هو ميمون بن على الصنهاجى الفاسى الساكن بأخرة فى مراكش، ويسمى ابن خبازة نسبة إلى خاله الشاعر المشهور بابن خبازة لملازمته إياه. من شعراء عصر الموحدين، ويقول ابن عبد الملك المراكشى فى كتابه «الذيل والتكملة»: كان أديبا شاعرا مفلقا من أكبر أعاجيب الدهر فى سرعة البديهة، ناظما أو ناثرا، مع الإجادة التى لا يجارى فيها والتفنن فى أساليب الكلام معربه وهزله. . ذا مشاركة حسنة فى علم الكلام وأصول الفقه، وتنسك وتصوف وقتا، ووعظ. . وعارض ابن الجوزى فى بعض فصوله فأجاد». وعبر إلى الأندلس وظل فى رعاية والى إشبيلية أبى العلاء بن المنصور زمنا، وله فيه مدائح كثيرة وله فى غيره مدائح مختلفة
_________________
(١) الوافى ٣/ ٨٢٣.
(٢) طيبة: المدينة. العقيق: موضع فى المدينة. والحاجر: منزل فى طريق مكة.
(٣) انظر فى ترجمة ابن خبازة وشعره كتاب الذيل والتكملة ٨/ ٢/٣٨٨ وما بعدها وأزهار الرياض ٢/ ٣٧٨ وتحفة القادم ١٥٤ ودرة الحجال رقم ٣٧٢ والنبوغ المغربى ١/ ١٨٠، ٣/ ٢٠٢ والوافى ١/ ٣٢٢.
[ ١٠ / ٤٨٠ ]
وكان يأتى فى مدائحه بما لم يسمع قبله ولا يطمع فى لحاقه، سرعة ارتجال وحسن افتنان وبراعة إنشاء، وتولى حسبة السوق فى مراكش لعهد الخليفة المأمون الموحدى ووقف معه فى ثورته على دعوة ابن تومرت كما أسلفنا وله يهجو ابن تومرت:
وجد النبوّة حلّة مطويّة لا يستطيع الخلق نسج مئالها
فأسرّ حسوا فى ارتغاء يبتغى بمحاله نسجا على منوالها
وأسرّ حسوا فى ارتغاء مثل يضرب للشخص يظهر أنه يشرب الرغوة، وهو ينال من اللبن. وتوفى ابن خبازة فى أوائل سنة ٦٣٧ هـ/١٢٤٠ م، وله مدحة نبوية رائعة دوّت شهرتها فى عصره وبعد عصره، يقول فى مطلعها:
حقيق علينا أن نجيب المعاليا لنفنى فى مدح الحبيب المعانيا
ونجمع أشتات الأعاريض حسبة ونحشد فى ذات الإله القوافيا (١)
ونقتاد للأشعار كلّ كتيبة لنصر الهدى والدين تردى الأعاديا (٢)
لنطلع من أمداح أحمد أنجما تلوح فتجلو من سناه الدّياجيا
سهوت بمدح الخلق دهرا فهذه سجودى لجبرى كلّ ما قلت ساهيا
رسول براه الله من صفو نوره وألبسه بردا من النور ضافيا (٣)
وما زال ذاك النور من عهد آدم ينير به الله العصور الخواليا
وهو يقول إنه ينبغى أن أستجيب للمعالى فأفنى فى مديح الرسول الكريم سيد الوجود المعانى وأجمع أشتات الأشعار احتسابا لله وأحشد القوافى إخلاصا له، وأقتاد كتائب الشعر لنصرة الدين وتدمير أعاديه، ولنبدى من أمداحه نجوما تجلو من نوره الدياجى المظلمة. ويعتذر عن تمضية عمره فى مديح الحكام والأمراء ساهيا عن مديح الرسول الكريم، وهو يقدم تلك المدحة بأخرة من حياته جبرا لما سها عنه قديما. ويقول إنه رسول عظيم خلقه الله من صفو نوره وألبسه من النور حلة سابغة، وظل هذا النور المحمدى الباهر ينير العصور الخوالى. وتطلّ من الأبيات التالية فكرة الحقيقة المحمدية التى تغنّى بها الحلاج والمتصوفة بعده، وهى حقيقة تؤذن بأن الرسول أقدم فى خلقه المعنوى أو الروحى من خلق الأنبياء. ويقول ميمون فى قصيدته: بفضله تاب الله على آدم وأنقذ نوحا وخلصه من الموج العاتى وحمى إبراهيم الخليل من النار حين ألقاه أعداؤه فيها، ومن أجله افتدى إسماعيل الذبيح. وحين وضع أمّه له حفّت به الأملاك وأعول إبليس اللعين وتنبّئت به الأحبار والكهان وتداعى إيوان كسرى. ثم يمضى فى الحديث عن سيرته منذ كان فى المهد، وحملته السيدة حليمة لترضعه ويذكر
_________________
(١) حسبة: احتسابا لله.
(٢) تردى: تهلك.
(٣) ضافيا: غامرا.
[ ١٠ / ٤٨١ ]
ما روى من شق جبريل وميكائيل لصدره وإيداعهما فيه النور الهادى، ويتحدث عن رحلته إلى الشام ولقائه لبحيرا الراهب ونسطور راهب بصرى الذى بشره ببعثته، وما كان من تحنّثه فى حراء واختيار الله له كى يبلّغ رسالته، ويذكر إسراءه ومعراجه إلى السموات ومناجاته لربه. ويأخذ فى سرد معجزاته منذ بدء هجرته ونسج العنكبوت لبيوته على غار حراء حتى لا تظن قريش أن به الرسول وصاحبه الصديق، ويستطرد إلى بعض ما تذكره كتب السيرة النبوية من الآيات والمعجزات، ويعرض فى نهاية مدحته معجزة الرسول الكبرى: القرآن الكريم، منشدا:
وآياته جلّت عن العدّ كثرة فما تبلغ الأقوال منها تناهيا
وأعظمها الوحى الذى خصّه به فبلّغ عنه آمرا فيه ناهيا
تحدّى به أهل البيان بأسرهم فكلّهم ألفاه بالعجز وانيا
وجاء به وحيا صريحا يزيده مرور الليالى جدّة وتعاليا
تضمّن أحكام الوجود بأسرها وحكم القضاء مثبتا فيه نافيا
وأخبر عما كان أو هو كائن يرى ماضيا أو ما يرى بعد آتيا
وما كتبت يمناه قطّ صحيفة ولا رئ يوما للصحائف تاليا (١)
عليه سلام الله لا زال رائحا عليه مدى الأيام حقّا وغاديا
وهو يقول إن معجزات الرسول ﷺ أكثر من أن تعدّ وتحصى، وإن الأقوال مهما تكاثرت لا تستطيع أن تحيط بها، وأعظمها القرآن المعجزة الكبرى التى ليس لها مثال سابق ولا مثال لا حق وإنه ليحمل أوامر الله ونواهيه وقد تحدى الرسول به أهل البيان من العرب فكلهم أعلن عجزه عن الإتيان بما يماثله، بلاغة تأخذ بالألباب. وقد تضمن أحكام الوجود جميعها، وشمل حكم القضاء نفيا وإثباتا، وأخبر الله فيه عن الأحداث الماضية والمستقبلة. وكل هذا البيان المعجز حمله الرسول، وهو لم يخطّ صحيفة بيمينه، ولا شوهد يوما تاليا للصحف أو الصحائف، إنه النبى الأمى العظيم، سلام الله عليه سلاما دائما من أمته ومحبيه.