حرص أبو الحجاج على استقصاء شواهد الكتاب الشعرية، فكان يشرح هذه الشواهد في الباب شاهدًا شاهدًا، وربّما أضاف إلى شواهد سيبويه في بعض الأبواب شواهد أخرى ذكرَها غيرُه من قدامى النحويين، كما فعل في باب (ما يحتمل الشعر)، فإنّه حين أنهى شرح شواهد سيبويه في الباب شرع يشرح بعض ما أضافه الأخفش من شواهد في هذا الباب (^٤١)، ومثال ذلك قوله: (وممّا أنشده الزجّاج في الباب عن المبرّد للفرزدق في قولهم: الضاربُ الرَجُلِ:
أَبأنا بها قَتلى وما في دمِائها … وَفاءٌ وهُنَّ الشافياتُ الحَوائمِ
_________________
(١) الشاهد: ٢٠٠، وينظر أيضا الشاهد: ١٨٠.
(٢) الشاهد: ٤٣، وتنظر أيضا الشواهد: ٦٥، ١٢٠، ١٢١، ١٥٢، ٢١١، ٢٩٢.
(٣) الشاهد: ٣٧٨.
(٤) الشاهد: ٨٦١، وينظر أيضا الشاهد: ٨٦٦.
(٥) تنظر الأبيات الثلاثة التي بعد الشاهد: ١٩.
[ ٣٧ ]
فأضاف الشافيات وفيها الألف واللام إلى الحوائمِ) (^٤٢)، وأضاف أبياتًا ذكرها المازني والجَرْمي في بعض الأبواب (^٤٣).
أمّا إذا تكرّر الشاهد في أكثر من باب، فإنْ كانَ موضعُ الاستشهاد فيه واحدًا، فإنّه يشير إلى أنّ البيت قد تقدّم تفسيرُه أو ذِكرُه، كقوله: (وبعد هذا البيت في الباب بيت جرير وبيتُ الحارث بن كَلَدة، وتقدَّم تفسيرُهما فأَغنى ذلك عن إعادتهما) (^٤٤)، فلم يذكر البيتين لأنهما تقدّما وقد شَرَحَهما هناك (^٤٥)، وقد يُهمل ذِكرَ البيت إذا تكرّر في بابٍ آخر كما فَعَل في الشاهد:
يا أَبَتا عَلَّكَ أو عَسَاكا
لأنّه تقدّم وشَرَحَه هناك (^٤٦).
وإنْ تكرّر البيتُ وفيه شاهد آخر، فإنه يذكر موضع هذا الشاهد، ويشير إلى أنّ البيت قد تقدّم تفسيرُه، كقوله بعد بيت المرار الفقعسي: (استشهد به ها هنا على دخول ما لتجعل بعد من حروف الابتداء كما جعلت لعلّ وأخواتها، وقد تقدَّمَ البيت بتفسيره) (^٤٧).
وربّما أهمل الأعلمُ ذِكرَ الشاهد حين يرد أوّل مرّة، فإذا ورد ثانيةٌ ذَكَره وشَرَحَه، كقول عنترة (^٤٨):
يا دارَ عَبْلَةَ بالجِواءِ تَكَلَّمي
ولكنّ هذه العناية باستقصاء الشواهد لا تعني أنّ الأعلمَ استقصي شواهد سيبويه الشعرية جميعًا، فقد وَجَدْتُه قد أهملَ ذِكرَ شواهد قليلة، وهذه الشواهد نوعان: أولهما
_________________
(١) ينظر البيت الذي بعد الشاهد: ١٤٨.
(٢) تنظر الأبيات التي بعد الشواهد: ١٨١ و١٠٠٦ و٩٨٦.
(٣) الشاهد: ١٠٠، وينظر أيضا الشاهد: ١٠٧.
(٤) ينظر الشاهدان: ٧٣ و٧٤.
(٥) الشاهد: ٥٦٣، وقد تكرر هذا الشاهد في الكتاب: ٢/ ٢٩٩، وأهمله الأعلم ولم يذكره.
(٦) ينظر ما بعد الشاهد: ٤٠٠.
