أراد كمثل ما يؤثفين، أي: كمثل حالها إذا كانَت أَثافيَّ مستعملةً، ووَضَعَ الكافَ وإن كانَت حَرفًا موضع (مثل) فأدخل عليها الكافَ تَشبيهًا لها بها لأنّها في معناها، وهي في دُخولها على (مِثل) في الاسمية نَظيرُ (سواء) في دخولها على (غير) في التمكّن وعِلَّتُها كعِلَّتها.
وَصَفَ ديارًا خَلَت من أهلها فَنظَرَ إلى آثارها باقيةً لم تتغيّر فذكَّرَتهُ من عَهدَ بها فحزن لذلك. والصالياتُ: الأثافيّ لأنّها صَلِيَت النارَ أي: وَليَتها وباشَرَتها، فيقول: سَوادُها باقٍ كما كانت وهي أثافيّ مستعمَلَة.
ومعني يؤثفين يُنصَبنَ للقدرِ، يقال: أَثفيتُ القِدرَ وثَفَيتُها، وهو على هذا يؤفعَلن فأجراه على الأصل ضرورةً كما قال (^٥٥):
فإنَّهُ أهلٌ لأن يُؤكرَما
وأثفِية أُفعولَةٌ على هذا وهمزتُها زائدةٌ، ومَن جَعَلها فُعلِيَّةً فهمزَتُها أصلية، ويُؤثفَين يُفَعلَين بمنزلةِ يسلقَين، ولا ضرورةَ فيه وفعلها على هذا أَثَفتُ ووزنُه فَعلتُ.
وممّا أنشَدَه الأخفش (^٥٦) في الباب قولُ العُجير السَلولي (^٥٧):
_________________
(١) البيت في: الكتاب ١/ ١٣، المقتضب ٢/ ٩٧، المنصف ١/ ١٩٢ - ١٩٣، الخصائص ٢/ ٣٦٨، النكت ١٥٩، الخزانة ١/ ٣٦٧، وخطامُ هو خطام بن نصر بن عياض بن يربوع من بني الأبيض بن مجاشع بن دارم الراجز. (المؤتلف والمختلف ١٦٠، الخزانة ١/ ٣٦٩).
(٢) الرجز بلا عزو في: المقتضب ٢/ ٩٨، المنصنف ١/ ٣٧، الخصائص ١/ ٤٤، الإنصاف ١١، اللسان (رتب)، الأشموني ٣٤٣/ ٤، شرح شواهد الشافية ٥٨.
(٣) هو أبو الحسن سعيد بن مَسعَدَةَ المجاشعي، من أكابر النحويين البصريين، توفي سنة ٢١٥ هـ. (أخبار المدعوين البصريين ٥٠، نزهة الألباء ١٣٣، أنباء الرواة ٢/ ٣٦).
(٤) شعره: ٢٢٩، وروايته فيه: (رِخو الملاطِ طويلُ)، وينسب إليه والي المخلب الهلالي ينظر: (الإنصاف ٥١٢، الخزانة ٢/ ٣٩٦)، والعُجير بن عبد الله بن عبيدة السلولي من شعراء الدولة الأموية. (طبقات فحول الشعراء ٦١٥، الأغاني ١٣/ ٥٦، الخزانة ٢/ ٨٥).
[ ٦٩ ]
فَبَيناهُ يَشْري رَحلَهُ قال قائل … لِمَن جَمَلٌ رِخوُ المِلاطِ نَجيبُ
أرادُ بَيُنا هو، وقد مضى تفسيرُه.
وَصَف بعيرًا ضَلَّ عن صاحِبِه فَيئِسَ منه وجَعَل يبيعُ رَحلَهُ فبينا هو كذلك سَمِع منادِيًا يُبشَّرُ به، وإنّما وَصَفَ ما وَرَدَ عليه من السرورِ بعدَ الأسَفِ والحُزنِ.
والمِلاطُ: ما وَلِيَ العَضُدَ من الجَنبِ، ويقال للعَضُدين: ابنا مِلاطٍ، ووَصَفَه برَخاوَتِهِ لأنّ ذلك أشَدُّ لِتَجافي عَضُدَيه عن كِركِرتِهِ وأبعَدُ له مِن أن يُصيبَه ناكِتٌ أو ماسِحٌ أو حازٌّ أو ضَبَبٌ، وهذه كلُّها أعراضٌ وآفاتٌ تَلحَقُه إذا حَكَّ بِعَضُديه كِركِرَتَهُ، ومعنى يَشري يبيعُ وهو من الأضداد.
