حدّد الأعلم السمات العامة لمنهجه في مقدمته للشرح فقال: (وجَمْعها في كتاب يخصها ويفصلها عنه، مع تلخيص معانيها، وتقريب مراميها، وتسهيل مطللعها ومراقبها، وجلاء ما غمض منها وخفي من وجوه الاستشهادات فيها … وألفته على رتبة وقوع الشواهد، وأسندتُ كلَّ شاهد منها إلى بابهِ أوّلًا، ثُمَّ إلى شاعره معلومًا آخِرا، ولم أُطِل فيه إطالةً تُمِلّ الطالب الملتمس للحقيقة، ولا قَصّرتُ تقصيرًا يُخلُّ عنده بالفائدة) (^٨).
ولنأخذ مثالًا لشرح الأعلم لنتبين منهجه في شرح الشواهد، وهذا المثال هو: (وأنشد في الباب لجرير:
إذا بعضُ السِنينَ تَعرّقَتْنا … كَفَى الأيتامَ فَقْدَ أَبي اليَتيمِ
استشهد به على تأنيث تعرّقَتْنا فعل بعض، لإضافته إلى السنين، ولأنه أراد سنةً فكأنّه قال: إذا سنةٌ من السنين تعرّقتنا. عني بالبيت هشام بن عبد الملك، فيقول: إذا أصابتنا سنةُ جَدْبٍ تُذهبُ المالَ قام للأيتامِ مقامَ آبائهم، لأنه ذكر الأيتامَ أوّلا، ولكنّه أفرَدَ حَمْلًا على المعنى. لأنَّ الأيتامَ هنا اسمُ جنس، فواحدها ينوُب مناب جَمْعِها، وجَمْعُها ينوبُ منابَ واحدِها، فمعنى كفى الأيتام فَقْد أبي اليتيم، ومعنى كفى اليتيم فَقْد أبيه واحدٌ، ومعنى تعرّقَتْنا أذهَبَتْ أموالنا، وأصلُه من تعرَّقتُ العظمَ، إذا أَذهَبْتَ ما عليه من
_________________
(١) تحصيل عين الذهب: ٥٢.
(٢) المصدر السابق: ٥٢ - ٥٣.
[ ٣٠ ]
اللحمِ) (^٩).
فلو حاولنا تلمّس منهج الأعلم لوجدناه ينسب الشاهد إلى بابه، ثم يذكر قائله إنْ كانَ معلومًا، ثم يذكر موضع الشاهد في البيت، وبعد ذلك بشرح المعنى العام للبيت، ومعاني المفردات.
ويمكننا تفصيل سمات منهجه بما يأتي:
١ - يبدأ بذكر موضع الشاهد في البيت الذي أنشده سيبويه كما رأينا في البيت المتقدم، فإنْ كان في البيت شاهد آخر فإنّه يذكره أحيانا كقوله بعد البيت:
إذا ما الخُبْزُ تَأدِمُه بلَحْمٍ … فذاكَ أَمانَةَ الله الثَريدُ
(الشاهدُ فيه رفع ما بعد إذا كما تقدّم، ونَصَبَ أمانة الله بإسقاط حرفِ الجرّ ووصول الفعل المضمر، والمعنى أحلفُ بأمانة الله) (^١٠).
وإذا اختلفَ النحويون في موضع الشاهد فإنّه يذكره عند سيبويه ثم يذكر آراءَ غيرهِ من النحويين، كقوله بعد الشاهد:
أيَامَ جُمْلٍ خليلًا لو يَخافُ لها … صُرْمًا لَخُولِطَ منه العَقلُ والجَسَدُ
(الشاهد فيه نصبُ خليل على الاختصاص والتعجب، وقال بعض النحويين: إنّما احتجّ به لنصب الأيّام على الاختصاص كما نَصَب بني مِنْقرٍ ونحوه على ذلك) (^١١).
فإنْ وردت أبيات متعدّدة والشاهد فيها واحد، فإنّ الأعلم يكتفي بذكر موضع الشاهد في البيت الأول، ويشير في الأبيات التي تليه إلى أنّ القول فيه كالقول في الذي قبله (^١٢).
_________________
(١) الشاهد: ٣٥.
(٢) الشاهد: ٦٢٧، وينظر أيضا الشاهد: ٥٠٢.
(٣) الشاهد: ٤٦٨، وينظر أيضا الشاهد: ٨٦.
(٤) الشاهد: ٣٤ والشواهد الثلاثة التي تليه، وينظر أيضا الشاهد: ٤٤ والذي بعده.
