هو أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالى، آباؤه من قبيلة فشتالة فى الشمال الغربى لفاس، ولذلك نسب إليها، وقد ولد سنة ٩٥٦ هـ/١٥٤٩ م وتوفى سنة ١٠٣١ هـ/١٦٢٢ م، وتتلمذ لأئمة عصره من الفقهاء والنحاة واللغويين، وأقبل على حفظ الشعر والنثر حتى نضجت ملكته الأدبية، مما جعله يلتحق بدواوين الدولة السعدية، وأعجب به المنصور الذهبى، فجعله على رأس دواوينه، وأخلص له أشد الإخلاص، فعاش يقدّم له مدائحه، ويؤرخ لدولته المنصورية السعدية، ووصفه المقرى فى كتابه: روضة الآس بقوله: «وزير القلم الأعلى، الوارد من البلاغة والبراعة المنهل الأحلى، نشأة الدولة المنصورية (دولة المنصور الذهبى) وكاتم أسرارها، ومنزل القوافى من قننها ومستعبد أحرارها، المقدم فى الفضائل والمحاسن». ويقول أحمد بن القاضى عنه فى كتابه درّة الحجال: «فقيه أديب، ناثر ناظم، علىّ الهمة، متين الحرمة، فصيح القلم، زكى الشّيم، ركن البلاغة والبراعة، وفارس الدواوين واليراعة». وكما كان رئيسا لدواوين المنصور كان شاعره الرسمى، وكما كان شاعرا كاتبا أو أديبا كان عالما مؤرخا لدولة المنصور وترجم لمعاصريه فى كتابه «مناهل الصفا» وهو أحد المصادر التى نرجع إليها فى العصر. وله ميلاديات نبوية كثيرة سوى الغزليات والمراثى، وله أمداح سياسية كثيرة للمنصور، وبجانب ذلك له أشعار فى وصف قصر المنصور المسمى بالبديع ومبانيه وقببه وما ازدان به من التماثيل والنقوش، مما يدلّ-بوضوح-على مدى الحضارة المترفة التى اتصف بها عصر المنصور الذهبى. وفى الإشادة بقصر البديع يقول عنه فى كتابه: «المناهل»: إنه من الآثار التى لم يخلق مثلها فى البلاد. . وإنه المثل المضروب فى الأرض عظمة وضخامة، وجلالة وفخامة، وتفننا وتأنقا، وفى وصف مبانيه يقول:
_________________
(١) انظر فى ترجمة الفشتالى وأشعاره روضة الآس ص ١١٢ ودرة الحجال ٢/ ١٣٠ والمنتقى (انظر الفهرس) ونشر المثانى ١/ ٢٤١ وخلاصة الأثر للمحبى ٢/ ٤٢٥ والنبوغ المغربى ١/ ٤١٢، ٣/ ١٢٨ وما بعدها والوافى ٣/ ٦٨١ وما بعدها. وراجع ديوانه مع دراسة له بتحقيق السيدة نجاة المرينى.
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
سلبت تماثلها الحجا لما اغتدت تزهو بحسن طرازها تذهيبا (١)
ولقد تشامخ فى العلوّ سماكها فجرى على الفلك المنير جنيبا (٢)
وسما إلى الشّهب الزواهر فاغتدى ال إكليل منها تاجها المعصوبا (٣)
أضنى الغزالة حسنه حسدا لذا أبدى عليها للأصيل شحوبا (٤)
وانقضّت الزّهر المنيرة إذ رأت زهر الرياض به ينور عجيبا (٥)
وهو يقول إن تماثلها (تماثيلها والصور المنقوشة فى القصر) سلبت العقول بما تزهو به من طرزها المذهبة، وقد تمادى فى الارتفاع سماكها حتى غدا القصر كأنه مجنوب تابع للفلك العلوى، وظل فى ارتفاعه حتى استقر بين النجوم، وأصبح كأنه المجموعة النجمية المسماة بالإكليل، بل غدا كأنه تاجها المعصوب. وناهيك بحسنه، فقد أضنى الشمس وبدا شحوبها واضحا فى وقت الأصيل، أما النجوم المنيرة فانقضّت إذ شاهدت أنوار زهر رياضه تضيء ضياء عجيبا. وله مما كتب على بهو فى القصر بمرمر أسود فى مرمر أبيض:
لله بهو عزّ منه نظير لما زها كالروض وهو نضير
رصفت نقوش بناه رصف قلائد قد نضّدتها فى النّحور الحور (٦)
فكأنها والتّبر سال خلالها وشى وفضّة تربها كافور (٧)
شأو القصور قصورها عن وصفه سيّان فيه خورنق وسدير
فإذا أجلت اللحظ فى جنباته يرتدّ وهو بحسنه محسور (٨)
صفّت بضفّتها تماثل فضّة ملك النفوس بحسنها تصوير (٩)
ما بين آساد يهيج زئيرها وأساود تسلى لهنّ صفير
وهو يقول ما أروعه بهوا يعز نظيره لما يجرى فيه من نضرة وجمال، وقد صفّفت نقوش بنائه تصفيف قلائد سوّتها على النحور فاتنة أو فاتنات، وكأن هذه النقوش والتبر يسيل خلالها وشى بديع ونقوش على فضة شديدة البياض كزهر الكافور. إن البديع ليسمو على كل القصور حتى على قصرى الخورنق والسدير اللذين كانا بقرب الحيرة فى الجاهلية، وحين تجيل البصر فى جوانبه يرتد حسيرا كليلا لروعة ما تشاهد، وقد صفت بضفة هذه النقوش صور فضية تخلب الألباب بجمال تصويرها سوى ما تراه هناك من آساد يخيل إليك أنها حية تزأر وجماعات
_________________
(١) تماثلها: تماثيلها المنقوشة فى القصر. الحجا: العقل.