(٧) هذا هو الشاهد (٩٧٣)، وقد ورد أول مرة في الكتاب: ١/ ٣٤٢، وقد أهمله الأعلم ولم يذكره.
[ ٣٨ ]
الشواهد التي لم يذكرها قطّ، وهي (^٤٩):
مواعيدَ عرقوبٍ أخاه بيثربِ
يا بؤس للحربِ
حين لا مستصرخُ
قد عَلِمت ذاك بناتُ أَلْيبه
غضِّ الطرفَ إنّك من نُمَيرٍ
إذا تخازَرْتُ وما بي من خَزَرْ
إنّ المُوقّى مِثلُ ما وُقَّيتُ
مشيةً سُجُحًا
يا ابن رُقَيْعٍ هل لَها مِن مَغْبَقِ
وثانيهما الشواهد التي يُحتمل أنْ تكونَ نسختُه من كتاب سيبويه خاليةً منها، وهذه الشواهد هي:
١ - ثُم قالوا تُحبّها قُلتُ بَهْرًا … عددَ النجم والحَصَى والتُّرابِ
وضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأن المحقق اخذه من نسخة طـ (^٥٠).
٢ - يا مالِ والحقَّ عنده فقِفوا
وضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأنّه لم يُذكر في الأصل ولا في النسخة ب (^٥١).
٣ - مَتَى ما يُفِدْ كَسْبًا يكنْ كلُّ كَسْبِهِ … له مَطعمُ مِن صدرِ يَومٍ ومأكَلُ
_________________
(١) تنظر هذه الشواهد على التوالي في الكتاب: ١/ ١٣٧، ٣١٥، ٣٥٧، ٢/ ٣ و٦١، ١٦٠، ٢٣٩، ٢٥٠، ٣١٥، ٣٤٣.
(٢) الكتاب (بولاق) ١/ ١٥٧، (هارون) ١/ ٣١١.
(٣) الكتاب (بولاق) ١/ ٣٣٥، (هارون) ٢/ ٢٥٢.
[ ٣٩ ]
لم يذكر هذا الشاهد في النسخة (ب) وبعض أصول طـ (^٥٢).
٤ - فَمَنْ نالَ الغِنى فليصطنعْهُ … صَنيعَتَهُ ويَجْهَد كُلَّ جَهْدِ
وُضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأنّه لم يرد في النسختين أو ب، وأخَذَه المحقق من النسخة ط (^٥٣).
٥ - لَوْ بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ
أشار إليه عبدُ القادر البغدادي بأنّ سيبويه أنشده في باب من أبواب (إنّ) في نسخة أبي الحسن وحده، ولم يجده في نسخته من الكتاب التي برواية المبرّد (^٥٤).
٦ - بَكَرَ العواذِلُ في الصَبُو … ح يَلُمْنَني وأَلومُهَّنهْ
ويَقُلْنَ شَيبٌ قد عَلا … كَ وقد كَبِرتَ فقلتُ إنَّهْ
لم يُذكر البيتان في النسختين أوب (^٥٥)، ولم يذكرهما الأعلم، وقد تكرر البيت الثاني منهما في باب آخر، فذكره الأعلمُ وبَيَّنَ وجه الشاهد فيه (^٥٦).
٧ - وأنت امرؤ من خيرِ قومكَ فيهمُ … وأنت سِواهم في مَعَدَّ مُخَيَّرُ
لم يُذكر هذا الشاهد في النسخة (ب) من طبعة هارون (^٥٧).
٨ - خَنَاثَى يأكلونَ التمر ليسوا … بزوجاتٍ يَلدْنَ ولا رجالِ
_________________
(١) الكتاب (بولاق) ١/ ٣٩٦، (هارون) ٢/ ٣٩٤.
(٢) الكتاب (بولاق) ١/ ٤٠٩، (هارون) ٣/ ٩.
(٣) الكتاب (بولاق) ١/ ٤٦٢، (هارون) ٣/ ١٢١، وينظر: خزانة الأدب: ٣/ ٥٩٥.
(٤) الكتاب (بولاق) ١/ ٤٧٥، (هارون) ٣/ ١٥١.
(٥) ينظر الشاهد: ٩٤٠.
