هو أبو حفص عمر بن عمر السلمى، ولد بأغمات سنة ٥٣٠ هـ/١١٣٦ م، وعنى به أبوه، وصحبه معه وهو قاض بفاس فأكبّ بها على حلقات الفقهاء والأدباء، وأعدّه إكبابه على الفقه والحديث النبوى ليتولى منصب القضاء فى تلمسان وفاس وإشبيلية. وكان مع إحسانه للفقه والفتاوى الدينية شاعرا مجيدا، وله مدائح فى يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب، واشتهر فى البيئتين: المغربية والأندلسية بشعره فى الغزل، وأخذه عليه بعض المتزمتين ولم يصغ لهم، ويقول مترجموه إنه كان يعنى بمسكنه وملبسه وزينته عناية الشعراء الفنانين من أمثاله، ومن غزلياته قوله:
أعيذك يا سليمى من سليم قتلت فتاهم وهو الزعيم
قتيل الحبّ لا يودى وعاني هـ لا يفدى ولا فيه الخصوم (٢)
ومالى طالب بترات قتلى إذا قتل الغرام فلا غريم
فؤادى سار نحوك عن ضلوع بها يا ريم حبّك لا يريم (٣)
ودادك صحّ فى قلب سقيم كطرفك صحّ ناظره السقيم
إذا أعرضت تسودّ الأمانى وإن أقبلت تبيضّ الهموم
وما حبّى لها إلا عذاب عليه من نضارتها نعيم
وقد اختار لصاحبته اسم سليمى ليجانس بينها وبين اسم قبيلته سليم وفى ذلك تكلف واضح، ويلقب نفسه بالزعيم فخرا لا يستحب فى الغزل، ويقول لها إن قتيل الحب لا يؤخذ بثأره ولا يفدّى، وإنه ليس له طالب بثأره إذا قتله الغرام، وحبها مستقر بين ضلوعه لا يبرحها.
_________________
(١) نظر فى ترجمة السلمى وأشعاره أزهار الرياض ٢/ ٣٦١ وما بعدها والذيل والتكملة لابن عبد الملك فى ٨/ ١/٢٢٢ والغصون اليانعة لابن سعيد والوافى بالأدب العربى فى المغرب الأقصى ١/ ١٦٨ وما بعدها والنبوع المغربى ٣/ ٦٢ وما بعدها.
(٢) لا يودى: لا يؤخذ بثأره.
(٣) لا يريم: لا يبرح.
[ ١٠ / ٤٤١ ]
وإنما سماها فى البيت الرابع ريما ليجانس بين اسمها والفعل فى آخر البيت، ويقول إن قلبه سقيم مثل طرفها، ويعنى فى البيت السادس بالطباق بين اسوداد الأمانى وابيضاض الهموم، ويقول إن عذابه فى حبها عليه أثارة من نضارتها. وفى رأيى أن السلمى لم يكن على طبيعته حين نظم هذه المقطوعة، ولذلك تكلف فيها ألوانا من التكلف. ويقول:
أغار على الصبّ من أنّبه هو الحبّ من يطفه ألهبه
نأى القلب عنى وشوقى معى فلله أمرى ما أعجبه
يحنّ فؤادى إلى قاتلى كذاك الهوى عند من جرّبه
يجود لمسخطه بالرضا ويطلب راحة من أتعبه
إذا شفّ قلبى غرام الهوى دعا بالنعيم لمن عذّبه
وهو يقول إن شخصا نزل بالمحب أنّبه، وكأنه لا يعرف أن من يريد أن يطفئ الحب بالتأنيب أو باللوم يشعله، ويعجب أن قلبه رحل مع صاحبته ولا يزال ما كان يختلج فيه من أشواقه معه، وإن فؤاده يحنّ دائما إلى رؤية صاحبته قاتلته شأن المحبّين جميعا. ويجود المحبوب بالرضا لمن أسخطه، ويطلب الراحة لمن أتعبه، ويقول إن الغرام كلما أضنى قلبه وشفّه دعا بالنعيم لمن عذبه. وهى رقة واضحة فى الغزل. ومن قوله فى جمال الأعرابيات بالقياس إلى الحضريات مستلهما المتنبى وإعجابه المعروف بالبدويات:
مها القفر لا دمية المرمر وفى العرب لا فى بنى الأصفر (١)
بنفسى يعافير تلك الخيام ومسرحها فى النّقا الأعفر (٢)
ملاعب يصبو إليها الحكيم ويسلب فيها فؤاد الجرى
وفيها الظباء بنات الأسود غيارى متى بغمت تزأر (٣)
فخيس الهزبر كناس الغزال به الشّبل ناش مع الجؤذر (٤)
يخالسها نظرا تحته غرام به الحىّ لم يشعر
وباللحظ يقدح زند الهوى فطرف غر وفؤاد برى
وهو يفضل جميلة القفر البدوية على دمية المرمر الحضرية، ويكفى أن يسميها دمية فليس فيها حيوية البدوية ولا نضرتها، ويقول إنه يفدى بنفسه وروحه ظباء تلك الخيام وملاعبها فى الرمل المغبر. ويقول إنها ملاعب تجذب الرجل الحكيم وتسلب فؤاد الجريء الشجاع، فيها الظباء كريمات الرجال الأسود اللائى إذا صحن ظننت أنهن يزأرن، وكأنما بيت هذا
_________________
(١) بنو الأصفر: الروم وأمثالهم من الإسبان.
