عشيرة اليعقوبيين أو قبيلتهم فى شنقيط ومراعى تيرس وريفها من سلالة عون بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وامتاز اليعقوبيون بالتعمق فى العلوم الفقهية واللغوية، وكانت لهم مدرسة تعنى بتدريس هذه العلوم، فتوارثوا التدريس فيها كما توارثوا القضاء، وكان أبو الشاعر وجده مدرسين، فهو من بيت علم، وعنى أبوه بتربيته، وكان يدرس للطلاب حينئذ المعلقات السبع ودواوين الشعراء الستة: امرئ القيس وزهير والنابغة وطرفة وعنترة وعلقمة، وديوان ذى الرمة. وأضاف إلى ذلك الطلاب النابهون من أمثال محمد بن الطلبة ديوان الشماخ والأعشى وغيرهما من القدماء. وتمثل ابن الطلبة الشعر الجاهلى والإسلامى تمثلا لا نكاد نجد له نظيرا بين شعراء البلاد المغربية على الأقل إن لم يكن بين شعراء العربية عامة، وتقرؤه وكأنك تقرأ لشعراء الجاهلية المفرطين فى استخدام الألفاظ الغريبة من مثل الحارث بن حلّزة والشماخ وأضرابهما من الجاهليين. وهيّأ لذلك عند محمد بن الطلبة وغيره من شعراء موريتانيا أن بيئتها كانت تشبه البيئة الجاهلية بصحاريها وبقبائلها الرّحّل وراء المراعى ومساقط الغيث، وبإبلها وأنعامها الراعية وبآبارها الآجنة وفى كل بقعة فى المراعى نجد أطلالا وآثارا لمن أقاموا بها فترة ثم زايلوها. وكما يكثر الشاعر الجاهلى من قطع المفاوز على ناقته كذلك يكثر الشاعر الموريتانى مستمدا من واقع حياته الذى لا يختلف عن واقع حياة الجاهليين، وكاد محمد بن الطلبة لا يترك موضعا
_________________
(١) شذر: قطع الذهب. صريف لجين: قطع فضه. سنا: ضوء.
(٢) انظر فى ترجمة محمد بن الطلبة الشنقيطى ص ٩٤ وقد أنشد فى كتابه معارضاته جميعا وكثيرا من شعره، وراجع الشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٩٠ وما بعدها.
[ ١٠ / ٥٩٤ ]
فى تيرس ومراعيها وريفها إلا تغنى به. وتغنى طويلا بمسيرة الظعن، وبين الظاعنات محبوبته، كما تغنى طويلا بحيوانات الصحراء من إبل وخيل وبقر وظباء ونعام وأتن وحشية مع حمارها، فالحياة الصحراوية الجاهلية بحذافيرها يتمثلها محمد بن الطلبة وغيره من شعراء موريتانيا، وكأنما أراد أن يثبت مدى صحراويته فى شعره فاختار قصيدتين للشماخ ولحميد بن ثور الصحابيين تكتظان بالغريب وبوصف الحياة الصحراوية وحيواناتها وظعنها وعارضهما معارضة رائعة. وبالمثل عارض قصيدة للأعشى، ولن نسوق أمثلة لغزله من هذه القصائد لكثرة الغريب فيها، إنما نسوق له أمثلة من غزلياته الأخرى منحّين ما ينظمه ممتلئا بالألفاظ الصحراوية الآبدة، فمن ذلك قوله مخاطبا محبوبته التى يسميها أم المؤمنين:
كيف التجلّد لا تجلّد بعد ما شطّت بأمّ المؤمنين نواها (١)
عوجى قليلا ريثما أشكو الذى قد شفّ نفسى منكم وبراها (٢)
ما كان ضرّك لو رددت تحيّة فيها لنفسى-لو رددت-شفاها
واها لما أبدى لنا يوم النّوى منها الوداع وقلّ منّا واها (٣)
يا ليت شعرى والفراق موكّل بالعاشقين متى يكون لقاها
وهو يقول كيف التجلّد للأسى والصبر بعد ما أوغلت بها النّوى وبعد الدار، ويتمنى لو كانت وقفت له قليلا ليشكو لها شفوف نفسه وضنا جسمه بحبها، ويقول إنه حيّاها ولم تحيّه ولو حيته لشفت نفسه مما يضطرم فيها من الألم، ويتفجع لوداعها يوم الفراق ويتحسر متمنيا لقاءها بعد هذا الفراق. ويقول:
لا القلب عن ذكر أمّ المؤمنين سلا ولا أرى عاذلاتى تترك العذلا (٤)
بل لا أرى لوم من يلحو ومن عذلا إلا يزيد علىّ الهمّ والخبلا
ولا أرانى أرى رسما ولا طللا إلا وساءلت عنها الرسم والطّللا
هى التى أنا لا أبغى بها بدلا ونيلى الوصل منها نيلى الأملا
فهو لن يسلو صاحبته مهما لامته اللائمات، بل إن لوم من يلومه إنما يزيده هما وجنونا بحبها، ويقول إنه لا يرى رسما ولا طللا إلا سأله عنها كأنما تملأ عليه جميع البقاع، ويؤكد أنه لا يبغى بها بدلا لها إذ نيل وصلها نيل أمله فى دنياه. ويقول فيها:
_________________
(١) التجلد: الاحتمال فى صبر. النوى: الفراق والبعد.
(٢) عوجى: توقفى وميلى. براها: نحلها.
(٣) واها: كلمة تقال فى التفجع وفى العجب.
(٤) العذل: اللوم، ومنه العاذلات.
[ ١٠ / ٥٩٥ ]
إن قلبى متيّم بالحسان من ذوات الأحساب من حسّان
كلّ بيضاء خدلة الساق رود تتثنّى كأنها غصن بان (١)
جعلت فوق نحرها الشّذر والدرّ وناطت قلائد المرجان (٢)
غير أنى ما إن وجدت كأم المؤمنين العروب فى النّسوان (٣)
ولها منطق لو اصغى له الرّهبان أصبى مشايخ الرّهبان (٤)
وهو يقول إن قلبه مشغوف بالحسان ذوات الحسب والنسب من قبيلة حسان الشنقيطية، فكل فتاة بيضاء منها ممتلئة الساق شابة فاتنة تتمايل تمايل غصن البان على شجرته، وفوق نحرها شذور الذهب واللؤلؤ وقلائده، وفاتنتهن أم المؤمنين الجميلة ذات المنطق الجميل الذى لو أرهف الرهبان السمع إليه لأصباهم ومالوا إليها إعجابا. ولابن الطلبة وراء ذلك غزليات كثيرة. وقد توفى سنة ١٢٧٢ هـ/١٨٥٦ م.