(٦) الكتاب (بولاق) ٢/ ٢٧، (هارون) ٣/ ٢٥١.
[ ٤٠ ]
وُضع هذا البيت في طبعة هارون بين معقفين، لأنَّه لم يرد في النسختين (أوب) (^٥٨).
٩ - ما أَقلَّتْ قدمُ ناعِلَها … نِعِمَ الساعون في الحيِّ الشُطُرْ
وُضع هذا الشاهد في طبعة هارون بين معقفين، لأنه ورد في النسخة (ط) فقط (^٥٩).
وقد وجدت شاهد اختلفت فيه طبعتا الكتاب، فورد في طبعة بولاق (^٦٠):
فإنْ جَزَعًا وإنْ إجمالَ صَبْرِ
وورد في طبعة هارون (^٦١):
وإنْ مِنْ خَريفٍ فَلَنْ يَعْدَما
وهذا الشاهد شَرَحه الأعلم، ولم يشرح الشاهد الذي ورد في طبعة بولاق.
ومن أمثلة الاختلاف بين الطبعتين أيضا، أن الأستاذ عبد السلام هارون أدخَلَ رجزًا في متن الكتاب (^٦٢) أنشده أبو عُمَر الجرمي، وعدّه شاهدًا من شواهد سيبويه لأنه ثابت في النسختين (أوب)، ولأنّ الأعلم الشنتمري (^٦٣) ذكره، وهذا الشاهد هو:
أَرْمي عليها وهي فَرعٌ أجمعُ … وهي ثَلاثُ أذرعٍ وإصبَعُ
وإذا كان الأعلم قد أهملَ بعض الشواهد عمدًا، أو بسبب احتمال خلو نسخته من الكتاب منها، فإنّه ذكر بيتين وأشار إلى أنَّ سيبويه قد أنشدهما في الباب، لكنّي لم أجدهما في الكتاب، وهما:
_________________
(١) الكتاب (بولاق) ٢/ ١٩٦، (هارون) ٣/ ٦١٠.
(٢) الكتاب (بولاق) ٢/ ٤٠٨، (هارون) ٤/ ٤٤٠.
(٣) الكتاب ١/ ٤٧١.
(٤) الكتاب ٣/ ١٤١.
(٥) الكتاب (هارون) ٤/ ٢٢٦.
(٦) ينظر ما بعد الشاهد: ٩٨٦.
[ ٤١ ]
أتيتُ مهاجرينَ فعَلّموني … ثَلاثَةَ أحرفٍ متتابعاتِ
وخَطّوا لي أبا جادٍ وقالوا … تَعَلَّمْ صَعْفَضًا وقُريْسِياتِ (^٦٤)
وهكذا نجح أبو الحجاج في استقصاء معظم شواهد الكتاب، وأنجز ما رسمه لنفسه في مقدمته حين قال: (ويسهل عليه حصر عامّتها) (^٦٥).
اختلاف الرواية:
عُني أبو الحجاج في شرح الشواهد باختلاف الرواية، وهو أمرٌ ضرروي لمن يشرح شواهد نحوية، لأنّ الرواية الأخرى إذا وقعت في موضع الشاهد من البيت قد تُلْغي الاستشهادَ بالبيت، ومثالُ ذلك قول الأعلم بعد بيت ذي الرمّة:
مَشَيْنَ كما اهتَزّتْ رماحٌ تَسَفَّهتْ … أعالِيَها مَرُّ الرياحِ النَواسِمِ
(ويروى مرضى الرياح، يريد الفاترة، ولا ضرورة فيه على هذا) (^٦٦)، وهناك أمثلة كثيرة أدّى اختلافُ الرواية إلى إبطال الاستشهاد بها (^٦٧).
والأعلمُ لا يذكر اختلافُ الرواية من غيرِ تعليق، لأنّ الاختلافَ قد يكون سببه التصحيف، كقوله بعد بيت النابغة الذبياني:
حَدِبَتْ عليَّ بُطونُ ضِنَّةَ كلّها … إنْ ظالمًا فيهم وإنْ مظلوما
(ويروي ضَبّة وهو تصحيف) (^٦٨)، ومثل ذلك قوله بعد بيت الأسود بن يعفر (^٦٩).
