للرثاء عند العرب-منذ الجاهلية-ثلاث صور: صورة الندب وبكاء الميت والنواح عليه من ذوى القربى، وصورة التأبين ورسم فضائل الميت لبيان خسارة القبيلة أو المجتمع فيه، وصورة العزاء وبيان أن الموت كأس يتجرعه البشر جميعا، فالكل ميت ولا بقاء لأحد، وكثيرا ما تختلط هذه الصور فى المرثية الواحدة. وفى كل عصر وفى كل قطر تلقانا عشرات المراثى بل أحيانا مئاتها، وهى كثيرة فى موريتانيا، وقد عرض منها المرحوم الشنقيطى والدكتور محمد المختار عشرات، ونعرض بعض أمثلة منها، من ذلك قول ابن رازكه يرثى أعمر آكجيل التروزى (١):
هو الموت عضب لا تخون مضاربه وحوض زعاف كلّ من عاش شاربه (٢)
وما الناس إلا واردوه فسابق إليه ومسبوق تخبّ نجائبه (٣)
يحبّ الفتى إدراك ما هو راغب ويدركه-لا بدّ-ما هو راهبه
وكم لابس ثوب الحياة فجاءه على فجأة عاد من الموت سالبه
وما صان حبرا علمه وكتابه ولا ملكا أعلامه وكتائبه
وهو يبدأ مرثيته بالعزاء، فالموت سيف مصلت على رقبة كل إنسان، لا تخونه مضاربه، وحوض سم قاتل، كلّ من عاش على ظهر الدنيا لا بد شاربه، والناس جميعا واردوه، سابق إليه ومسبوق تعدو به ركائبه. ويتعلق الإنسان فى دنياه بما يرغب فى تحقيقه ويدركه الموت الذى يرهبه، وكم من لابس لثوب الحياة يفجئوه عاد من الموت يسلبه عنه ويخلعه. ولا يصون العالم الجليل منه علمه وكتبه، ولا يصون الملك راياته وكتائبه. ويرثى القاضى أحمد بن يوسف البوحسنى ويقول فيه مؤبنا (٤):
فتانا ومفتينا المصيب وشيخنا ونبراسنا فيما يهمّ ويسدف (٥)
بصير بحلّ المشكلات كأنما يكاشف عن أسرارها ثم يكشف
تملّك أطراف القضاء وفقهه وما هو إلا مالك أو مطرّف (٦)
_________________
(١) الوسيط للشنقيطى ص ١٥.
(٢) عضب: سيف قاطع. زعاف: سم قاتل.
(٣) تخبّ: تعدو. نجائبه: ركائبه.
(٤) الوسيط ص ١٨.
(٥) نبراس: مصباح. يسدف: يظلم.
(٦) مالك: الإمام مالك بن أنس. مطرف: قاضى صنعاء المشهور.
[ ١٠ / ٥٨٥ ]
وهو يصفه بأنه المفتى المصيب والمصباح الذى يضئ ظلمات المشكلات العلمية، وكأنما يكشف له أسرارها ويكشفها للناس، وقد امتلك فتاوى القضاء وفقهه فى أحكامه حتى لكأنه مالك مفتى المدينة أو مطرف قاضى صنعاء. ويقول محمد اليدالى الذى مرت ترجمته مؤبنا المختار بن الفاضل (١):
لهفى على لوذعىّ ذى ندى وتقى وهيبة تملأ الأفكار والحدقا (٢)
وذى معارف ربّانيّة وهدى وهمة علت العيّوق والأفقا (٣)
علم الحقيقة والشريعة اجتمعا له فأضحى يربّى من به التحقا
وبحر جود وعلم زاخر وإذا ما معتفوه أتوه فاض واندفقا (٤)
شعاره البرّ والتقوى وديدنه رضا الإله، خديم الضيف إن طرقا (٥)
واليدالى يتحسر على موت ابن الفاضل ويقول إنه حاد الذكاء كريم صالح، تملأ هيبته العيون والأذهان، متصوف له معارف إلهية وهدى وعزيمة تعلو الأفق والنجوم، وقد اجتمع فيه علم الشريعة والحقيقة الصوفية، وبهما كان يربى تلاميذه، وهو بحر زاخر للعلم والجود. وإذا ما أتاه سائلوه فاض عليهم بحر جوده وعلمه وتدفق من كل جانب، شعاره الإحسان والتقوى ودأبه رضا الإله، وإن ألم به ضيف كان خادمه: فرط جود وكرم. ويقول حرم بن عبد الجليل فى رثاء مولود بن أجفغ اليعقوبى (٦):
أتنعون مولودا وما انقضّ كوكب ولا فارق النور الغزالة والبدرا (٧)
