الوصف قديم فى الشعر العربى يصف فيه الشعراء الطبيعة برياضها وأزهارها وحيوانها وصحرائها وزروعها حتى إذا تحضروا وصفوا القصور وأدوات الحضارة وملاهيهم المختلفة،
_________________
(١) أقصدته: أصابته.
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
ولم تقع أعينهم على شئ من أرض أو سماء إلا سجلوه ووصفوه، يصفون الأنهار والبحار والسفن كما يصفون النجوم والشمس والقمر والسحب والأمطار والطير. وكما وصفوا السهول والوديان وصفوا الجبال والكثبان والأشجار والغابات. ونجد الوصف على كل لسان منذ عصر المرابطين، من مثل قول القاضى ابن زنباع فى وصف الربيع (١):
أبدت لنا الأيام زهرة طيبها وتسربلت بنضيرها وقشيبها
واهتزّ عطف الأرض بعد خشوعها وبدت بها النعماء بعد شحوبها
وتطلّعت فى عنفوان شبابها من بعد ما بلغت عتىّ مشيبها
وقفت عليها السّحب وقفة راحم فبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكت ببكائها وتباشرت بقطوبها
وتسربلت حللا تجرّ ذيولها من لدمها فيها وشقّ جيوبها (٢)
وهو يقول إن الأيام أبدت لنا أروع طيب لديها: طيب الربيع، ولبست أروع حللها وأجدّها، واهتزت جوانب الأرض خصبا بعد جدبها، وتراءت النعماء فتية بعد شحوبها، وتطلعت لمفاتنها فى عنفوان شبابها بعد أن كانت شابت وبلغت من شيخوخة الجدب عتيّا، فقد وقفت عليها السحب راحمة لها عاطفة وبكت لها بكاء حارّا، ويقول إنه عجب للأزهار تضحك وتبتهج لبكائها وعبوسها، وسرعان ما لبست حللا سابغة بما حدث لها من ضرب الأمطار لها وشق مداخلها. ولما جاء الموحدون بالقاضى عياض مغلولا من سبتة إلى مراكش ومر بواد يقال له «داى» سمع قمرية تسجع، فقال (٣):
أقمريّة الأدواح بالله طرّبى أخا شجن بالنّوح أو بغناء (٤)
فقد أرّقتنى من هديلك رنّة تهيّج من برحى ومن برحائى (٥)
لعلك مثلى يا حمام فإننى غريب بداى قد بليت بداء
فكم من فلاة بين داى وسبتة وخرق بعيد الخافقين قواء (٦)
يذكرنى سحّ المياه بأرضها دموعا أريقت يوم بنت ورائى
ويعجبنى فى سهلها وحزونها خمائل أشجار ترفّ رواء (٧)
لعل الذى كان التفرّق حكمه سيجمع منا الشمل بعد تناء
وهو يقول لقمرية الأشجار طربّى أخاهم وشجن بالنوح أو بالغناء فقد أسهرنى من غنائك رنّة هيجت من شدائدى، لعلك مثلى غريبة تنوحين على قرينك وأولادك، وكم من فلاة بين
_________________
(١) قلائد العقيان ص ٢٥٩.
(٢) لدم: ضرب.
(٣) المنتقى لأحمد بن القاضى ١/ ٥٤٧.
(٤) الأدواح جمع دوحة: الشجرة العظيمة.
(٥) برحى وبرحائى: شدائدى.
(٦) خرق: مفازة. قواء: مقفر.
(٧) ترف: ناضرة. رواء: منظرها جميل.