_________________
(١) ينظر ما بعد الشاهد: ٧٥٧.
(٢) تحصيل عين الذهب: ٥٢.
(٣) الشاهد: ٣٧.
(٤) تنظر الشواهد: ١٠، ١٧٧، ٣٤٧، ٦٠١، ٦٠٨، ٧٩٤، ٨٤٤.
(٥) الشاهد: ٢٠٥.
(٦) الشاهد: ٧٠٨.
[ ٤٢ ]
وقد يكون عائدًا إلى الخطأ، كقوله بعد الشاهد:
أقَبءُ مِن تَحتُ عريضٌ من عل
(ورواية أبي الحسن مِن عَلِ، وهو خطأ) (^٧٠).
وربّما كانَ اختلافُ الرواية في قافيةِ الشاهد ناتجًا عن اختلافِ القائل، كما في الشاهد المنسوبِ إلى بعض السلوليين (^٧١)، أو الغلط في إنشاد البيت، كما في بيت مالك بن خويلد الهذلي (^٧٢)، وقد يكون بسبب اختلاف نُسخ الكتاب، كما في بيت رؤبة (^٧٣).
وقد يذكر الأعلمُ اختلاف الروايةِ من غير تعليق، مكتفيًا بشرح المعنى على الرواية الأخرى، كقوله بعد الشاهد:
نَظّارةً حينَ تَعلو الشمسُ راكبها … طَرحًا بعينَيْ لياحٍ فيهِ تَحدِيدُ
(ويروي تجديدُ بالجيم، وهو من الجُدَّةِ، والجُدَّةُ خُطّة سوداء تخالفُ لونه، وكذلك بقر الوحش) (^٧٤)، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك (^٧٥).
ويُرجّح الأعلم أحيانًا روايةً على أخرى، ويُبين علّة ذلك مستعينًا بالمعنى، أو بما بعد البيت الشاهد، أو بالنحو، فمثال الأول قوله بعد الشاهد:
تَرعَى أناضٍ مِن جَزيزِ الحَمْضِ
(ويروى أناص بالصاد غير معجمة، وهو جمع أنصاء، وأنصاء جمعُ نَصِيّ، وهو ضربٌ من النبات، والرواية الأولى أصحّ، لأن النَصِيّ ليس من الحَمْضِ، إنما هو من الخَلّة) (^٧٦).
_________________
(١) الشاهد: ٧٧٦.
(٢) الشاهد: ٦٣٠.
(٣) الشاهد: ٣٥٣.
(٤) الشاهد: ٤٦١.
(٥) الشاهد: ١٩٠.
(٦) تنظر الشواهد: ٢٠، ٧٥، ٩١، ٧٤٥، ٦٦٥، ٧٤٩، ٧٥١، ٨٠٤، ٨١٢، ٨٨٤، ٩٠٥، ٩٣٨.
(٧) الشاهد: ٩٠٩ وينظر أيضًا الشاهد: ٨٨٨.
[ ٤٣ ]
ومثالُ الثاني قولُه بعد بيت المتلمس:
آلَيتَ حَبَّ العِراقِ الدَهرَ أَطعَمُهُ … وَالحَبُّ يَأكلُهُ في القَريَةِ السُوسُ
(والرواية الصحيحة في آليت بالفتح، لأنه يخاطب عمرو بن هند الملك، ويدل على هذا قوله بعده:
لَم تَدرِ بُصرى بِما آلَيتَ مِن قَسَمٍ) (^٧٧)
وتتضح استعانته بالنحو في ترجيح الرواية في شرحه لبيت امرئ القيس (^٧٨).
وقد وجدت الأعلم يروي بعض الشواهد برواية مختلفة عن رواية سيبويه لها، ثم يشير إلى الرواية الأخرى، ومثال ذلك قوله بعد بيت خداش بن زهير:
فأيّي وأيُّ ابن الحُصينِ وعَثْعَثٍ … غداةَ التقَيْنا كان عندك أَعْذَرا
(ويروى كان بالحلفِ أغْدرا) (^٧٩)، وهذه رواية سيبويه للبيت، وهناك أمثلة كثيرة لهذه الحالة (^٨٠).