وممَّا أنشَدَه الأخفش أيضًا في الباب قولُ الفرزدق (^٥٨):
وما مِثلُهُ في الناس إلّا مُمَلّكًا … أبو أُمّه حَيٌّ أبوه يُقارِبه
أرادَ وما مِثلُهُ في الناسِ حِيٌّ يُقارِبُةُ إلا مُمَلّكا أبو أُمِّ هذا المُمَلَّكِ أبو هذا الممدوح، وأراد بالمُمَلَّك الخليفةَ هشامَ بنَ عبد الملك، وخالُهُ الذي أَبوه أبو أُمّه إبراهيم بن هشام المخزومي. وتلخيصُ معنى البيت، ما مِثلُ هذا الممدوح في الناس إلّا الخليفة الذي هو ابنُ أخيِهِ، وهذا المعنى مَعَ سُخفِهِ أمثَل ممّا عَبرَ به عنه من لفظِهِ لأنّه فَرَّقَ بين النَعتِ والمنعوتِ في قوله: (حَيٌّ يقاربُهُ) بخبَرِ المبتدأ وهو قوله: (أبوه)، وَفرَّقَ بين المبتدأ الذي هو (أبو أُمِّه) وبينَ خبرِهِ بقوله: (حِيٌّ)، فأحالَ اللفظ حتى عَمِيَ المعنى السخيف فازدادَ قُبْحًا إلى سُخفِهِ.
وممّا أنشده الأخفشُ (^٥٩) أيضًا في الباب لقيس بن زهير (^٦٠):
_________________
(١) ديوانه ١٠٨، وروايته فيه: مُمَلك.
(٢) ذكر الأخفش هذا البيت والبيتين المتقدّمين في أثناءِ تعليقه على الكتاب. ينظر: الكتاب (هارون): ١/ ٢٢، هامش (٣).
(٣) البيتُ له في الكتاب ١/ ٤٢٧، وقد أخَلّ به شِعرُهُ، ونُسِب إلى ورقاء بن زهير بن جَذيمة العَبسي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٩٨، وهو بلا عزو في: ما يجوز للشاعر في الضرورة ١٩٢، الخزانة ٤/ ٥٣٥. وقيس شاعر جاهلي، وكان شريفًا حازمًا ذا رأي. (معجم الشعراء ١٩٧).
[ ٧٠ ]
ألَمْ يأتيك والأنباء تَنْمي … بما لاقَتْ لَبونُ بني زِيادِ
أَثبَتَ الياءَ في حالِ الجَزمِ ضرورةً، لأنّه إذا اضطُرَّ ضَمَّها في حالِ الرَفعِ تَشبيهًا بالصحيح، وهي لغةً لغيرِهِ ضعيفةً فاستَعمَلَها عندَ الضرورة.
وَصَفَ بالبيتِ وما يَتصلُ به من الأبياتِ ما كانَ <من> فِعْلِهِ بأُمِّ الربيع بن زيادِ العَبْسي (^٦١)، وكانَ قَيس بنُ زهير قد أعارَ الربيعَ دِرعًا فمَطَلَهُ بها فَمرَّتْ أُمُّ الربيعِ به على راحلتها فأخَذَ بزِمامها وذَهَبَ بها مرِتَهِنًا لها بالدرعِ، فقالت له العَجوزُ وهي فاطمةُ بنتُ الخُرْشُبِّ الأَنمارية: يا قَيسُ أينَ غَربَ عَقْلُك أَتَرَى بني زيادٍ مصالِحِيك أبدًا وقد ذَهَبْتَ بأُمِّهم يمينًا وشمالًا فقالَ الناسُ ما شاءوا، وإنَّ حَسْبَك من شَرٍّ سَمَاعُهُ، فَخَلّى سبيلَها وذَهَبَتْ كلمتُها مَثَلا.
والباءُ في قوله: (بما لاقَتْ) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ بمنزلتها في قوله ﷿: "وكَفَى باللهِ شَهيدا" (^٦٢)، وحَسَّنَ دُخولَها في (ما) أنّها مبهَمَةٌ مبنيَّةٌ كالحرفِ، فأُدخِلَ عليها حَرفُ الجَرّ إشعارًا بأنَّها اسمٌ، والتقديرٌ ألَمْ يأتيك ما لاقَتْ.
ويَجوز أنْ تكونَ متصلةً بيأتيكَ على إضمارِ الفاعِلِ، فيكون التقدير ألَمْ يأتيكَ النَبَأُ بما لاقَتْ، ودَلَّ على النَبَأ قولُهُ: (والأَنباءُ تَنْمي)، <ومعنى تنمي> هنا تَشِيعُ، وأصلُهُ من نَمَى الشَيءُ يَنْمي إذا ارتَفَعَ وزادَ.
وأنشد سيبويه في بابٍ ترجمتُهُ: هذا بابُ الفاعِل الذي يَتَعَدّاه فِعلُهُ إلى مفعولٍ، لساعِدِةَ بنِ جُؤَيَّةَ الهُذَليّ (^٦٣):