مكناسى الأصل وأكبّ منذ نعومة أظفاره على التثقف بالعلوم اللغوية والشعر العربى حتى تفتحت موهبة الشعر فيه، وقدم إلى المنصور يعقوب المرينى فأعجب به وأصبح شاعره، وهو لا يكتفى بمديحه العام له، بل ينظم فيه وفى أسرته ملاحم تاريخية بارعة، من ذلك ملحمته الكبرى: «نظم السلوك فى الأنبياء والخلفاء والملوك» وهى منظومة تاريخية يعرض فيها التاريخ من أعتق الأزمنة، حتى زمن يعقوب المرينى، وفى فاتحتها يقول:
الحمد لله مغيث الدين بالملك المنصور من مرين
ولا يلبث أن يقول:
_________________
(١) انظر فى ترجمة الملزوزى وشعره التاريخى الإحاطة لابن الخطيب ٤/ ٢٠ والوافى ٢/ ٣٦٥ والنبوغ المغربى ١/ ٢٣٦، ٣/ ٢٩.
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
سميتها من حسنها نظم السلوك فى الأنبيا والخلفاء والملوك
وأذكر الأمر على الترتيب مختصرا بأحسن التقريب
من عهد آدم إلى زماننا أختمها بالغرّ من أملاكنا
وهو يمضى فى سرد التاريخ منذ أقدم العصور، حتى إذا وصل إلى دولة بنى مرين ومليكها يعقوب المنصور أخذ يفصّل الحديث فى تاريخه وأحداثه ومجالسه، وكأنما هو الغاية المبتغاة من تأليف منظومته، وفيه يقول:
قد ألبس الوقار والسّكينه وحلّ فى مكانة مكينه
حتى إذا ما حان وقت الظهر قام إلى بيت النّدى والفخر
يبقى إلى وقت صلاة العصر يأتى بقصد نهيه والأمر
فينصف المظلوم ممن ظلمه ولم يزل إلى صلاة العتمه (١)
وأمّن الغرب من الفساد ونشر العدل على العباد
وخضعت مرين تحت قهره وأذعنوا لنهيه وأمره
ورفع الظلم عن الرّعيّه وقمع الطغاة فى البريّه
وهو يصور يعقوب المنصور المرينى يحفّ به الوقار والجلال والسكينة، ويحلّ فى مرتبة رفيعة، حتى إذا حانت صلاة الظهر أسرع إلى مسجده يؤديها، ويأتى بعد صلاة العصر لإبرام أوامره ونواهيه وإنصاف المظلومين، ويظل حتى صلاة المغرب، وقد نشر الأمن فى البلاد وأخلاها من الفساد، ونشر العدل فى الناس، وخضعت له قبائل مرين وأذعنت له، ورفع عن الرعية كل ظلم عانت منه وقمع الطغاة الذين ظلموها ظلما فادحا.
وينظم الملزوزى قصيدة تاريخية ثانية فى المنصور يعقوب وجهاده للإسبان فى ديارهم نصرة لبنى الأحمر أمراء غرناطة، وقد بدأ هذا الجهاد سنة ٦٦٤ للهجرة إذ عبر الزقاق على رأس قوة مرينية كما مر بنا فى الفصل الأول ونكل بالإسبان، وعاد إلى هذا الجهاد مرارا سنة ٦٧٧ وسنة ٦٨١ واستولى على بعض حصونهم وسنة ٦٨٥ وكان كل ما يحوزه من حصونهم وبلدانهم، يقدمه إلى بنى الأحمر فى غرناطة متنازلا عنه لهم. فهو لا يجاهد نصارى الإسبان بقصد تكوين دولة عربية جديدة فى الأندلس، وإنما يجاهدهم انتصارا لدينه، إذ رأى بنى الأحمر يتخاذلون عن جهادهم وخشى عليهم عواقب هذا التخاذل، فامتعض للإسلام وأخذ ينازل الإسبان بجيوشه المرينية، وينزل بهم ضربات متوالية. والملزوزى يبدأ قصيدته بحمد الله جلّ فى علاه وتمجيده، ويستغرق ذلك أربعة عشر بيتا يختمها بنعمته الكبرى على المسلمين بإرساله فيهم الرسول ﷺ وما خصّه به من الإسراء والمعراج، ويلم بتحريضه لأتباعه على جهاد الكفار،
_________________
(١) العتمة: الظلام.
