من الكتاب الشعراء فى أوائل عصر الدولة العلوية، لا يعرف تاريخ مولده، ولكن يعرف تاريخ وفاته إذ توجه إلى المشرق لأداء فريضة الحج، وفى الطريق صعدت روحه إلى بارئها فى القاهرة سنة ١١٣٤ هـ/١٧٢١ م وهو تلميذ الشاعر ابن زاكور وحامل لواء الأدب المغربى بعده لا فى فاس مسقط رأسه وحدها بل فى المغرب الأقصى جميعه. ومثل لداته التحق بكتاتيب فاس لحفظ القرآن الكريم، ثم أكبّ على حلقات العلماء فى جامع القرويين، وتفتحت موهبته الأدبية مبكرا، فنظم الشعر، وأنشأ قصائد مديح للسلطان إسماعيل، وطارت شهرته لا لما كان ينظم من أشعار فحسب، فقد كان يجيد نظم المسمطات والموشحات كما كان يجيد التأليف الأدبى على نحو ما يتضح فى كتابه «الأنيس المطرب فيمن لقيه مؤلفه من أدباء المغرب» وقد عرض فيه اثنى عشر أديبا من معاصريه، لعل أشهرهم أستاذه ابن زاكور، وفيه يقول:
«وحيد البلاغة، وفريد الصياغة، الذى أرسخ فى أرض الفصاحة أقدامه، وأكثر وثوبه على حل المشكلات وإقدامه، فتصرف فى الإنشاء، وعطف إنشاءه على الأخبار وأخباره على الإنشاء، وقرع (٢) الرجال، فى ميادين الارتجال». وله بجانب هذا الكتاب الطريف رسائل شخصية يزينها بسجعاته وما يختار لها من أشعار وبجناساته واستعاراته إذ كان أديب عصره غير منازع ولا مزاحم، وإحدى هذه الرسائل موجهة إلى صديقه محمد بن العربى الشرقى، وفيها يقول:
«بعد ما تستحقه تلك السيادة، الممنوحة بالحسنى وزيادة، من السلام الذى طابت نفحاته، وطالت غدواته وروحاته. . فإنه لما طال أمد الفراق، وبلغت الروح التراقى وظنّ أنه الحين وقيل: من راق، فكرت فيمن يفك من يد الأشواق أسرى، ويجبر بين الأصحاء كسرى فقلت:
وبى منك ما لو كان بالشمس لم تلح وبالبدر لم يطلع وباللّيل لم يسر
_________________
(١) انظر فى ترجمة ابن الطيب العلمى ورسائله ومقامته النبوغ المغربى ١/ ٣٢٤ و٢/ ٢٢١ والوافى ٣/ ٧٨٩ والدكتور الأخضر ١٧٧.
(٢) قرع الرجال: فاز عليهم.
[ ١٠ / ٥٣٦ ]
فما عثرت بعد معاناة البين، ومعاتبة الدهر المفرّق بين المحبّين، إلا على بعض درر من كلامك، استخرجت من بحور مددك بمداد أقلامك، كنت ادّخرتها عن القوم، لمثل هذا اليوم:
تفقّدتها بعد السرور بكونها وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر
فما زالت تذكّرنى أيام الوصال، وتقطع من غرائب البين وتخرسه إن صاح أوصال:
ذكرت بها بعد التفرّق ما مضى زمان النّقا والشئ بالشئ يذكر
إلى أن استولت على يد الضيّاع، وأعقبت لى ذلك الأمن بالارتياع، فأصبحت من فراقك ملتاعا بلوعتين، واحترقت بجمرتين، والتدغت من جحر مرتين:
وكنت كذى رجلين رجل مريضة ورجل رماها الدهر يوما فشلّت
غير أن الآمال كانت تشوّفنى (١)، والليالى لكتابك تشوّقنى، فكنت أصدّق فيك الأوهام، وأعدّ حديثها من الإلهام:
صدّقت وهمى فى الحديث ولم أقل خبر رواه الوهم وهو ضعيف»
وهو فى مطلع رسالته يقتبس من سورة يونس: (الحسنى وزيادة) كما يقتبس من سورة القيامة: ﴿إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ: مَنْ راقٍ﴾، ويتأثر بالحديث النبوى: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» ويتمثل بأبيات تتضح فيها رهافة ذوقه وبصره بالشعر العربى ودقة اختياره، ولغة الرسالة وأساليبها تكتظ بالسلاسة والعذوبة، مع ما يشيع فيها من الجناسات والطباقات والاستعارات. وكل ذلك يرفع من نثره وبلاغته فيه. ومن آثاره النثرية مقامة بديعة سماها «مقامة الحجام» رواها عن بعض الظرفاء وأنا أوجزها فى السطور التالية:
