هو أحمد بن محمد بن ناصر رئيس الطريقة الناصرية بتمكروت (قرية بوادى درعة جنوبى مراكش) وقد ولد بها لأبيه شيخ الطريقة سنة ١٠٥٧ هـ/١٦٤٧ م وعنى بتربيته وتثقيفه، واختلف إلى حلقات العلماء بفاس، وحج مرارا وكانت آخر حجة له سنة ١١٢١ هـ/١٧٠٩ م وبعد هذه الحجة كتب رحلته، وفيها سجل كثيرا عن الحركات العلمية فى البلدان العربية، ولذلك، تعد مصدرا مهما للتعرف على النشاط العلمى بها وشيوخها حينذاك. ومن قوله فى وصف موجة للحرارة عاناها مع رفاقه فى أحد شعاب الحجاز:
«نزلنا غربى الأكرة بين العشاءين، وفى هذه المسافة لما توجهنا عام تسعة (١١٠٩ هـ) هبّت على الناس ريح السموم، من نضيج اليحسوم، واشتد الحر وتوالى الكرب على الناس، وضاعت الحيل والإيناس، واشتد العطش على الرجال والجمال، يشرب كلّ، ولا يغنى شربه، بل يتزايد بتناول الماء كربه، لا يبين القدح والماء عن فيه إلا وتزايدت حرارة العطش له. فبركت الإبل وفرّت لظلال الأشجار، وتدخل رأسها فى أدنى ظل يبدو لها وإذا بركت لا تكاد
_________________
(١) انظر فى رحلة ابن ناصر والنص المقتبس منها كتاب الحياة الأدبية فى المغرب على عهد الدولة العلوية ص ١٧٢ وما بعدها.
[ ١٠ / ٥١٦ ]
تقوم ولو قطّعت إربا إربا. واشتدت الحال وبلغت القلوب الحناجر، وكلحت الوجوه، واغبرّت الغرر وتغيرت، واسودّ أبيضها وتنكرت، فترى الرجل لا باس به (سليما) فإذا به يخشى عليه الفوت، فإذا أوتى بالماء سبقه إليه الموت. وهلك من الناس كثيرون ومن الإبل أكثر، وترك الناس بضائعهم وأحمالهم مشحونة بأزوادهم وما به قوامهم، فتاهت فى الفلوات، وذهبوا بأنفسهم فى طلب النجاة. يوم يذكّر بالموقف والعرض، (فى يوم القيامة، وضاقت الدنيا على سعتها فى الطول والعرض، يود الإنسان لو يجد السبيل إلى باطن الأرض، الناس فيه حيارى، وتراهم سكارى وما هم بسكارى. مات من المغاربة زهاء الستين بالعطش من نساء وصبيان ورجال وولدان».
وهذا اليوم الشديد الحرارة لم يحدث له فى حجته الأخيرة إنما حدث له فى حجته الثالثة سنة ١١٠٩ ورحلته بذلك تتضمن أهم المشاهد التى رآها أو صادفها فى رحلاته المختلفة إلى الحج. والرحلة بأسلوب مرسل غير أنه يسجع فيها أحيانا على نحو سجعه فى مشهد هذا اليوم الحار وهى طرفة من طرف الرحلات المغربية. وتوفى سنة ١١٢٩ هـ/١٧١٧ م.