الأعلم الشنتمري واحدٌ من متذوّقي الأدب، والعارفين بصحيح أشعار العرب ومنحولها، فقد اختار أشعار الشعراء الستة الجاهليين من روايات مختلفة ثم شرحها، وظَلّ شَرحُه لأشعارهم مصدرًا رئيسًا لدواوينهم التي نُشِرت، واختارَ شعر أبي تمام من روايات مختلفة ثم شَرَحه، لكنّ هذا الشرح لم يصل إلينا كاملًا، ولو وَصلَ لكانت له قيمة عظيمة في توثيق ديوان أبي تمام، ورتّب حماسة أبي تمام على حروف الهجاء وهذّبها،
_________________
(١) توجد منه نسخة برواية الأعلم محفوظة في خزانة القصر الملكي في المغرب تحت الرقم (١٨٠).
[ ٢١ ]
وأضاف إليها حماسيات كثيرة اختارها من عيون الشعر العربي، فنتج عن ذلك حماسة جديدة تضاف إلى كتب الحماسية الأخرى.
وهو أيضا واحدٌ من شُرّاح كتب النحو الذين تركوا آثارهم الواضحة على التصانيف التي شرحوها، وقد تفرّد بمنهجه الجديد في شرحِهِ لأبيات جمل الزجاجي، وكانت له شخصية واضحة في الشروح الأخرى، تتجلى فيها يأتي:
١ - دفاعُهُ عن سيبويه، ورَدُّه على مُغَلِّطيه والمنكرينَ لبعض آرائه، أمثال الأخفش الأوسط والمبرّد والزجاج، لكنّه لم يكن متعصبًا لسيبويه، فقد يخالفه في الرأي، ويقدم الدليل على ذلك، كقوله بعد بيت ابن أحمر:
يُعالجُ عاقرًا أعيَتْ عليه … ليُلقِحَها فينتِجُها حوارا
قال سيبويه: (كأنه قال: يُعالجُ فإذا هو ينتجُها)، والنصبُ الوجهُ، ولم يذكره سيبويه، والرفعُ بعيدٌ جدًّا … وكلُّ واحدٍ من وجهي الرفع لا يصح في ينتجها، لأنك إنْ عَطَفْتَه على (يُعالجُ) لم يجز، لأنْ العلاجَ للعاقرِ يكون، ونِتاجُها لا يكون، وإنْ جَعلْتَه مستأنفًا بمعنى فهو ينتجُها، لم يصلح أيضًا، لأنّها عاقرٌ (^٦٨).
وربّما أخذَ برأي مخالفي سيبويه، كقوله بعد البيت:
مثلُ القَنافذِ هَدّاجون قد بَلَغَتْ … نَجرْانَ أو بَلَغَتْ سَوْءاتِهم هَجَرُ
(نجران: مفعول به، ورواه المبرّد بالرفع على السعة، وهو الصحيح) (^٦٩).
٢ - إذا وَجَد البابَ في كتاب سيبويه تنقصه الشواهد الشعرية، فإنه يستشهد بالشعر لتوثيق كلام سيبويه، كقوله حين ذكر سيبويه أنّ نَدى يُجمعُ على أَنْدِيةٍ:
(وهو شاذّ فيما ذَكَره، وقال الشاعر:
_________________
(١) النكت: ٧٢٥.
(٢) شرح أبيات الجمل: ٢٦٢.
[ ٢٢ ]
في لَيلةٍ مِن جُمادى ذاتِ أَنديةٍ … ولا يُبصرُ الكلبُ من ظَلْمائها الطُنُبا) (^٧٠)
وقد يذكر أبياتًا أخرى غير التي ذكرها سيبويه ليؤكد ما استشهد به سيبويه، وليدل على سعة اطلاعه، كقوله:
(وممّا أنشده الزجّاج في الباب عن المبرّد للفرزدق في قولهم:
الضاربُ الرجُلِ:
ثَأرْنا بها قَتْلى وما في دِمائِها … وَفاءٌ وهُنّ الشافِياتٌ الحوائمِ
فأضافَ الشافيات وفيها الألف واللام إلى الحوائم) (^٧١).