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
وينوه بخلفائه الراشدين وبقية العشرة المبشرين بالجنة ومن اقتفوا سيرتهم حين كان الإسلام شامخا ويقول إنه انسحق بعدهم مشيرا إلى إخراج الإسبان للمسلمين من الأندلس، حتى صار بالمغرب الأقصى غريبا، إذ استكان سكانه-كما يقول-إلى القعود عن الجهاد، إلى أن استولى على صولجان الحكم يعقوب المنصور المرينى، فإذا هو ينازل الإسبان بقواته المرينية وقواده من أبنائه وأبناء رعيّته نزالا ضاريا طوال عشرين سنة والنصر يواكبه. وهذه القصيدة التاريخية الثانية للملزوزى تتغنى بهذه الانتصارات ليعقوب على الإسبان، وتفصّل أحداثها وما غنم يعقوب من الحصون الإسبانية هو وأبناؤه وقواده وما أنزلوه بهم من هزائم ساحقة فى نحو مائة بيت، يستهلها الملزوزى بقوله فى يعقوب ونزاله المتكرر للأعداء:
ولم يعلم جهاد للأعادى بهذى الأرض يحتسب احتسابا
إلى أن فتّح الرحمن فيه ليعقوب بن عبد الحقّ بابا
لمولانا أمير العدل ملك به انسلبت يد الكفر انسلابا
ولم نر قبله فى العصر ملكا أرانا فى العدا العجب العجابا
دعا لله دعوة مطمئنّ لمولاه دعاء مستجابا
فلبّى الله دعوته وسنىّ له الحسنى وجنّبه الصّعابا (١)
فجاز البحر مجتهدا مرارا يقود إلى العدا الخيل العرابا (٢)
وكأنى بالملزوزى حين نفى أن يكون قد سبق يعقوب جهاد من المغرب الأقصى لنصارى الإسبان إنما يريد أنه لم يحدث جهاد لهم فى عهد الدولة المرينية قبله، إذ نحن نعرف جهاد الموحدين لهم قبل تلك الدولة وما أنزلوا بهم فى الأرك وغير الأرك من هزائم ساحقة. ويقول إن الله فتح له فى الجهاد بابا بل أبوابا، ويشيد بعدله ومحقه لجيوش الإسبان محقا، وكأنما دعا الله أن ينصره واستجاب دعاءه، فيسّر له الحسنى من الفتوح حين جاز الزقاق مرارا للجهاد، يقود إلى الأعداء الخيل العربية الأصيلة فألبسهم هو وبنوه وقواده ذلا ما بعده ذل. ويسترسل فى ذكر الوقائع وقوادها وكيف أوسعوا بعض بلاد الإسبان حرقا وانتهابا، ويتحدث عما ساقوه من الغنائم والأسلاب مع الإشادة بيعقوب وبلائه البلاء المستطاب، ويختم قصيدته مخاطبا بنى مرين بقوله:
هنيئا يا مرين لقد علوتم على الأملاك بأسا وانتخابا (٣)
وفاخرتم بمولانا البرايا فأعطوكم قيادا وانغلابا
أبعد الفنس وابن الفونس يبغى رضاكم لا يخاف به العتابا (٤)
_________________
(١) سنى: يسّر
(٢) العراب: الكريمة الأصيلة.
(٣) انتجابا: نجابة واصطفاء.
(٤) يريد ألفونس العاشر وابنه شانتو.
[ ١٠ / ٤٣١ ]
فحزب مرين حزب الله يحمى حمى الإسلام لا يخشى عقابا
إذا سلّوا السيوف ترى الأعادى وقد حلّوا الرّبى مدّت رقابا
وهو يهنئ مرين بهذا المجد الحربى الذى سمت به على الأملاك شجاعة وانتجابا، وقد فاخرتموهم بسلطانكم يعقوب فاستسلموا لكم مغلوبين على أمرهم، وهذا ألفونس العاشر وابنه يمدان يديهما للصلح. وإن حزبكم لحزب الله الذى يحمى ديار الإسلام، وبمجرد أن ينازل أعداء الدين يلتمسون الربى هلعا، ويستسلمون بين قتيل وأسير. وفى شعر الملزوزى- كما رأينا-غير قليل من النصاعة والسلاسة، وقد لبي نداء ربه سنة ٦٩٧ للهجرة.