[ ٣١ ]
٢ - يُكثر العناية بذكر التقدير في الشواهد، كقوله بعد البيت:
إذا لم تَزَل في كُلِّ دارٍ عَرَفْتَها … لها واكفٌ من دَمْعِ عَينِك يَسْجُمِ
(وتقدير لفظ البيت، إذا لم تزل في كلِّ دارٍ عرفتها من ديار الأحبة يسجم لها وأكفٌ من دمعِ عينك) (^١٣)، فإنْ كان هنالك خلاف بين النحويين في التقدير فإنه يذكره، كقوله بعد البيت:
فواعِدِيهِ سَرْحَتيَ مالكٍ … أو الرِّبَى بينَهما أَسْهَلا
فكأنه قال: ائتي أسهلَ الأمرين عليك، وغيرُ سيبويه يقدّره تقدير يكن أسهَلَ عليك) (^١٤).
والأعلمُ لا يكتفي بذكر تقدير مخالفي سيبويه بل يشير إلى أولى التقديرين (^١٥)، وقد يخالفُ سيبويه في التقدير كقوله بعد الشاهد:
فما أنا والسَيرَ في مَتْلَفٍ … يُبَرَّحُ بالذكَرِ الضابِط
(الشاهد فيه نصبُ السير بإضمار الملابسةٍ، لأنّ معنى ما أنا والسير، مالي ألابِسُ السيرَ وأتشبّث به، فكأنّه قال: ما أنا وملابَسَتي السير، وقدره سيبويه ما كنتُ والسيرَ، وكيفَ أكونُ) (^١٦).
٣ - قد يُعربُ البيتَ الشاهدَ جميعه، كقوله بعد بيت لبيد:
فغَدَتْ كِلا الفَرْجَينِ تَحسبُ أنّه … مَولى المَخافَةِ خَلفُها وأمامُها
(وكِلا في موضع رفعٍ بالابتداء، وتحسب مع ما بعدها في موقع المخبر، والهاء
_________________
(١) الشاهد: ٦٣٠.
(٢) الشاهد: ٢١٨.
(٣) الشاهد: ٢٠٩.
(٤) الشاهد: ٢٣٨.
[ ٣٢ ]
من أنّه عائدة على كلا، لأنّه اسمٌ واحدٌ في معنى التثنية، فحمل ضميره على لفظه، ومولى المخافة خبر لأنّ) (^١٧).
وقد يذكر أوجه الإعراب المختلفة للشاهد كما في بيت ابن صريم اليشكري:
ويَومًا تُوافِينا بوَجهٍ مُقَسَّمٍ … كأنْ ظبية تَعْطو إلى وارِقٍ السَلَمْ
حيث ذكر جواز الرفع والنصب والجر في ظبية، وبيَّن التقدير في كلّ حالةٍ (^١٨).
٤ - يُوردُ الاحتمالات المختلفة لأصل الكلمة، كما في بيت العجّاج (^١٩):
قَواطِنًا مكَّةَ من وُرْقِ الحَمِي
٥ - يشير أحيانًا إلى لغات العرب، كقوله بعد البيت:
أَفي كُلِّ عامٍ مَأَتَمٌ تَبعثونَهُ … علي مِحْمَرِ ثَوَّبْتُموهُ وما رُضَا
(ورُضَا بمعنى رُضِيَ، وهي لغةُ طَييء، يكرهون مجيء الياء بعدَ الكسرةِ متحركة، فيفتحون ما قبلَها لتنقلب إلى الألف لخفتها) (^٢٠).
٦ - يُعني كثيرًا بذكر الجموعِ غيرِ القياسية، كقوله بعد الشاهد:
حتّى كأنْ لم يكُنْ إلا تَذَكُّرُهُ … والدَهرُ أيَّتما حِينٍ دَهاريرُ
(١ ويقال: الدَهاريرُ جمعُ دهر على غير قياس كما قيل: ذَكَر ومَذَاكير) (^٢١).
٧ - يشرح في أحيان قليلة بعض مسائل النحو والصرف، كقوله بعد الشاهد:
قَدْ كنتُ دايَنْتُ بها حَسّانا … مخافَةَ الإفلاسِ والليّانا
_________________
(١) الشاهد: ٣٠٢.
(٢) الشاهد: ٣٩٤.
(٣) الشاهد: ١.
(٤) الشاهد: ١٠٠، وينظر أيضا الشاهد: ٩٥١.