استهلّها بأنه جلس يوما مع جماعة من الأحباب. . يتذاكرون ما مرّ فى أيام الشباب، وكان بينهم شاب حسن الصورة إلا أنّ شعر شاربه طال، واسترسل غاية الاسترسال، فسألوه عن سبب طول شاربه، فقال لهم: أنا أخبركم بخبر عجيب، فقد صلّيت يوما صلاة الاستخارة، فوجدتنى مائلا إلى التجارة، فقصدت مدينة سنجار، وفتحت بها حانوتا بسوق التجار، لبيع القماش، والاستعانة به على المعاش، وزيّنت الدكان، وكسوته الستائر على أربعة أركان. فحاول يوما دخول الحمام، فوجد فى طريقه جماعة من النسوة بينهن فتاة جميلة، فتبعتها حتى دخلت دارا أنيقة، ورأى أمام الدار خياطا يخيط الثياب فى دكان. ويذكر الشاب أنه احتال على عقد صلة بينه وبين الخياط، ونجح فى عقدها، فأنبأه أن أباها خطيب البلد، وهو كثير المال وليس له من أولاد سواها وخطبها كثيرون، وردّهم ولم يسمح لها بالزواج، وتلطف
_________________
(١) تشوّفنى: تجعلنى أتطلع وأطمح.
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
له الشاب حتى أنس به، فدلّه على عجوز مشهورة فى تزويج الفتيات، ولقيته العجوز، فوعدها بمال وتحف كثيرة إن هى نجحت فى وساطتها. وغابت عنه فترة وعادت إليه بعد شهر، فأيأسته منها، فقال لها إنّي لا أريد منها سوى قبلتين، وأعطاها من الذهب ما أرضاها، فعادت إلى الوساطة عند أم الفتاة، وأقنعتها بلقاء الشاب المتيم لابنتها، واتفقا على أن يزورها فى صلاة إحدى الجمع وأبوها مشغول عنها فى المسجد. وفى يوم الجمعة المضروب دخل عند حجّام ليستتم حسن مظهره، فوجد الحجام شاربه طويلا فقصّ أطرافه، وبدلا من أن يعطى الشاب الحجام درهما أعطاه لارتباكه دينارا، فطار صوابه، وخرج وراءه، ولازمه ولاصقه طامعا فى دنانيره حتى إذا دخل دار الفتاة ولول الحجّام وصاح ولم يزل يصرخ ويستغيث، ويقول ألا منجد ألا منجد ألا مغيث والعجوز راجفة والبنت واجفة (١) ومثلها الأم، واجتمع الناس والحجام يصيح: يا سيداه، يا مولاه، وخرج الناس من صلاة الجمعة وتجمع الناس عند الدار، ووصل الخبر إلى خطيب البلد فحضر، وسأل الحجام ما الخبر؟ فقال له إن سيدى دخل إلى هذه الدار ومعه كيس فيه ألف دينار فطمعوا فيه فأدخلوه وقتلوه. ووجد الشاب فى الدار بئرا فرمى نفسه فيها ليختبئ عن عيون الناس، ودخل الخطيب الدار ومعه الحجام يبحثان عن الشاب، وعرف الحجام مخبأه فى البئر، فسأل الخطيب أبو الفتاة الشاب عن سبب دخوله الدار، فأجابه مموّها عليه: دخلت لكى أسرق، فحمل إلى الوالى على أقبح حال وأسوأ شان، وأمر بسجنه، وبقى فى الحبس سنة. وكان المساجين يعرضون كل عام على السلطان فى شهر رمضان لينظر فى أمرهم، وعرض عليه الشاب فسأله عن الأمر الذى حبس من أجله، فقال له، إنها قضية أذكرها بين يديك لتحكم فيها، وذكر له حكايته على وجهها الصحيح، فأمر برد ماله كما أمر الخطيب أن يزوجه من ابنته، ودفع له الصداق. وسلم الحجام للشاب فصلبه على باب داره. ثم قال: وأنا من هذا الحين لا أقص شاربى أبدا.
