سنان باشا أبقى الله حوزته (٧) محروسة، وربوعه بالمسرات مأنوسة. . . هذا
_________________
(١) جنا: ثمر.
(٢) ينيف: يزيد.
(٣) انبتّ: انقطع.
(٤) أثرة: خلصاء.
(٥) السرى: الشريف.
(٦) المثيل: الفاضل. الحفيل: المحتفى به.
(٧) حوزته: دياره.
[ ١٠ / ٥٣٤ ]
وقد طنّ بهذه الأقطار، نبأ فظيع التذكار، فتّت الأكباد، وأذكى (١) -على التنائى-لواعج الفؤاد. خطب جلل، ورزء فلّ ظبا (٢) الصّفاح والأسل، ذلكم ما نزل به القضا، وانتهى فيه الأمد وانقضى، وهو انتقال السلطان الجليل الضخم ذى البسطة فى السلطان، والملك الموطّد بتمهيد الأركان: الخاقان (٣) الأعظم، والشاهق الأعصم، السلطان مراد بن السلاطين الكبار. . وليس بمستنكر كونه﵀لأهل التوحيد يدا، ولهمم المسلمين مددا. . وإنا لله وإنا إليه راجعون من مواراة الحفر منه بدرا طالعا، وإغمادها سيفا كان فى حماية الدين قاطعا. . . واللجأ فيه إلى الصبر الجميل، والضّراعة إلى الله فى الجزاء الجزيل، علما أن لا بقاء لمخلوق مع تهيّئ رواحل الليالى والأيام».
وهذه الرسالة بدورها تصور مهارة محمد بن على الفشتالى فى صوغ السجع، وقد نعت سنان باشا فى أوائلها بنعوت متوالية جعلها جميعها مسجوعة، فكل نعت يقترن بأخيه، فى سجعات متعاقبة تكثر فيها الجناسات كما تكثر الاستعارات. ومضى فى الرسالة بعد ما اقتبسناه منها يهنئ سنان باشا بتولى السلطان محمد بن السلطان مراد كرسى السلطنة العظمى بعد أبيه، فقد آسى (٤) الدهر به». وبين رسائله رسالة على لسان المنصور إلى بدر الدين القرافى شيخ المالكية فى مصر، وكان كثيرون من طلاب الفقه المالكى وشيوخه فى المغرب يزورون القاهرة للاستماع إلى محاضراته ويحملون عنه مؤلفاته، ومن قول الفشتالى فى نعوته التى جعلها مقدمة لرسالته إنه «العمدة الراسخة البناء فليس إلا فى باب نعم اشتغاله، والفذ الذى ما جرى التنازع فى الفهوم الدقيقة من أعراف النقدة الشوامخ، إلا جاءت آيات غوصه وتحصيله لشبه الجموع نواسخ» وقد تصنع لإدخال بعض مصطلحات نحوية فى هذه السجعات هى: باب نعم والاشتغال والتنازع والنواسخ. ونلتقى فى الرسالة بطرائف استعاراته، ويذكر عن المنصور إقامته للرسوم الشرعية، والشعائر المرعية، وجميل الالتفات للمتفقهة فى الدين ولحملة الرواية فى حفظ سنّة سيد المرسلين». وحقا نهض المنصور بالمغرب الأقصى نهضة علمية وأدبية كبرى، مما جعل حلقات العلماء تزخر بالدروس والطلاب. وتنتهى الرسالة بقول المنصور:
«وهؤلاء خدّام جنابنا العلىّ واردون على تلكم الديار برسم جلب ما لعلكم تستفرغون فيه الوسع من الكتب لخزائننا العلمية الحافلة. . وأما التشوق لموضوعكم (لشرحكم) على مختصر خليل فشئ لا يكيّف، ومعهود لا يحتاج أن يعرّف، وبودّنا أن يكون من خزائننا الحافلة بحيث المراجعة والمعاهدة، والحضور والمشاهدة».
_________________
(١) أذكى: أوقد.
(٢) ظبا الصفاح والأسل: حد الرماح والسيوف.
(٣) الخاقان: لقب سلاطين الترك.
(٤) آسى: عزّى وواسى.
[ ١٠ / ٥٣٥ ]
والمنصور فى هذه الخاتمة لرسالته يقول للقرافى شيخ المالكية فى مصر أنه مرسل له ببعثة علمية لينتقى لها كتبا نفيسة، مما ينبغى أن لا تخلو منها مكتبات فاس، ويسأله أن يرسل إليه بمؤلفه أو بشرحه على مختصر خليل بن إسحاق المصرى فى الفقه المالكى، وكانت له شهرة مدوية فى البلاد المغربية. ولعل فى كل ما سبق ما يدل-بوضوح-على أن محمد بن على الفشتالى كان كاتبا بارعا، وكانت وفاته سنة ١٠٢١ هـ/١٦١٣ م.