يقول الشنقيطى فى ترجمته: «كان محمد هذا من العلماء الأعلام، واشتهر فى اللغة. وكان نحويا وله اليد الطولى فى البيان. وكان حريصا على طلب العلم، يقال إنه مكث سبع سنوات منقطعا لطلب اللغة» وأنشد الشنقيطى له قصيدة فى مديح الشيخ سيديّا حضّ فيها على طلب العلم ومدارسته حضّا شديدا، وله قصيدة يزرى فيها بأهل الجهل ومقصورة مدح بها الشيخ سيديّا عارض بها مقصورة أبى صفوان الأسدى وما تصور من حيوانات الصحراء وطيرها وما تحمل من ألفاظ بدوية آبدة مما يدل على ثقافته الأدبية واللغوية الواسعة، وأنشد له الدكتور محمد المختار نبوية طويلة فى نحو مائة وثمانين بيتا، وهى نبوية رائعة، توفى سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م ومن قوله فيها مستمدا من فكرة الحقيقة المحمدية الأزلية:
طه الصّراط المستقيم محمد تاج الخلائق سيد الأبرار
أصل الوجود وحليه وعتاده ومفيض بحر الجود والأنوار
نور السراج وكلّ نجم طالع من نوره والشمس والأقمار
والحور والولدان فى غرفاتها والدرّ والياقوت والأزهار
والعرش والكرسىّ والألواح والأ قلام والأفهام والأبصار
والمسك فى فاراته والندّ فى أحقاقه والروض ذى الأنوار (٢)
وهو يقول إن طه هو محمد الصراط المستقيم الذى لا ينحرف أبدا تاج الخلائق سيد النسّاك. ويأخذ ابن حنبل فى ذكر حقيقته الأزلية، فهو أصل الوجود وزينته وعدّته، ومفيض غيث كرمه وأضواء أنواره إنه أصل كل نور فى السراج وفى النجوم والكواكب والشمس والأقمار، وأصل كل جمال فى حور الجنان وغلمانها وفى اللؤلؤ والياقوت والأزهار، وأصل كل وجود فى العالم العلوى من عرش وكرسىّ وألواح وأقلام وفى العالم السفلى من أفهام وأبصار وهو طيب المسك فى أوعيته وطيب النّدّ فى حقاقه وشذا الأزهار فى روضها المونق. ويستمر ابن حنبل فى نفس الفكرة قائلا:
وبه نجا فى الفلك نوح وأهله ونجا الخليل من التهاب النّار
وأقام آدم فى الجنان وزوجه وبنوهما فى البدو والأمصار
وبيمنه قبل الإله متابه من بعد مكر الخادع الغرّار (٣)
_________________
(١) انظر فى ترجمة ابن حنبل الحسنى وأشعاره الشنقيطى ص ٣١١ والشعر والشعراء فى موريتانيا ص ١٧٨ وفى مواضع مختلفة.
(٢) فارات المسك: أوعيته.
(٣) الخادع الغرار: إبليس.
[ ١٠ / ٦٠٨ ]
ونجا الذبيح بذبحه من بعد ما أنحى عليه بصارم بتّار
وبه سرى موسى الكليم بقومه وبه انفلاق الخضرم الزخّار (١)
وهو يردّ الخلاص من كل ما نزل بالرسل إليه وكذلك كلّ ما جرى على أيديهم من معجزات فهو سرّ الوجود وكل ما فيه وكل ما حدث للأنبياء والرسل مستمد منه، فبه نجا نوح ومن آمن به فى الفلك من الغرق، ونجا إبراهيم الخليل من النار واستحالت بردا عليه وسلاما، وبه كرّم آدم وزوجه بمقامهما فى الجنة وأغواه إبليس فقبل الله بيمنه توبته وأكرم ذريته فى البدو والحضر، ونجا إسماعيل من ذبح أبيه إبراهيم، وبيمنه سار موسى الكليم بقومه ليلا، وانفلق له ولهم البحر الواسع الزاخر فكان كل فرق كالجبل العظيم وغرق فرعون ومن معه. وعلى هذا النحو يطيل ابن حنبل فى بيان الحقيقة المحمدية الأزلية، فهو أصل كل موجود فى الكون وأصل كل نعمة أسبغت على الرسل بيمنه وفضله. ويتحدث عن القرآن معجزة الرسول الكبرى قائلا:
وأتى بكلّ مهيمن ما إن تفى لسن المناطق منه بالمعشار (٢)
آيات عيسى والكليم بجنبه كالطّلّ جنب مزمزم همّار (٣)
سور كأشباه الرياض تضوّعت بشذا العبير وجونة العطار (٤)
وتناسقت ألفاظها وتناسبت آياتها كتناسب التّقصار (٥)
وطوالها كقصارها وقصارها كالدرّ يبرز فى نحور جوار
فالرسول ﷺ قد جاء بمعجز من القرآن الكريم، لا يستطيع البلغاء الفصحاء الإتيان بسورة من مثله، ومعجزات عيسى من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ومعجزات موسى كليم الله من انفلاق البحر كل هذه المعجزات لموسى وعيسى بجانب معجزة القرآن الخارقة التى ليس لها سابقة ولا لاحقة كالمطر القليل بجانب السحاب المرعد الذى تنهمر أمطاره، سور كريمة مثل الرياض تفوح بشذى الطيب ووعائه لدى العطار، وألفاظها متناسقة تناسق اللآلى فى القلادة البديعة، وطوالها مثل قصارها تشبه الدرر فى نحور الجوارى الفاتنات.
٤ -