هو أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبى بكر العياشى المولود سنة ١٠٣٧ هـ/١٦٢٨ م، كان أبوه من شيوخ الزاوية الناصرية، وعنى به فحفظه القرآن الكريم وثقّفه بما يعرف من العلوم الدينية واللغوية، وأرسل به إلى مدينة فاس ليتزود من حلقات علمائها، وأخذ يبرع فى بعض العلوم، وألف فى كثير من المسائل النحوية والفقهية وفى الحديث النبوى وفى التصوف، وكان شاعرا وله مدائح نبوية كثيرة، توفى سنة ١٠٩٠ هـ/١٦٧٩ م واشتهر برحلته إلى أداء فريضة الحج، وهى رحلة موسوعية يعطينا فيها معلومات كثيرة عن البلدان التى نزل فيها والحركات العلمية بها، ومن قوله فى حديثه عن إقامته بالمدينة المنوّرة:
«كانت مدة إقامتنا بالمدينة سبعة أشهر ونصف لأنا دخلناها-كما تقدم-فى الليلة الثانية من محرم، وكان خروجنا منها إلى مكة فى السابع عشر من شعبان، وكنا نسكن أولا فى محل نزولنا بجوار مشهد سيدنا إسماعيل، كما تقدم، وكان أفسح الأمكنة وأوسعها وأبعدها عن زحام الناس، به أخلية للوضوء، وبئران-كما تقدم-وكان قيّم المشهد أحد أصحابنا المغاربة المجاورين، وهو الذى أنزلنا به، وكان يتولّى إصباحه وكنسه وإغلاق أبوابه، ويقبض ما يؤتى به من الصدقة إليه، ولاّه ذلك مفتى المالكية بالمدينة صاحبنا الخطيب أحمد وأخوه الخطيب عبد الرحمن لأن ولاية المشهد لهما. فإذا اجتمع من الصدقات ما له بال دفع لهما حصة منه، وانتفع بالباقى، كما هو شأن سائر المشاهد بالمدينة وبغيرها».
وهكذا يجرى الأسلوب مرسلا حرا طليقا فى أكثر جوانب الرحلة، وكأنما أخذ العياشى
_________________
(١) انظر فى رحلة العياشى الوافى ٣/ ٧٦٣ والحياة الأدبية فى المغرب على عهد الدولة العلوية ص ٩٠. وطبعت الرحلة قديما بفاس، وعنى بطبعها وتحقيقها الدكتور محمد حجى وألحق بها فهارس مهمة.
[ ١٠ / ٥١٥ ]
فى القرن الحادى عشر يردّ على ما كتبه العبدرى عن طرابلس فى القرن السابع وذمه لها وقدحه فيها فقد زارها فى رحلته سنة ١٠٥٩ هـ/١٦٥٠ م ويصفها قائلا:
«كان دخولنا لمدينة طرابلس قرب الظهر يوم الأربعاء سابع عشر رجب الفرد، وهى مدينة مساحتها صغيرة، وخيراتها كثيرة. ونكايتها للعدو شهيرة، ومآثرها جليلة، ومعايبها قليلة، أنيقة البناء، فسيحة الفناء، عالية الأسوار، متناسبة الأدوار، واسعة طرقها، سهل طروقها، إلى ما جمع لأهلها من زكاء الأوصاف، وجميل الاتصاف، وسماحة على المعتاد زائدة، وعلى المتعافين بأنواع الميرة عائدة، لا تكاد تسمع من واحد من أهلها لغوا إلا سلاما، ولو لمن استحقّ ملاما، سيما مع الحجاج الواردين، ومن انتسب إلى الخير من الفقراء العابدين، فإنهم يبالغون فى إكرامهم، ولا يألون جهدا فى إفضالهم عليهم. ولهذه المدينة بابان: باب إلى البر، وباب إلى البحر، لأن البحر يحيط بكثير من جهاتها، والحصن الذى فيه الأمير متصل بالمدينة من ناحية البر بينه وبين البحر. ولأمير هذه المدينة نكاية فى العدو-دمّرهم الله-وله مراكب قلّ نظيرها معدّة للجهاد فى البحر، قلما تسافر وترجع بغير غنيمة. وقلما أسرت لهم سفينة إلا أن تكون من سفن التجارة، لا من سفن الجهاد، فجزاهم الله خيرا، وأعانهم على ما أولاهم من ذلك وسائر بلاد المسلمين».