عَاتب الضَّحَّاك بن مُزَاحم صديقا لَهُ على شرب النَّبِيذ، فَقَالَ: إِنَّمَا أشربه لِأَنَّهُ يهضم الطَّعَام. فَقَالَ: مَا يهضم من دينك أَكثر. وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء: اشرب مَعنا النَّبِيذ، فَقَالَ: لَا أشْرب مَا يشرب عَقْلِي. وَقَالَ آخر
[ ٧٠ ]
لِابْنِهِ: يَا بني إياك والنبيذ، فَإِنَّهُ مفْسدَة لِلْمَالِ وَالدّين. وَقيل لبَعْضهِم: النَّبِيذ كيمياء الطَّرب. فَقَالَ: نعم، وَلكنه إكسير الْحَرْب. وذمه بعض الْحُكَمَاء فَقَالَ: من مثالبه أَن صَاحبه يُنكره قبل شربه، وَيَعْبَسَ عِنْد شمه، ويستنقص الساقي من قدره ويمزجه بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ ضِدّه، ليخرجه عَن مَعْنَاهُ وَحده، ثمَّ يكرع فِيهِ على الْمُبَادرَة، ويعبه وَلَا يمصه، ويجرعه وَلَا يكَاد يسيغه، ليقلّ مكثه فِي فَمه، ويسرع فِي اللهوات اجتيازه، ثمَّ لَا يَسْتَوْفِيه كُله، وَيرى أَن يبقي فضلَة فِي كأسه، ويشاح الساقي فِي المناظرة على مَا بَقِي مِنْهُ عِنْد رده، ليصرف عَن نَفسه عَادِية شَره، وَيسلم من مَكْرُوه عاقبته، ويتنقل بعقبه مَا يكسر من سورته، ويخفف من بشاعته، وَيمْنَع من قذفه، كَمَا يفعل بطبيخ الغاريقون، وَحب الأصطمخيقون.