كان أبوه سيدىّ جوادا جودا عظيما إذ كان غيثا مدرارا، وكان عالما تتلمذ لحرم بن عبد الجليل وبذّ أقرانه، وشغف بالتصوف فشد رحاله إلى الشيخ المختار الكنتى الصوفى ولازمه ستة أشهر، توفى عقبها، فلازم ابنه محمدا حتى برع فى التصوف ومعرفة طريقه. ويقول الشنقيطى عن محمد بن سيدىّ إنه نشأ فى نعمة عظيمة ورعاية من والده جسيمة، ويقول إنه العلامة الأريب اللغوى الأديب، ويتوسع فى ترجمته إلى أكثر من عشرين صفحة، ينشد فيها طرائف شعره، ومما أنشده قصيدة له يسخر فيها ممن يردّدون موضوعات الشعر القديمة وخاصة الوقوف بالأطلال والبكاء بالديار ونعت المرأة والخمر ويعيب عليهم كثرة السرقات الشعرية. ومن قصائده قصيدة يدعو فيها للجهاد ضد أعداء الإسلام المغيرين على السواحل الإفريقية
_________________
(١) دان: عزّ.
(٢) شزرا هنا: مغضبا. حان: هلك.
(٣) ينهنهنى: يكفّنى-لوثة: ضعف وحمق.
(٤) انظر فى ترجمة محمد بن سيدىّ الوسيط للشنقيطى ص ٢٤٣ والشعر والشعراء فى موريتانيا ص ٥٧، ١٨٩.
[ ١٠ / ٥٨١ ]
المغربية، وكأنه كان يعدّ شباب قومه لمنازلة فرنسا قبل فرضها الحماية على موريتانيا سنة ١٣٢٠ هـ/١٩٠٣ م وفيها يفخر بشجاعة قومه وحمايتهم للإسلام قائلا:
وفتيان يرون الضيّم صابا وطعم الموت خرطوما عقارا (١)
أحبّوا الملّة البيضا فكانوا عليها من مراودها غيارا
بأيديهم مذرّبة طوال ترى الأقران أعمارا قصارا (٢)
جموع تهزم الأعداء قهرا فتتركهم جديسا أو وبارا (٣)
بنصر الله واثقة يقينا فلا تخشى من الخلق الحذارا
لها إعلاء كلمته مرام فلا غنما تروم ولا افتخارا
وهو يقول إن شباب قومه فتيان أشداء يرون الذل مرا لا يطاق شرابه، أما الموت فى ميدان الحروب فيرونه لذيذا لذة الخمر أو أعظم لذة. وقد أحبوا الدين الحنيف حتى إنهم ليغارون عليه غيرة العاشق على معشوقته، وإنهم لشجعان بواسل بأيديهم سيوف ماضية، ترى الأقران أن أعمارهم قصار بما تقطع من رقابهم، وإنهم لجموع تعوّدوا النصر على أعدائهم حتى ليبيدوهم عن آخرهم فيصبحوا فى عداد الأمم البائدة مثل جديس ووبار، ودائما يثقون فى نصر الله لا يخشون أحدا، وقصدهم إعلاء كلمة الله ودينه القويم دائما، ولا غنما يريدون ولا افتخارا. ويعرض فى قصيدة طويلة مذاكرته لزملاء أدباء يقفون على مذاهب الفقهاء المختلفة ومذهبى الأشعرى وإمام الحرمين الجوينى ومنازع الفرق الصوفية وأقوال الخليل وسيبوبه والكوفيين وغيرهم فى النحو، ويتدارسون شعراء الجاهلية الستة المشهورين: امرأ القيس وزهيرا والنابغة وعلقمة وطرفة وعنترة، والمرقشين الأكبر والأصغر والأعشيين: أعشى قيس وأعشى باهلة والأعميين: بشارا وأبا العلاء، وأبا نواس والمتنبى. وهى وثيقة مهمة بما كان يتدارسه الشباب الموريتانى من العلوم والشعر والشعراء جاهليين وإسلاميين وعباسيين، ثم يقول مفاخرا بشمائله:
ومن يك راغبا فى القرب منى يجدنى دون ماء المقلتين
ومن يؤثر قلاى فليس شئ يواصل بينه أبدا وبينى
ألاحظ من خليطى كلّ زين كما أغضبى له عن كلّ شين
ولا أصغى إلى العوراء حتى يرى أنّى أصمّ المسمعين (٤)
وما جهل الجهول بمستفزّى ومالى بالدنيّة من يدين
_________________
(١) الضيم: الهوان. الصاب: المر. الخرطوم والعقار: الخمر.
(٢) مذربة: من ذرب السيف والرمح: صار ماضيا.
(٣) جديس ووبار: قبيلتان من العرب البائدة.
(٤) العوراء: الكلمة السيئة. المسمعين مثنى مسمع: الأذن.
[ ١٠ / ٥٨٢ ]
وهو يفخر بأن من يوده يجده أقرب إليه من ماء عينيه، ومن يؤثر بغضه يقطع كل صلة تصله به، ولا أرى من صديقى إلا ما يزينه وأتغاضى عن كل ما يشينه، ولا أصغى إلى كلمة سيئة تقال عن أحد، وأرى-حين تقال-كأنى أصم لا أسمع شيئا، ولا تستفزنى حماقة الأحمق ولا أقترف عملا سيئا ولا خسيسا ذميما. وكان الشعر بتدفق على لسانه، توفى سنة ١٢٨٦ هـ/١٨٧٠ م.