بدأت هذه المدائح فى حياة الرسول ﷺ على لسان حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير وأضرابهم، وأخذت تتكاثر فى العصر العباسى على لسان أهل السنة مصورين فى الرسول المثل الأعلى للمسلم فى تقواه ونسكه ودعوته لرسالته وجهاده العظيم فى نشرها، وبالمثل على ألسنة الشيعة مرددين أن نوره المحمدى سرى فى أئمتهم. وأخذ المتصوفة-منذ الحلاّج-يشيعون فكرة الحقيقة المحمدية وأن الرسول ﷺ مبدأ الوجود الروحى للحياة البشرية، بل مبدأ النور والوجود فى الكون. ويشيد المادحون له دائما بمعجزاته المبثوثة فى كتب السيرة النبوية وبمعجزته الكبرى الخالدة: القرآن الكريم. وعادة ينهون مدائحهم بالتماس الشفاعة منه يوم القيامة وأن يغفر الله لهم ذنوبهم. ومنذ نشط الشعر فى موريتانيا نرى شعراءها-مثل شعراء الأقطار الإسلامية-يتغنون بمديح الرسول ﷺ مصورين سيرته ومعددين مناقبه ومعجزاته الباهرة وجهاده الرائع فى نشر رسالته وجهاد أصحابه، مع التوسل إليه فى غفران ذنوبهم والشفاعة يوم العرض. وتكثر هذه المدائح فى الشعر الموريتانى، ونختار بعض أمثلة مع الترجمة لبعض من برعوا فى نظمها، فمن ذلك قول محمد بن عبد الرحمن الحسنى-من شعراء القرن الثانى عشر الهجرىّ-فى مديح الرسول ﷺ (١):
فإن لم تكن لى خيمة حول رمسه فهذا هواه فى فؤادى خيّما (٢)
ويا ليت خدّى كان موطئ نعله وصدرى ضريحا جامعا منه أعظما
وما مثله البحر الخضمّ تكرّما ولا كثناياه البروق تبسّما (٣)
ولو قسته ضوءا وجودا وجرأة بشمس وضرغام ووبل متى همى (٤)
لكنت كمن قد شبّه الشمس بالسّها وبالطّلّ وكّافا وبالهرّ ضيغما (٥)
وهو يقول إن لم تكن لى خيمة أعيش فيها حول قبره فإن هواه خيّم فى فؤادى واستقر به، ويتمنى لو عاش فى زمنه وكان خده موطئ نعله وصدره قبرا لأعظمه العطرة، ويقول
_________________
(١) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ١٤٣.
(٢) رمسه: قبره.
(٣) الخضم: الواسع الزاخر.
(٤) ضرغام: أسد. وبل: مطر غزير. همى: سال.
(٥) السها: كوكب صغير. طل: مطر قليل. وكاف: مطر منهمر. ضيغم: أسد.
[ ١٠ / ٦٠٢ ]
إن البحر الواسع الزاخر لا يماثله كرما ولا البروق المضيئة تماثل ثناياه تبسما وإشراقا. ولو قاسه أحد بالشمس لكان كمن يقيس الشمس بنجم السّها الضئيل، ولو قاسه بالوبل والمطر الغزير لكان كمن يقيس الطّلّ بالغيث المنهمر، ولو قاسه أيضا بأسد لكان كمن يقيس الهر بأسد شديد الضراوة. ولغالى بن المختار فال البوصادى-من شعراء النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجرى-مدحتان رائعتان فى الرسول يقول فى إحداهما (١):
محمد سيّد الكونين سيّد من يمشى على الأرض من حاف ومنتعل (٢)
محمد سيد الأقطار سيّد من حاز العلا من ذوى الأمصار والنّقل (٣)
من للعصاة شفيع للمضام حمى للمسنتين ربيع كالحيا الهطل (٤)
للمهتدين سنا للمرملين غنى علاؤه فوق كلّ المرسلين عل (٥)
بدر حلاه به الآفاق حالية للمشتكين منى للمرسلين ولى (٦)
وغالى يقول محمد سيد الدنيا والآخرة وسيد كل من يمشى على الأرض حافيا ومنتعلا وسيد الأقطار وسيد كل من حاز شرفا من البدو والحضر، شفيع العصاة حمى لهم، وللمجدبين ربيع كالغيث المنهمر، وهو نور مشرق للمهتدين، وغنى للفقراء المعوزين، ومنى للمشتكين السائلين وسيد الأنبياء والمرسلين، إنه بدر ازدانت بأضوائه الآفاق، وقد علا علاؤه وشرفه فوق كل المرسلين. وللأحول الحسنى مدائح متعددة للرسول ﷺ، ومن قوله فى إحداها (٧):
قدوة الأنبياء قطب رحى الكو ن وإنسان مقلة الإيجاد
وسراج الورى المنير المحيّا وبشير الورى النذير العباد
وكتاب عليه أنزله الل هـ شفاء ورحمة للعباد
بشّرت آيه وأنذرت النّا س بوعد الثواب والإيعاد
وفنون من البلاغة تعيى بلغاء الجواب فى كل ناد
وهو يقول إن الرسول القدوة المثلى للأنبياء ومحور حركة الكون وإنسان عين الإيجاد والخلق. وواضح أن هذا البيت الأول يستمد من فكرة الحقيقة المحمدية وأنه مبدأ الوجود وروحه، ويقول إنه سراج البشرية ذو الوجه المنير، وقد أرسله الله بشيرا ونذيرا للناس، وأنزل عليه القرآن شفاء ورحمة لهم يبشرهم بثوابه وينذرهم بإيعاده أو عقابه، وقد حوى من فنون البلاغة ما أعجز البلغاء فى كل ناد وجماعة عن معارضته والإتيان بمثله. ويقول محمدى العلوى مولدية نبوية بديعة، منها قوله (٨):
_________________
(١) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ١٥٠ وما بعدها.