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
داى وسبتة وكم من مفازة متباعدة الجانبين مقفرة، وإن سحّ المياه بأرضها ليذكرنى دموع زوجتى وأولادى ورائى يوم رحلت، وإنّي لتعجبنى خمائل داى الناضرة ذات المنظر الجميل، ولعل الله الذى حكم بالتفرق بينى وبين أهلى يجمع الشمل بعد فراق وبعد بعيد. ويقول أبو الربيع الموحدى فى وصف الربيع (١):
حىّ الربيع بما وشّت أزاهره ونظّمت من أكاليل على الشّجر
ودبّجت فوق متن الروض من حلل ونمّقته بألوان من الزّهر
من نرجس ساحر الألحاظ ذى غنج ومن أقاح نقىّ الثّغر ذى أشر (٢)
بما تضوّع روض الزهر غبّ حيّا تأكّد الشكر للنّعما على البشر
لا يحسب الناس أن الروض فاح لهم طوعا ولكنّه يثنى على المطر
وهو يطلب من كل قارئ له أن يحيى الربيع بما وشت ونقشت أزاهره وبما نسقت من تيجان الزهر على الشجر وبما زينت الروض من حلل نمّقتها بألوان من الزهر: من نرجس مدلّ ساحر الألحاظ ومن أقاح ذى حزوز نقى الثغر، وقد وجب الشكر على الناس لهذه النعمة العظيمة مما ينشر روض الزهر عقب الحيا أو المطر من عطر زكى، ولا يظن الناس أن الروض فاح به لهم، وإنما فاح به ثناء وشكرا للمطر. ويقول أبو القاسم الشريف السبتى المشهور بالغرناطى المتوفى سنة ٧٦٠ فى ناعورة (٣) (ساقية):
وذات سير إذا حثّت ركائبها حنّت فراقتك فى مرأى ومستمع
كأنها فلك دارت كواكبه على الرياض بنوء غير منقشع
تماثل السّحب صوبا بل تخالفها إذا استهلّ حيا الهتّانة الهمع (٤)
هذى من الماء تعلو كلّ منخفض وتلك تنزل منه كلّ مرتفع
يقول إنها إذا أسرعت دواليبها سمعت صوتا فيه حنان فراقتك فى منظرها وصوتها، وكأنها فلك دارت كواكبه أو دواليبه على الرياض بمطر مستمر لا ينقشع. ويقول إنها تماثل السحب فيما تسقط من مطرها، ويعود، فيقول بل تخالفها إذا انهمرت أمطارها، فالناعورة تسقى كل منخفض بينما السحب تسقى المرتفعات من الجبال والتلال. ويقول فى وصف سفينة تمخر به البحر:
وغريبة الإنشاء سرنا فوقها والبحر يسكن تارة ويموج
عجنا نؤمّ بها معاهد طالما كرمت فعاج الأنس حيث تعوج
وامتدّ من شمس الأصيل أمامنا نور له مرأى هناك بهيج
_________________
(١) الوافى ١/ ٢٠٥.
(٢) أشر: حزوز. والشعراء يشبهون الثغور بالأقاح.
(٣) انظر فى هذه الأبيات وتاليتها الوافى ٢/ ٤٣٥.
(٤) الهتانة الهمع: السحابة الهاطلة.
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
فكأن ماء البحر ذائب فضّة قد سال فيه من النّضار خليج
وهو يقول إنها سفينة بديعة الصنع سرنا عليها والبحر تارة يسكن وتارة يموج، وعرجنا نؤمّ أماكن طيبة وعرّج معها الأنس، وامتد أمامنا من شمس الأصيل نور بهيج، وكأن ماء البحر فضة ذائبة امتدت فوقه شمس الأصيل فاستحال خليجا من النضار أو الذهب. ويقول عبد المهيمن الحضرمى المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة فى وصف السّحر وانبثاق أضواء الفجر (١):
تراءى سحير والنسيم عليل وللنّجم طرف بالصباح كليل
وللفجر نهر خاضه الليل فاعتلت شوى أدهم الظلماء منه حجول (٢)
فمزّق ساجى الليل منه شرارة وخرّق ستر الغيم منه نصول
تبسّم ثغر الروض عنه ابتسامة وفاضت عيون للغمام همول (٣)
ومالت غصون البان نشوى كأنها يدار عليها من صباه شمول (٤)
وغنّت على تلك الغصون حمائم لهن حفيف دونها وهديل (٥)
إذا سجعت فى لحنها ثم قرقرت يطيح خفيف دونها وثقيل (٦)
وهو يقول إن السحر تراءى ومعه نسيم رقيق وأصاب طرف النجم ببعض الكلال، وكأنما الفجر نهر خاضه الليل فاعتلى أطراف حصان الظلماء بياض فى قوائمه، ومزقت منه شرارة سكون الليل وخرّق ستار الغيم منه ما يشبه نصول الرماح، وتبسم ثغر الروض، وفاض الغمام بسيول من المطر، وانتشت غصون البان وكأنما يدار عليها كئوس من ريح الصبا الجميلة، وأخذ الحمام يغنى على الغصون، ويسمع حفيفه وهو يسقط على الأغصان وترانيمه، ويقول إن الحمائم إذا ترنمت وردّدت صوتها فاق لجماله الخفيف والثقيل مما يلحّنه المغنون. وينشد أحمد بن يحيى الشّفشاوى المتوفى أيام المنصور السعدى سنة ١٠٠١ للهجرة فى روض (٧):
أما ترى الطير بالأدواح ساجعة أدمت أناملها أوتار عيدان
تحكى مزامير من لان الحديد له تشدو بالاجزال فى رصد وزيدان (٨)
تنفى عن الصبّ ما بالقلب من كرب بل تترك الصبّ فى تيه الهوى عانى
والبان يرقص من ترجيعها طربا والزهر يفترّ عن أثغار مرجان
والماء منسكب والظلّ منسحب وللنسيم هبوب ينعش الفانى
وهو يقول إن الطير يترنم فى الأشجار وقد أدمت أناملها الحمراء ما تقف عليه متغنية من
_________________
(١) الوافى ٢/ ٤٤٦.