٣ - تحقيقه كتاب سيبويه، وقد تحدّثنا عن ذلك مفصلًا في أثناء دراستنا لكتاب (النكت).
٤ - إبداؤه الآراء في كثير من شواهد سيبويه، وتعليل تلك الآراء، كقوله: (والقولُ عندي أنّه مبتدأ لا خَبَرَ له، لأنه اسمُ فِعلٍ نابَ منابَ الفعلِ والفاعلِ، ووقع موقعه وتعرّى من العوامل …) (^٧٢).
وقد تفرّد ببعض الآراء، كقوله بعد البيت:
بَدَا لي أنِّي لستُ مُدرِكَ مَا مضَى … ولا سابقًا شيئًا إذا كانَ جائيا
(سابق: يُروى بالرفعِ والنصبِ والجَرِّ … ومَنَ نَصَبه فَعَلى معنى ما، لأنّه وإنْ كانَ مخفوضًا في اللفظ فهو في موضع المفعولِ) (^٧٣)، وهو أَمرٌ تَفَرَّد به الأعلم، لأنّ النحِويين يُقدّرون وجهَ النصبِ في (سابق) بالعطفِ على (مدرك) الذي هو خبر ليس، في حين قَدّره الأعلم (ولا مُدرِكَ سَبْقَ شيءٍ).
_________________
(١) النكت: ٩٧١، وينظر مثل ذلك في تحصيل عين الذهب: الشاهد ٨٨، وما بعد الشاهد ١٨١.
(٢) تحصيل عين الذهب: ما بعد الشاهد (١٤٨).
(٣) تحصيل عين الذهب: الشاهد (٢٥٥)، وتنظر الشواهد: ٦٩، ٧٠، ١٠٢، ١٠٣، ٤٦٦.
(٤) شرح أبيات الجمل: ٨٧.
[ ٢٣ ]
٥ - قُدرتُه وتمكُّنه من عرض آراء السابقين في مسائل اللغة، واختياره الصواب مسندًا بالأدلة العقلية والنقلية، ومثال ذلك إجابته المعتمد بن عبّاد حين سأله عن الفرق بين المسهِب والمسهَب، فبعد أنْ خَطّأَ ما ورد في أدب الكاتب، ومختصر العين، نَقَل آراء الخليل وأبي علي القالي وأبي عبيدة، ثم أبدى رأيه فقال: (فرأيُ مملوكك - أيدك الله تعالى - واعتقادهُ، أنّ المسهَبَ بالفتح لا يوصَفُ به البليغ المحسن، ولا المكثر المصيب، ألا ترى إلى قول الشاعر:
حَصِرٌ مُسْهَبٌ
أنّه قَرَن فيه المُسهَبَ بالحَصِر، وذَمّه بالصفتين، وجعل المُسهَبَ أحَقّ بالعيّ من الساكت الحَصِر فقال:
خَيرُ عِيِّ الرجالِ عِيُّ السُّكوتِ
والدليل على أنّ المُسْهِب بالكسرِ يقالُ للبليغِ المكثرِ من الصوابِ أنّهم يقولون للجوادِ الأصيل من الخيلِ: مُسْهِب بالكسرِ خاصة، لأنها بمعنى الإجادة والإحسان …) (^٧٤).
وقد استفاد مَن جاء بعد الأعلم من آثاره وآرائه، ولا سَيما كتابه (تحصيل عين الذهب) الذي شرح فيه أبيات سيبويه، فنقلوا عنه كثيرًا، وسأذكر العلماء الذين نقلوا عن الأعلم أو ذكروا آراءه مرتبين ترتيبًا زمنيًا، وهم:
١ - أبو حيّان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، وقد نقل عنه في ارتشاف الضرب (^٧٥) غير مرّة.
٢ - الحسن بن قاسم المرادي (ت ٧٤٩ هـ)، وقد نقل عنه مرّة واحدة في الجني الداني (^٧٦).