(٢) اليعافير جمع يعفور: الظبى وولد البقرة الوحشية. النقا: الرمل. الأعفر: المشوب بالعفر والتراب.
(٣) بغمت: صاحت.
(٤) خيس الهزبر: أجمة الأسد. الكناس: بيت الغزال. الجؤذر: ولد البقرة الوحشية.
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
الغزال أجمة أسود، به الشبل ناشئ مع بنت عمه التى تشبه ابنة البقرة الوحشية، وكل منهما يختلس النظر إلى الآخر تعبيرا عن غرام مكتنّ لا يشعر به الحى، وباللحظ وحده يضطرم الهوى، وطرف يغرى به وفؤاد لا يزال طاهرا بريئا. وهى لوحة بديعة لفتيات البادية. ومن قوله متغزلا:
هذا فؤادى أقصدته الأسهم من ذا يرى تلك الجفون ويسلم (١)
يا غرّة حكم الجمال لها على شمس الضحى وأصاب فيما يحكم
يضحى الخلىّ إذا رآها عاشقا والعقل توقظه اللحاظ النّوّم
وكأن قامتها ونغمة لفظها غصن عليه بلبل يترنّم
فقد أصابت فؤاده الأسهم المصوبة من عينى صاحبته، ويقول إن أحدا لا يسلم من تلك السهام إذا نظر إلى جفونها الجميلة، ويقول إنها غرة شديدة البياض حتى ليحكم الجمال لها على شمس الضحى، وهو مصيب فى حكمه، وإن الخلىّ الذى لم يتعود الحب حين يراها يصبح عاشقا للحاظها الفاترة الجميلة، ويشطح به الخيال، فيقول إنه يخيل إليك وقد رأيت قامتها الممشوقة تصدح بالغناء أنك ترى غصنا يتغنى فوقه بلبل جميل-ويقول:
هم نظروا لواحظها فهاموا وتشرب عقل شاربها المدام
يخاف الناس مقلتها سواها أيذعر قلب حامله الحسام
سما طرفى إليها وهو باك وتحت الشمس ينسكب الغمام
وأذكر قدّها فأتوح وجدا على الأغصان تنتدب الحمام
وأعقب بينها فى الصّدر غمّا إذا غربت ذكاء أتى الظلام
وهى قطعة بديعة بتصاويرها الرائعة، فحين نظروا إلى لواحظها سكروا وهاموا كشارب للخمر لم تبق له من عقله شيئا، والناس لفتنة عينيها يخافون من النظر إليها وطبيعى أن لا تخاف لأن الحسام لا يخيف حامله. وقد نظر إليها طرفه باكيا، وكأنها الشمس ينسكب تحتها الغمام، ويقول إنه يذكر قدها الممشوق فينوح كما ينوح الحمام على الأغصان، وإن بينها وبعدها أنشأ فى صدره غما كما ينشأ الظلام حين تغرب الشمس. وهى مقابلات فى غاية الطرافة وتدل على شاعرية خصبة. وقبيل وفاته سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٨ م نظم أشعارا زاهدة كثيرة.
٢ -