(٢) الكونين: الدنيا والآخرة.
(٣) ذوو النقل: البدو الرحل.
(٤) المسنتين: المجديين. الحيا: الغيث.
(٥) سنا: ضوء. للمرملين: للفقراء.
(٦) حالية: مزدانة. ولى: سيد.
(٧) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ١٦٥.
(٨) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ١٧١.
[ ١٠ / ٦٠٣ ]
أهلا بشهر المولد شهر العلا والسّؤدد شهر النبىّ أحمد
شهر ربيع الأوّل أهلا بشهر الهادى
لمنهج الرّشاد وقائد وحاد
إلى الطريق الأمثل أهلا بليل اثنى عشر
فيه ويومه الأغرّ وطيب ذلك السّحر
ونور أفقه الجلى
والمدحة بديعة، وهو يرحب بشهر المولد للنبى: شهر العلا والفخر والمجد، شهر الحبيب المصطفى شهر مولده: ربيع الأول، شهر الهادى إلى الرشاد والقائد والحادى إلى الطريق المستقيم. ويرحب بليلة ميلاد الرسول ليلة اليوم الأغر الشريف الثانى عشر، وبما نشر سحرها من طيب عطر ونور منتشر فى أفقه بل فى كل الآفاق. ويقول محمد بن الشيخ سيدىّ الأبييرى خليفة أبيه فى الطريقة الصوفية والمترجم له بين شعراء الفخر مدحة مولدية بارعة، منها قوله (١):
أهلا بميلاد مولود به كملت بشرى البشائر للبادى وللقروى
أكرم بها ليلة غرّاء ضاحية فيها يتيمة سمط اللؤلؤ اللأوى (٢)
أكرم بها ليلة غراء مظهرة سرّ الوجود الذى فيه الوجود طوى
لولاه ما أنزل الذكر الحكيم ولا الدّين القويم ولا ما فى الصّحاح روى
ولا أقيمت من الإسلام قاعدة ولا بدا فضل سنّىّ على حشوى
ولا أبان بيانىّ معانيه ولا نحا النّحو نحوىّ ولا لغوى
لولاه لم يغلب الروم الغلاب ولا ملوك ساسان تيمىّ ولا عدوى
وهو يهلل لميلاد الرسول الذى به تمت بشرى البشائر لكل بدوى وحضرى، ويقول ما أكرمها من ليلة شريفة مضيئة بيتيمة عقد اللؤلؤ الفريد المنتمى إلى لؤى بن غالب جدّ الرسول، وما أشرفها من ليلة أظهرت سر الوجود ومبدأه الذى استمد منه الكون وجوده، إنه العلة الأولى والسر الأول فى خلق الوجود ونشوء الكون، وللرسول بذلك وجودان: وجود معنوى هو لب الوجود الكونى ووجود حسىّ مادىّ حين ولد ثم بعث للناس هاديا وسراجا منيرا. ويقول: لولاه ما أنزل القرآن الكريم ولا الدين الحنيف أو شريعته القويمة ولا رويت أحاديثه فى كتب الصحاح الستة: صحيح البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة، ولولاه ما أقيمت قاعدة للإسلام ولا عرف الناس فضل السّنّى على
_________________
(١) الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ١٨٩.
(٢) ضاحية: مضيئة. اللأوى: نسبة إلى لؤى بن غالب جده ﷺ.
[ ١٠ / ٦٠٤ ]
الحشوى من أهل التجسيم والعقيدة الزائفة. ولولا بلاغة كتابه التى اهتدى بها البلغاء ما كان بليغ، ولولا العلوم الكثيرة التى نشأت حوله ما كان نحوى ولا لغوى، ولولا رسالته العظمى ما غلب الروم الأقوياء وملوك الفرس الساسانيين أبو بكر الصديق التيمى وعمر بن الخطاب العدوى. ويقول الشيخ محمد الشمشوى المتوفى سنة ١٢٩٢ هـ/١٨٧٦ م صادرا عن فكرة الحقيقة المحمدية (١):
ألا قد أقرّ الكون أنّ محمدا لكلّ فروع الفضل أصل مقدّم
فمنه استفاد الحسن كلّ يتيمة من الدّرّ يكساها غزال منعّم
ومنه استفاد الضوء وجه غزالة جنى الضوء منها زبرقان ومرزم (٢)
ومنه استفاد الاقحوان نضارة وحسن جمال الثّغر إذ يتبسّم
وهو يقول إن الكون أقرّ بأن الرسول ﷺ أصل كل ما فى الكون من فروع الفضل والجمال. فمنه استفادت الحسن كلّ درة يتيمة فى عقد على لبّة سيدة جميلة منعمة، ومنه استفادت الشمس ضوءها، ومنه أخذ البدر ضوءه وكذلك نجوم المطر. ومن الرسول استفاد الأقحوان نضارته واستفاد كل ثغر لسيدة من جماله حين يبتسم. ونكتفى بما قدمنا من أمثلة المديح النبوى الموريتانى، ونقف قليلا عند نفر من مجيديه.