(٥) الشاهد: ١٩٥، وينظر أيضا الشاهد: ٢٨٦.
[ ٣٣ ]
يُحسُ بَيعَ الأصلِ والقِيانا
(والليّانُ مصدر لَوَيْته بالذَيْنِ لَيًّا ولَيّانًا، إذا عَطَلْته، وهذا المثالُ قليلٌ في المصادر لم يُسْمَع إلّا في هذا وفي قوله: شَنتُه شَنْانًا، فيمن سكَّنَ النونَ) (^٢٢).
٨ - قلّما يُصرّحُ بالخِلافِ بين النحويين البصريين والكوفيين في الشواهد التي يشرحها، ويكتفي بالإشارة إلى الخلافِ ولا يرجّحُ أحَدَ المذهبين، كقوله بعد بيت طرفة:
أَلا أَيُّها ذا الزاجرِي أحضُرُ الوَغَى … وأنْ أشهَدَ اللذّاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي
(الشاهد في رفعِ أحضر، لحذفِ الناصب وتَعَرِّيه منه، والمعنى لأنْ أحضر الوَغى، وقد يجوز النصبُ بإضمارِ أنْ ضرورةً، وهو مذهب الكوفيين) (^٢٣).
٩ - يذكر رَدَّ اللغويين على الشعراء في أبياتهم، وتَغْليطهم إيّاهم، كقوله بعد بيت ذي الرمّة:
حَراجِيجُ ما تَنفَكُّ إلّا مُناخَةً … على الخَسْفِ أو نَرْمي بها بَلَدًا قَفْرا
(وكان الأصمعيّ يُغَلَط ذا الرمّة في قوله: ما تنفَكُّ إلَا مُناخةً، لإدخالِهِ حَرْفَ الإيجابِ على ما تنفكُّ، ومعناها إيجابُ الخبر) (^٢٤)، وقد يذكر اتّهامَ اللغويين للنحويين بتغيير روايةِ بعض الأبيات والاستشهاد بها (^٢٥).
١٠ - حين ينتهي الأعلم من بيان موضع الشاهد في البيت، وما يتصل بذلك من آراء النحاة واختلافاتهم إنْ وُجِدت، يشرع في شرح معني البيت الذي … به عنايةً فائقة، مستعينًا بالوسائل الآتية في توضيح المعنى:
أ - إذا ورد الشاهدُ شطر بيتٍ، سواء كان صدرًا أو عجزًا، فإنّه يُكمل البيت
_________________
(١) الشاهد: ١٦٢، وينظر أيضا الشاهد: ٣٤٤.
(٢) الشاهد: ٦٦٤، وينظر أيضا الشاهد: ٦٧٤.
(٣) الشاهد: ٦١٣، وينظر أيضا الشاهد: ٩٢٢.
(٤) الشاهد: ٦٣٢.
[ ٣٤ ]
ليستعين به في توضيح المعنى المقصود (^٢٦).
ب - قد يوضح المعنى بطريق إيراد البيت الذي يليه أو يسبقه، فمثال الأول شرحه بيت خداش بن زهير (^٢٧)، ومثال الثاني شرحه بيت النمر بن تولب (^٢٨)، وربّما ذكر أكثر من بيت بعد البيت الشاهد، كما فَعَل في شرح بيت زياد الأعجم (^٢٩).
وهذه الوسيلة تفيد الشرّاح كثيرًا في جلاء المعاني، ولو التزمها الأعلم دائمًا لابتعد عن الأخطاءِ التي قد يقع فيها، فقد أخطأ الأعلم في شرح الشاهد:
يَحسبُهُ الجاهلُ ما لَمْ يَعْلَما … شيخًا على كُرسِيّه مُعَمّما
فالقائل عند الأعلم (^٣٠) يصف جبلًا قد عَمّه الخِصبُ، في حين يصف القائلُ وَطْبَ لبنٍ قد ارتَفَعَت رغوتُهُ (^٣١).
١١ - يذكر المعاني المختلفة للبيت، ويُرجّح أصحَّها، كقوله بعد بيت، حنظلة بن فاتك:
وأَيقَنَ أنَّ الخَيلَ إنْ تَلْتبس بهِ … يكنْ لفَسيلِ النَخْلِ بعدَهُ آبِرُ
(والبيت يتأول على معنيين: أحدهما وهو الأصح، أن يكونَ وصَفَ جبانًا فيقول: أيقَنَ أنَّه إن التَبَست به الخيل فثبت قُتِلَ فصار مالهُ إلى غيرهِ فكعّ وانهزم، والمعنى الآخر أن يكون وَصَف شجاعًا فيقول: قد عَلم أنَّه إنْ ثَبتَ وأجل لم تتغيّر الدُنيا بعده، وبقي من أهله من يَخلُفُه في حُرِمَه ومالهِ، فثبت ولم يُبالِ بالموت) (^٣٢).