٣ - ابن هشام الأنصاري (ت ٧٦١ هـ)، وقد نقل عنه في ستة مواضع في مغني
_________________
(١) نفح الطيب: ٤/ ٧٨.
(٢) ارتشاف الضرب: ٤٤، ٩٤، ١١٠، ١٣٩، ١٦٨، ١٨٠، ١٨٦، ١٨٧.
(٣) الجنى الداني: ٧٢.
[ ٢٤ ]
اللبيب (^٧٧).
٤ - عبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣ هـ)، ونقل عنه في كتبه الآتية:
أ - خزانة الأدب، وقد نقل فيه عن حماسة الأعلم (^٧٨)، وشرح أبيات كتاب سيبويه (^٧٩) (تحصيل عين الذهب)، وشرح ديوان الشعراء الستة (^٨٠).
ب - شرح أبيات مغني اللبيب، وقد نقل فيه عن حماسة الأعلم (^٨١)، وشرح أبيات الجمل (^٨٢)، وشرح أبيات كتاب سيبويه (^٨٣) (تحصيل عين الذهب)، وشرح ديوان الشعراء الستة (^٨٤).
ج - شرح شواهد الشافية، ونقل فيه كثيرًا عن شرح أبيات كتاب سيبويه (^٨٥).
٥ - الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ)، وقد نقل عنه مرّة واحدة في كتابه تاج العروس (^٨٦).
_________________
(١) مغني اللبيب: ٩٦، ١٧٩، ٣٥٧، ٥١٤، ٥٣٤، ٥٤٠.
(٢) خزانة الأدب: ١/ ١٠، ٥٣٧، ٥٦٣، ٢/ ١٨٠، ٣/ ١٦٥، ٢٨٢، ٣١٥، ٣٣٠، ٣٤٥، ٣٥٤، ٦٠٥، ٦٠٦، ٤/ ١٨٧، ٥٢٣.
(٣) ذكره في أربعين ومئتي موضع، تنظر في إقليد الخزانة: ٩٠ - ٩١.
(٤) خزانة الأدب: ١/ ١٠، ٣٩٥، ٤١٣، ٤١٤، ٤٣٦، ٤٣٧، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤١، ٤٤٣، ٤٤٥، ٥٠٥، ٢/ ٢٠٣، ٤٤٤، ٤٧٦، ٣/ ١٠، ١٢، ١٦٠، ١٦١، ١٦٢، ٣١١، ٣٦٢، ٣٦٤، ٤٣٦، ٤٦٤، ٤٦٥، ٥٨٩، ٥٩٠، ٤/ ١٠٢، ١٣٩، ١٤٥.
(٥) شرح أبيات مغني اللبيب: ١/ ٣٥٦، ٢/ ٥٧، ٢٣١، ٣/ ١٩٧، ٤/ ١٢٧، ٢٧٢، ٥/ ٣١٦، ٦/ ٨، ٧/ ٦١.
(٦) شرح أبيات مغني اللبيب: ١/ ٦٥، ١٨٥، ١٨٦.
(٧) نقل عنه البغدادي كثيرًا جدًّا، تنظر في فهارس شرح أبيات مغني اللبيب.
(٨) شرح أبيات مغني اللبيب: ١/ ١٩٦، ٢٤٤، ٢٩٦، ٣/ ٣٨، ١٣٧، ٤/ ٦٦، ٧/ ١١٣، ١٥٠، ٨/ ١١.
(٩) شرح شواهد الشافعية: ١٦، ٢٣، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٦٣، ١٢٢، ١٣٣، ١٦١، ٢٠٨، ٢١٠، ٢١١، ٢٢٦، ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٣٩، ٢٦١، ٢٦٣، ٢٨٥، ٣٣٣، ٣٣٦، ٣٣٩، ٣٥٧، ٣٦٠، ٣٧٠، ٣٧٤، ٣٧٧، ٣٧٩، ٤٠٠، ٤١٠، ٤٤١، ٤٧٨، ٤٨٩، ٤٩١، ٤٩٣، ٤٩٥.
(١٠) تاج العروس (سبح).
[ ٢٥ ]