(٢) جنيبا: محاذيا له.
(٣) الشهب: النجوم. المعصوب: المعقود.
(٤) الغزالة: الشمس.
(٥) ينور: يضيء.
(٦) نضدتها: نسقتها.
(٧) التبر: الذهب.
(٨) محسور: كليل ضعيف.
(٩) تماثل: تماثيل ونقوش.
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
من الطير كأنها تصفر صفيرا متصلا. ويتسع فى وصف قبة القصر، وما تشرف عليه من النهر والأزهار، ويستهل وصفه بقوله على لسانها:
سموت فخر البدر دونى وانحطّا وأصبح قرص الشمس فى أذنى قرطا
وصغت من الإكليل تاجا لمفرقى ونيطت بى الجوزاء فى عنقى سمطا (١)
ولاحت بأطواقى الثريّا كأنها نثير جمان قد تتبّعته لقطا
وعدّيت عن زهر النجوم لأننى جعلت على كيوان رحلى منحطّا (٢)
وأجريت من فيض السماحة والنّدى خليجا على نهر المجرّة قد غطّى
والقبة تقول إننى سموت وتعاليت فى السماء، فسقط البدر دونى وأصبح قرص الشمس فى أذنى قرطا، وجعلت من نجوم الإكليل تاجا لمفرق رأسى، وتعلقت نجوم الجوزاء فى جيدى عقدا ثمينا، ولاحت فى الأعالى الثريا ونجومها وكأنها فتات فضة تعقّبته لقطا، وتجاوزت النجوم إلى كيوان (زحل) ووضعت عليه رحلى، وأجريت من السماحة والندى خليجا غطى على نهر المجرة فى السماء وفاقه. ويستمر فى وصف النهر الذى تشرف عليه القبة:
تنضنض ما بين الغروس كأنه وقد رقرقت حصباؤه حيّة رقطا (٣)
حواليه من دوح الرياض خرائد وغيد تجرّ من خمائلها مرطا (٤)
إذا أرسلت لدن الفروع وفتّحت جنى الزهر لاح فى ذوائبها وخطا (٥)
يرنّحها مرّ النسيم إذا سرى كما مال نشوان تشرّب إسفنطا (٦)
يشقّ رياضا جادها الجود والندى سواء لديها الغيث أسكب أم أبطا
وسالت بسلسال اللجين حياضه بحارا غدا عرض البسيط لها شطّا (٧)
تطلّع منها وسط وسطاه دمية هى الشمس لا تخشى كسوفا ولا غمطا (٨)
حكت وحباب الماء فى جنباتها سنا البدر حلّ من نجوم السما وسطا
وهو يقول إن النهر تجرى مياهه بين الغروس كأنه وقد تبدت حصباؤه حيّة رقطاء، وحواليه شجر بض ناعم كالخرائد والغيد الحسناوات اللائى يتأنقن فى ثيابهن، ويخيل إليك إذا تفتح الزهر فى أعالى فروعها اللدنة كأنه وخط شيب يجتمع فيه السواد والبياض، ويميلها النسيم مترنحة إذا مر بها كما مال مخمور شرب خمرة الإسفنط المعتّقة، وإنه ليشق رياضا يهطل
_________________
(١) نيطت: علقت. سمطا: عقدا.
(٢) كيوان: كوكب زحل.
(٣) تنضتض: سال. رقرقت: لمعت. رقطاء: بلونها نقط.
(٤) خمائلها: حللها. مرط: ذيل طويل للثوب.