_________________
(١) تنظر الشواهد: ١٨، ١٨٧، ٤٩٩، ٧٨٤، ٨٢٧، ٩١٥.
(٢) الشاهد: ٢٩، وينظر أيضا الشاهد: ٧٥٣.
(٣) الشاهد: ٢٠٩، وينظر أيضا الشاهد: ٣٣٧.
(٤) الشاهد: ٢٣٦، وينظر أيضا الشاهد: ٥٧٦.
(٥) الشاهد: ٨٧٠.
(٦) ينظر: شرح أبياته سيبويه (لابن السيرافي) ٢/ ٢٤٠، الخزانة: ٤/ ٥٧١.
(٧) الشاهد: ١٢.
[ ٣٥ ]
١٢ - قد لا يقتنع بتفسير غيره، فيبدي رأيه في الوجه الصحيح لمعنى البيت، كقوله بعد الشاهد:
وجَدْنا في كتاب بَني تميمٍ … أحَقُّ الخَيلِ بالركْضِ المُعارُ
(كذا فُسِّر، وهو غيرُ معروفٍ، والأشبه عندي أنْ يريدَ المستعار، ويكون المعنى أنّهم جائرون في وصيتهم لأنّهم يرون العاريةَ أحقّ بالابتذالِ والاستعمالِ مما في أيديهم، ويحتمل أن يريد أنَّ العاريةَ أحقّ بالاستعجال فيها لِتُرَدّ سريعا من غيرها كما قال:
كأنَّ حَفيفَ منخره إذا ما … كَتَمْنَ الربوَ كِيرٌ مُستعارُ) (^٣٣)
١٣ - قد يذكر أحيانًا سببَ تسمية الشاعر، كقوله: (وأنشد في الباب لمَقّاس العائذي، واسمُه مُسهر بن النعمان، وسُمّي مَقّاسًا ببيتٍ قاله وهو:
مَقسْتُ بهم ليلَ التمام مسهرًا … إلى أنْ بدَا ضوءٌ من الفَجر ساطِعُ) (^٣٤)
١٤ - يُكثر العناية بالأنساب ويستفيد منها في تفسير الأبيات وتوضيح معانيها، كقوله بعد بيت الفرزدق:
تَرفعُ لي خندف والله يرفع لي … نارًا إذا خمدتْ نيرانُهُم تقِدِ
(وخندف أمّ مدركة وطابخة ابني الياس بن مضر، وتميم من ولد طابخة بن إلياس، فلذلك فخر بخندف على قيس عيلان بن مضر) (^٣٥).
١٥ - يذكر مناسبة البيت وقصّته، كما في بيت المتلمّس (^٣٦):
_________________
(١) الشاهد: ٨٠٤.
(٢) الشاهد: ٢٧.
(٣) الشاهد: ٦٢٩، وتنظر أيضا الشواهد: ٢١١، ٢١٢، ٤١١، ٩٥٢.
(٤) الشاهد: ٢٣، وتنظر أيضا الشواهد: ١٩٥، ٧١٠، ٧٨٨.
[ ٣٦ ]
آليت حَبَّ العراقِ الدهر أطعمُهُ … والحب يأكلُهُ في القَريةِ السُوسُ
١٦ - ينسب بعض الشواهد إلى قائليها كما في الشاهد الذي نَسَبه إلى ابن هرمة (^٣٧)، وقد ينسب بعض الشواهد إلى أكثر من قائل، فهو يذكر نِسبَتَها في الكتاب ثم يذكر نسبةً أخرى، كقوله: (وأنشد في الباب لسوادةَ بن عدي، وقيل: لأميّة بن أبي الصلت) (^٣٨)، وقد يشك في نسبة بعض الأبيات، مثال ذلك شكّه في البيت المنسوب إلى الفرزدق (^٣٩)، وعلى الرغم من هذه العناية بالنسبة فقد وجدته يهمل نسبة بعض الأبيات التي نُسِبت في الكتاب (^٤٠).
هذه أبرز سمات منهج أبي الحجاج في شرح شواهد الكتاب تلمّستها من خلال دراسة هذا الشرح.