نهل الأعلم الشنتمري علوم اللغة العربية من معين ثَرّ، حين درس على ثلاثة من الشيوخ الذين انتهت إليهم رئاسة النحو واللغة والشعر في حاضرة قرطبة التي كانت قبلة الدارسين في بلاد الأندلس.
ففي ميدان النحو درس كتاب سيبويه على ابن الأفليلي وأبي سهل الحّراني ومسلم بن أحمد الأديب (^٤٧)، وكتاب أبنية كتاب سيبويه لأبي بكر الزبيدي على ابن الأفليلي (^٤٨).
وفي ميدان اللغة درس الكامل للمبرّد، والغريب المصنف لأبي عبيد، ولحن العامة للزبيدي على ابن الأفليلي (^٤٩)، والنوادر لأبي علي القالي، وإصلاح المنطق لابن السكيت،
_________________
(١) إحكام صنعة الكلام: ٦٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) فهرسة ابن خير: ٣١٥.
(٤) المصدر السابق.
(٥) فهرسة ابن خير: ٤٢٢.
(٦) ينظر: نفح الطيب: ٣/ ١٨٤.
(٧) فهرسة ابن خير: ٣٠٥.
(٨) فهرسة ابن خير: ٣٤٦.
(٩) فهرسة ابن خير: ٣٢١، ٣٢٨، ٣٤٧.
[ ١٧ ]
وكتاب الأمثال لأبي عبيد على أبي سهل الحرّاني (^٥٠)، والألفاظ لابن السكيت، واختيار فصيح الكلام لثعلب على شيخيه أبي سهل الحراني وابن الأفليلي (^٥١)، وأدب الكاتب لابن قتيبة على شيوخه ثلاثتهم (^٥٢).
ودرس الأشعار الستة الجاهلية وغيرها على أبي سهل الحرّاني (^٥٣)، وشعر أبي تمام والمتنبي على شيخه ابن الأفليلي (^٥٤).
لقد صيّرت هذه المنابع الثرّة أبا الحجاج إمامَ نحاة زمانه (^٥٥)، وصارت الرحلة إليه في زمانه (^٥٦)، لأنه كان (عالمًا بالعربية واللغة، واسع الحفظ للأشعار ومعانيها، جيّد الضبط، كثيرَ العناية بهذا الشأن) (^٥٧)، ممَّا دعا المعتضد بن عبّاد إلى اختياره مؤدبًا لولده، وكذلك فَعَل ابنه المعتمد الذي كان يوجه إليه الأسئلة فيها يعنّ له من أمور اللغة (^٥٨).
ولم ينفرد أبو الحجاج بهذا الفضل، فقد كان معاصرًا للأستاذ أبي مروان بن سراج المتوفى سنة تسع وثمانين وأربع مئة (^٥٩)، وكان بينهما من الخصومة (ما يكون بين فَحْلين في هَجْمَةٍ، وزعيمين في أُمّة) (^٦٠)، ويتجلّى ذلك في استنقاص ابن سراجٍ الأعلمّ حين ألّف رسالته الرشيدية (^٦١).
وقد خلّف الأعلم بعض الأشعار التي عبّر بعضها عن مشاعره تجاه آل عبّاد الذين
_________________
(١) فهرسة ابن خير: ٣٢٤، ٣٣٣، ٣٤٠.
(٢) فهرسة ابن خير: ٣٣٠، ٣٣٨.
(٣) فهرسة ابن خير: ٣٣٣.
(٤) فهرسة ابن خير: ٣٨٨، ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٨.
(٥) فهرسة ابن خير: ٤٠٢، ٤٠٣، وينظر ايضا: شرح شعر أبي تمام ١ ظ.
(٦) نفح الطيب: ٤/ ٧٥
(٧) الصلة: ٦٤٤، نكت الهيمان: ١١٣.
(٨) معجم الأدباء: ٢٠/ ٦٠، وينظر: وفيات الأعيان: ٧/ ٨١.
(٩) فقد سأله مثلا عن الفرق بين المُسْهِب والمُسْهَب، ينظر: نفح الطيب: ٤/ ٧٧.
(١٠) ترجمته في: الذخيرة: ١/ ٨٠٩، الصلة: ٣٤٦.
(١١) الذخيرة: ٢/ ٤٧٤، والهَجْمَةُ من الإبل: ما بين التسعين إلى المئة.
(١٢) إحكام صنعة الكلام: ٦٨.
[ ١٨ ]
غمروه بفضلهم ومَنِّهم، من ذلك قصيدته التي يخاطب بها المعتمد بن عبّاد فيقول:
با مَنْ تَمَلّكني بالقولِ والعَمَلِ … ومُبْلغي في الذي أَمَّلْتُهُ أَمَليِ
كيف الثَناءُ وقدْ أعجَزْتَني نِعَمًا … مالي بشُكري عليها الدهرَ مِن قِبَلِ
رفَعْتَ للجودِ أعلامًا مُشَهَّرَةً … فبابُك الدهرَ منها عامِرُ السُبُلِ (^٦٢)
ويقع القسمُ الآخر من نظمه الذي وقفنا عليه ضمن الشعر التعليمي، كقوله يجيب المعتمد بن عبّاد حين سأله عن الفرق بين المُسْهِب والمُسْهَب:
سَلامُ الإلهِ ورَيْحانُهُ … على المَلِكِ المُجْتَبى المُنْتَخَلْ
سَلامَ امرئٍ ظَلَّ مِن سَيْبِهِ … خَصيبَ الجَناب رحيبَ المَحَلّ
أَتاني سؤالُك أعْزِرْ بهِ. … سؤال مُبِرٍّ على مَنْ سأَلْ
يُسائلُ عن حالَتي مُسْهَبٍ … ومُسْهَبٍ المُبْتَلى بالعِلَلْ
ثم يقول بعد ذلك:
لِمَ اختَلَفا في بناءيْهما … وحُكْمُها واحدٌ في فعلْ
أَتى ذا على مُفْعَلٍ لم يُعَلّ … وذاك على مُفْعِلٍ قد أُعِلْ (^٦٣)
_________________
(١) تنظر القصيدة في نفح الطيب: ٤/ ٧٥.
(٢) تنظر تكملة القصيدة في نفح الطيب: ٤/ ٧٩.
[ ١٩ ]