(٢) شوى: أطراف ويريد القوائم. حجول: بياض.
(٣) همول: دافقة.
(٤) شمول: خمر.
(٥) هديل: صوت الحمام.
(٦) قرقرت: رددت. يطيح: يسقط.
(٧) النبوغ المغربى ٣/ ١٣٧.
(٨) الرصد والزيدان: من ألحان الغناء.
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
أوتار العيدان تحكى بغنائها مزامير داود الذى ألان له الله الحديد، وتشدو بأنغام الرصد والزيدان، وتنحّى عن المحب ما بقلبه من كرب الحب بل تجعله كأنه أسير لحبه يردد صبابته فيه، والبان يرقص من ترديد صوتها وترنمها طربا، والزهر يضحك عن ثغور لؤلؤية، والأمطار تنسكب والظل ينسحب، ويهب نسيم منعش. ونمضى إلى بواكير العصر العلوى، ويقول أبو على اليوسى المتوفى سنة ١١٠٢ للهجرة فيما بين الزهر والمطر من علاقة قديمة (١):
إن بين الغمام والزّهر الغ ضّ لرحما قديمة وإخاء
بان إلف عن ألفه فتوارى فى الثّرى ذا وذاك حلّ السماء
فإذا ما الغمام زارت جنابا آذنت فيه بالحبيب اللقاء
ذكرت عهده القديم فحنّت عند لقياه فاستهلّت بكاء
فترى الزّهر بارزا من خبايا هـ يحيّى الوفود والأصدقاء
راقصا والصّبا تهنّيه والور ق غوانى القيان تشدو غناء
وهو يقول إن بين الغمام والزهر مودة قديمة وإخاء، وقد بان كل عن صاحبه فالزهر توارى فى الثرى والغيم تعالى فى السماء، فإذا ما الغمام زار ناحية آذنت حبيبها فيه باللقاء ويذكر الغمام عهده القديم فيبكى بمطر منهمر، وترى الزهر بارزا من كل مكان يحيى وفود أصدقائه من الأمطار، وكأنه يرقص وريح الصبا تهنّيه، والحمام قيان الرياض يشدو غناء. ويقول ابن زاكور المتوفى سنة ١١٢٠ للهجرة يصف روضا (٢):
مدّ للسّلوان أشراك النّظر فى ابتهاج الروض من وجد المطر
وتلقّ الأنس عن آس الرّبى وارو طىّ النّور عن نشر السّحر
وارتشف ثغر أقاح باسما واصطبح بالطلّ من كأس الزّهر
والتثم وجه المنى مستبشرا حيث رام الغصن تقبيل النّهر
وجلا الورد خدودا أشربت خمرة العقيان من فرط الخفر
وحبا الخيرىّ أنفاس الصّبا نفحات أنشرت ميت الفكر
وانبرى النّسرين يهدى ذهبا فى صحاف مترعات من درر
نظّمت فى جيده أنداؤه عقد درّ كلما ماس انتثر
وهو معجب بروض بديع، ويقول: مدّ فيه حبالات النظر لعلك تجلب لنفسك شيئا من ابتهاج الروض بما سقط عليه من المطر، وتلقّ الأنس فيه عن آس الربى البديع، وتمتع بروائح النور أو الزهر التى نشرها فى السحر، وارتشف السرور من ثغر الأقاح الباسم.
_________________
(١) النبوغ المغربى ٣/ ١٤١.
(٢) النبوغ المغربى ٣/ ١٣٩.
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
وليكن صبوحك بالطل تنعم برؤيته فى كئوس الزهر، ولتلثم وتقبّل وجه الأمانى مستبشرا، حيث كل شئ من حولك ينعم بالقبل كما تقبّل الأغصان النهر، وأبدى الورد خدودا مشربة بحمرة الذهب من فرط الحياء والخفر، وآثر زهر الخيرىّ أنفاس الصبا بنفحات تحيى ميت الفكر، وأخذ زهر النسرين يهدى ذهبا فى صحاف مليئة بالدرر، ونظمت الأنداء فى جيد الروض عقد لآلئ كلما تحرك انتثر. وحرى بنا أن نتحدث عن وصاف كبير فى العهد السعدى.