(٥) ذوائبها: نواصيها. وخطا: شيبا.
(٦) الإسفنط: خمر معتقة.
(٧) اللجين: الفضة. البسيط: المنبسط من الأرض.
(٨) الغمط: الانتقاص.
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
عليها جود المنصور الذهبى وعطاياه. ولذلك سواء لديها أسرع الغيث الحقيقى فى انسكابه أو أبطأ، وتلك حياضه تسيل بأسراب الفضة بحارا تسقى الزروع، وتزين تلك الحياض دمية جميلة كأنها الشمس لا تخشى كسوفا ولا غمطا (انتقاصا)، ويقول إن هذه الدمية وما يتناثر حولها من حباب الماء كالبدر ومن حوله النجوم وسط السماء. ويعود إلى وصف القبة منشدا:
إذا غازلتها الشمس ألقى شعاعها على جسمها الفضىّ نهرا بها لطّا (١)
توسّمت فيها من صفاء أديمها نقوشا كأن المسك ينقطها نقطا
إذا اتسقت بيض القباب قلادة فإنى لها فى الحسن درّتها الوسطى
تكنّفنى بيض الدّمى فكأنها عذارى نضت عنها القلائد والرّيطا (٢)
قدود ولكن زادها الحسن عريها وأجمل فى تنعيمها النحت والخرطا
نمت صعدا تيجانها فتكسّرت قوارير أفلاك السماء بها ضغطا
فيا لك شأوا بالسعادة آهلا بأكنافه رحل العلا والهدى حطّا (٣)
وهو يقول إذا انعكست على القبة أشعة الشمس خلت كأن نهرا من الضياء والنور التصق بها مقابلا للنهر الذى يجرى بجوارها، وخيّل إلىّ من صفاء بياضها وما عليه من النقوش كأنما نقطها المسك، ويقول إذا تحولت القباب البيضاء فى أعالى القصور العظيمة قلادة كانت درّتها الوسطى وقبتها الفريدة التى لا تماثلها قبة. ويقول على لسانها إن الدمى البيضاء أحاطت بى عارية، وكأنها عذارى خلعت عنها القلائد والثّياب وكل زينة، قدود ممشوقة وقد زادها العرى حسنا، والنحت والخرط نعومة ورشاقة، وتعالت تيجانها صاعدة فى السماء حتى حطمت قوارير أفلاكها من النجوم والكواكب، وما أعظمها قبّة شامخة آهلة بالسعادة وقد هبط فى أكنافها وجوانبها رحل العلا والهدى، ويمضى منشدا:
وكعبة مجد شادها العزّ فانبرت تطوف بمغناها أمانى الورى شوطا
ومسرح غزلان الصّريم كناسها حنايا قباب لا الكئيب ولا السّقطا (٤)
فلكن به ما طاب لا الأثل والخمطا ووسّدن فيه الوشى لا السّدر والأرطى
ثراه من المسك الفتيت مدبّر إذا مازجته السحب عاد بها خلطا
وإن باكرته نسمة سحرا سرى إلى كل أنف عرف عنبره قسطا
أقرّت له الزهراء والخلد وانثنت أواوين كسرى الفرس تغبطه غبطا
وهو يقول يا لك قبة كأنها كعبة رفعها العز فى عنان السماء وإن أمانى الناس لتطوف بها
_________________
(١) لطّ بها: التصق.
(٢) الريط: ملاءة.
(٣) الشأو: الهمة العظيمة ويريد بناء القبة الشامخة.
(٤) الصريم: القطيع. كناسها: بيتها. السّقط: منقطع الرمل.
[ ١٠ / ٤٥١ ]
شوطا وأشواطا رجاء أن تتحقق على يد المنصور، ويقول يا لها مسرحا أو كناسا أو بيوتا للغزلان من الدمى والتماثيل القائمة فيها. وإنها لتلوك ما طاب لها لا ما تلوكه غزلان البوادى من شجر الأثل والخمط، وإنها لتتوسّد الوشى المنمق لا شجر البوادى من السدر والأرطى، وأما الثرى فإنه من فتات المسك وإن المطر ليختلط به حين يسقط فيصبح خلطا أو أخلاطا من الطيب، وحين تباكره نسمة سحرا تضوع رائحته، ويأخذ كل أنف منها قسطا أو حظا ممتعا، ويقول إن قصر الخلد ببغداد وقصور الزهراء بقرطبة لتعترف بعظمة هذا القصر وأن أواوين كسرى لتغبطه. ولعل فى كل ما قدمت ما يصور شاعرية الفشتالى وأنه كان يعنى بالجزالة والرصانة فى أسلوبه كما كان يعنى بالصور البيانية.
٣ -