ولا زلزلت زلزالها الأرض يومه وما أبدت الأشراط آياتها الكبرى (٨)
وما شغل الناس البكا عن أمورهم كأنّ صروف الدّهر ما أحدثت أمرا (٩)
لقد غيّبت من غاب عند مغيبه فواضل شتّى لا نطيق لها حصرا
وطوبى لقبر أودعوه عظامه فيا ليت أنّى كان صدرى له قبرا
وحرم يندب صديقه مولودا ويتفجّع عليه ويبلغ من حزنه أنه يعجب كيف لم ينقضّ كوكب ولا فارق النور الشمس والقمر ولا زلزلت الأرض ولا أبدت الساعة أشراطها وعلاماتها الكبرى جزعا على موت مولود، كما يعجب أن الناس لم يشغلهم البكاء على الميت العظيم عن شئونهم، كأن صروف الدهر ونوائبه ما أحدثت شيئا، مع أنها غيبت من لا يستطيع أحد
_________________
(١) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٢٩٤.
(٢) لوذعى: عالم ذكى. ندى: كرم.
(٣) العيوق: نجم.
(٤) معتفوه: سائلوه وطالبو جوده.
(٥) ديدنه: دأبه وعادته.
(٦) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٢٩٦.
(٧) الغزالة: الشمس.
(٨) الأشراط: علامات الساعة.
(٩) صروف الدهر: خطوبه ونوائبه.
[ ١٠ / ٥٨٦ ]
إحصاء فواضله، وطوبى لقبر أودعوه عظامه، ويتمنى أن لو كان صدره له قبرا، وهو بيت رائع. ويقول محمد العلوى المتوفى سنة ١٢٦٤ هـ/١٨٤٨ م-وكان شيخ طريقة وعالما فى الفقه والعربية والبلاغة-راثيا الشيخ محمدا الحافظ العلوى قائلا (١):
سهرت جفونك والمصاب مسهّد يرثى لليلتك السليم الأرمد (٢)
ورثت لك الخنساء، بعد متمّم ورثى لبيد يوم فارق أربدا
لمصيبة صدمت فؤادى صدمة كادت بنات الجوف منها تصعد
وجرى الدموع على الخدود كأنها نظم جرى من سلكه متبدّد
وتصدّعت كبدى لها وكأنما بجوانحى منها حريق موقد
وإذا بكيت شجى عليه فإنه تبكى وتندبه جموع حفّد (٣)
وبكى عليه ليله ونهاره والصّوم يبكى والتهجّد يرعد
وبكت بقاع كان يعبد ربّه فيها فيركع ما يشاء ويسجد
وهو يقول إنه لم يغمض له جفن حين سمع المصاب، وكأنما كل ندب وكل تفجع فى ميت كان فيه، حتى لكأنه لدغ مرات، وكأن تفجع الخنساء على أخيها صخر، وندب متمم لأخيه مالك بن نويرة، وبكاء لبيد لأخيه أربد، كل ذلك كان رثاء حارّا للمصيبة التى نزلت به وصدمته صدمة كادت أمعاؤه منها تصعد، وجرت دموعه على خدوده كأنها سلك، تبددت حبّاته، وتشققت كبده، وكأنما فى جوانحه حريق موقد. ويقول إن الجموع من حوله تبكيه، ويبكى عليه ليله ونهاره، وصومه نهارا وتهجده ليلا، ويستمر يذكر أن كل شئ يبكيه، تبكيه صلاته ووضوءه ومسجده والكتب والأقلام والدواة والمصحف وبقاع الحرمين الطاهرة ويعددها مكانا مكانا، ثم يقول-كما فى البيت الأخير-إنه عبد ربه فيها وركع وسجد له طويلا. والمرثبة بديعة. ولمحمد وبن محمدى العلوى يرثى الشيخ مولود قال منشدا (٤):
ما لراجى الخلود نيل الخلود إنّ ورد المنون حتم الورود
أتطيب الحياة والشيخ أمسى غيّبته مغيّبات اللّحود
إنّ مالى من اصطبار تولّى إذ تولّى إنسان عين الوجود
طود علم ينحوه كلّ مريد من حماه يفرّ كلّ مريد (٥)
وإذا سدّ باب علم عويص كان مفتاح بابه المسدود
علم الأصل والفروع إلى أن ليس فى العلم يبتغى من مزيد
_________________
(١) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٣٠١.