وقارن الأستاذ محمد بن تاويت بين عناصر هذه المقامة لابن الطيب العلمى وبعض عناصر المقامة السنجارية للحريرى، ولاحظ كثيرا من التشابه بين عناصر المقامتين حتى فى بعض العبارات والصيغ، ونجد ابن الطيب العلمى يذكر عن بطلها أنه قصد مدينة سنجار بقصد التجارة، وهى المدينة التى عقد عليها الحريرى مقامته السنجارية. ومقامة العلمى لا تدور على الشحاذة الأدبية مثل مقامة الحريرى. وقد أخلاها-كما ذكر الأستاذ ابن تاويت-من الألفاظ الغربية الكثيرة التى استظهرها الحريرى فى مقامته، وأجرى فيها روح الفكاهة مع السلاسة والعذوبة على نحو ما يبدو فى القطعة التالية المقتطفة من أوائلها:
_________________
(١) واجفة: مضطربة.
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
«اتفق لى فى بعض الأيام ضرورة إلى دخول الحمام، فوجدت فى طريقى جماعة من النسوان، بينهن فتاة كأنها قضيب البان، فلمحت من تحت الإزار معصمها وقد سطع صفاؤه، وأبصرت من تحت النقاب جسمها وقد لمع ضياؤه، فوقفت وقد جرى من الجفون الدم، وعجزت عن نقل القدم، ثم تبعتها من بعيد، ولاحظتها إلى أين تريد، فدخلت دارا يدل إتقان بابها، على سعادة أربابها، ونظرت فإذا بالقرب من ذلك المكان، خيّاط يخيط فى دكان، وعنده من الصناع والأعوان، ذوو أذقان ومردان (١)، صنوان (٢) وغير صنوان، فقلت فى نفسى: من هذا الخياط أستفهم، عمّا علىّ أبهم. فرجعت إلى دكانى، ثانيا عنانى، وأحضرت عدّة من التفاصيل، وجئت بها إلى حانوت الخياط بقصد التفصيل، فجالسته وحاورته وآنسته، وفصلت ذلك القماش، وعجّلت له من الأجرة ما يحصل به الانتعاش، ففرح بحضورى، واعتنى بأمورى، ووجدت عنده معرفة بالأدب، وشكا إلىّ من ضيق الحال والسّغب (٣)، وأنشدنى لنفسه من شعره المستعذب:
أنا الخيّاط لى رزق ولكن أرى حالى من الإفلاس عبره
ذراعى فيه من فقرى مقصّ ورزقى خارج من عين إبره
فاستحسنت نظمه، وحملت همّه وسألته عن صنّاع دكانه، وديار جيرانه، فما زال يشير إلى كل دار ويشرح حالها، ويعرّفنى تفصيلها وإجمالها، حتى أفضى الحديث إلى الدار التى أختارها، وقصدى أن تتضح لى أخبارها، فقال: هى دار خطيب البلد، وهو رجل كثير المال قليل الولد، مشهور بالتّوقرة الزائدة، ولا له من الأولاد إلا ابنة واحدة، وهى روحه التى بين جنبيه، والسواد الذى فيه نور عينيه، وقد منعها الأزواج ولم يسمح لها بالزواج».
والمقامة تجرى بهذه الروح الفكهة التى ترسم الابتسامة على الشفاه، وهى سجع خالص، سجع قصير يحدث ضروبا من التلاؤم الصوتى بين العبارات ويحسّن جرسها ووقعها فى الأسماع، حتى لتنساب انسياب الجدول الرقراق المتدفق بالماء العذب القراح.
_________________
(١) مردان: جمع أمرد: شاب.
(٢) صنوان: شقيقان أو متماثلان.
(٣) السغب: الجوع.
[ ١٠ / ٥٣٩ ]