(٢) السليم: الملدوغ. الأرمد: من أصاب عينه الرمد.
(٣) حفد: حاشدة.
(٤) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٣١١.
(٥) مريد: شيطان.
[ ١٠ / ٥٨٧ ]
وهو يقول إن الخلود لا يناله أحد، إذ كلّ وارد على حوض الموت مسلم روحه إلى ربه، ويقول إن الحياة أصبحت لا تطيب وقد مات الشيخ وغيّبته اللحود، وقد تولّى عنى صبرى إذ فارقنى إنسان عين الوجود، وهى مبالغة واضحة. ويذكر أنه طود علم كان يؤمه مريدون كثيرون، ومن حماه وتقاه يفر الشيطان المريد، وإذا سدّ باب علم عويص معقد كان مفتاح بابه المسدود فما يلبث أن يفتح على مصاريعه. وقد علم الأصول والفروع علما لا يلحقه فيه لاحق. وله مرثية أخرى فى محمد الدنبج التندغى. ويقول الشيخ سيديّا الكبير المتوفى سنة ١٢٨٤ هـ/١٨٦٨ م فى رثاء الشيخ الصوفى المختار الكنتى وزوجه الصالحة (١):
جادت سحائب رأفة الرحمن بهوامل التكريم والرّضوان (٢)
وبوصف محض الودّ والزّلفى على جدثين حلّ حشاهما الشيخان (٣)
لاحا وأحلاك الجهالة فحمة وملابس البدع الجداد مثان (٤)
والدّين منهدم القواعد مركس بأخامص الطغيان والعصيان (٥)
فغدا منار الدين بعد تهدم ثبت الأساس مشيّد الأركان
وهو يدعو للشيخ وزوجته بأن تهمى عليهما سحائب رأفة الرحمن بمنهر التكريم والرضوان وبمحض الود والزلفى على قبريهما، ويقول إنهما ظهرا ودياجى الجهالة فحمة، وملابس البدع المحدثة لا تحصى، والدين منهدم القواعد وعاليه مركس بباطن أقدام الطغيان والعصيان، فأصبح بفضلهما منار الدين راسخ الأساس رفيع الأركان. ويقول محمد بن حنبل الحسنى فى رثاء الشيخ سيديّا الكبير (٦) المذكور آنفا:
أرى الملّة البيضاء جلّ مصابها ففاضت مآقيها وطال انتحابها (٧)
وقاست بفقد الشيخ وجد مصابه بواحدها لما تولّى شبابها
وأظلم وجه الأرض حتى كأنما تردّت مدادا غوطها وحدابها (٨)
وزلزل أقطار البلاد فأصبحت شواهقها مهتزّة وهضابها
وزعزع آطام الهدى وحصونه وقوّض فسطاط العلا وقبابها (٩)
وهو يقول إن وفاة الشيخ سيديّا مصاب كبير لشريعة الدين الحنيف، وكأنما قاست حزن سيدة فقدت واحدها أو ولدها الواحد ويقول إن وجه الأرض أظلم وارتدت رياضها
_________________
(١) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٣١٦.
(٢) هوامل: مسائل.
(٣) جدثين: قبرين.
(٤) مثان: تتكرر وتتردد.
(٥) مركس: مضروب. أخامص جمع أخمص: باطن القدم.
(٦) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٣٢٣.
(٧) الملة البيضاء: الدين الحنيف وشريعته.
(٨) غوطها: رياضها. حدابها: كثبانها.
(٩) الفسطاط: الخيمة الكبيرة.
[ ١٠ / ٥٨٨ ]
وكثبانها مدادا أسود شديدا، وزلزلت أنحاء البلاد واهتزت جبالها وهضابها وزعزعت منازل الهدى وحصونه وهدّمت خيام العلا وقبابها. وهى مبالغات شديدة فى الرثاء تعبيرا عن مدى الحزن الذى أصاب الشاعر والناس بوفاة هذا الشيخ الصوفى. ونتوقف قليلا إزاء أحد شعراء الرثاء.