فَرَدَّ قوله: ولا مستنكَرٍ على قوله: بمعروفٍ، وجَعَلَ الآخِر من سبب الأوّل لأنّ الرَدَّ ملتَبِسٌ بالخَيلِ فكأنّه منها.
والعَقْرُ مُتَّصِلٌ بضميرها فكأنّه اتّصَلَ بضميرِ الرَدِّ حيثُ كانَ منَ الخَيل كما كانَ المَرُّ من الرياحِ <في قَولِ ذي الرُمَّة (^١٤١):
مَشَيْنَ كما اهتزّتْ رِماحٌ تسَفَّهَتْ … أعاليهَا مَرُّ الرياحِ> النَواسمِ [٣٧]
وقد مَرَّ تَفسِيرُهُ (^١٤٢).
فتقديرُ البيت الأوّلِ عند سيبويه فليسَ بآتِيكَ الأمورُ مَنْهِيُّها ولا قاصِرٍ عنكَ مأمورُها، وتقديرُ الآخِرِ فليسَ بمعروفَةٍ خَيْلُنا رَدُّها صِحاحًا ولا مستنكَرٍ عَقْرُها لِما ذَكَرنا من التِباسِ المَنْهيِّ بالأمورِ فكأنّه الأمورُ، والتِباسِ الرَدِّ بالخَيْلِ فكأنّه الخَيلُ.
وقد رُدَّ عليه ما تأوّلَ في البيتين، وأُبْطِلَ جَوازُ الجَرُ الذي أجازَهُ سَماعًا مِن العربِ فقال: (وقد جَرَّهُ بَعضُهم) (^١٤٣).
والرَدُّ عليه فيما تأوّلَهُ صَحيحٌ، والرَدُّ على العَربِ مِن الاعتِداءِ وأشَدُ التَعَسُّفِ والاجتراءِ، وسَأُبَيِّنُ صِحَّةَ القِياسِ فيما أجازَتْهُ العَرَبُ من ذلك وغَفْلَةَ سيبويه في تأويلِهِ وما لَحِقَهُ فيه من السَهْو المُوَكَّلِ بالبَشَر، على أنّي قَد استقصيتُ القولَ فيما تأوَّلَهُ هو
_________________
(١) في ط: وقدم تفسيرُه، وينظر الشاهد (٣٥).
(٢) في ط: تأويل.
(٣) الكتاب ١/ ٣٢، شعره: ٦٨.
(٤) الكتاب ١/ ٣٣.
(٥) ينظر الشاهد (٣٧).
(٦) الكتاب ١/ ٣٢، وفيه: وقد جَرَّهُ قومٌ.
[ ٨٩ ]
وغَيرُهُ في البيتين في كتابِ (النكت) (^١٤٤).
فأقول: إنّ العَرَبَ تُجيرُ في الدارِ زيدٌ والحُجرةِ عمروٌ، وإنَّ في الدارِ زيدًا والحُجْرَةِ عَمرًا، وليسَ بقائمٍ زيدٌ ولا خارِجٍ عَمروٌ، ولا تُجيزُ زيدٌ في الدارِ والحُجرةِ عَمروٌ، ولا إنّ زيدًا في الدارِ والحُجرةِ عَمرًا، ولا ليسَ زيدٌ بقائمٍ ولا خارجٍ عَمروٌ، والفَرقُ بَينَ الكلامينِ أنّك إذا قلتَ: في الدارِ زيدٌ والحُجرة عمروٌ جَرى آخِرُ الكلامِ وأوّلُهُ على استواءٍ من تقديمِ الخَبَرينِ على المُخْبرِ عنهما، فاحتَمَلَ الكلامُ الحَذْفَ من الثاني لدلالَةِ الأوّلِ على المحذوف ولاتصالِ المحذوفِ بحرفِ العطفِ القائمِ مقامَهُ في الاتصالِ بالمجرورِ، فلم يَبْقَ في الكلام إزالَةُ شيءٍ عن موضِعِه لوقوعِ الرُتبةِ فيه وحُصولِها.
فإذا قلتَ: زيدٌ في الدارِ والحُجرةِ عَمروٌ لم يَجُزْ لأنَّ خَبَرَ الأوّل وَقَع مُؤخَّرًا فيجبُ في خَبرِ الآخِرِ أنْ يُقَدَّرَ مؤخرًا طَلَبًا للاستواءِ، وأنتَ إذا أَخَّرْتَهُ فقلتَ: زيدٌ في الدارِ وعَمروٌ الحُجْرَةِ بطلَ لحَذْفِ حَرفِ الجَرِّ مع التفريقِ بينَ المجرورِ وحَرْفِ العطفِ، فكما (^١٤٥) لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ في التأخيرِ لم يَجُز مع التقديمِ.
وكذلك القولُ في إنّ في الدارِ زيدًا والحُجرةِ عَمرًا، وفي قولك: ليسَ بقائمٍ زيدٌ ولا خارجٍ عَمرٌو، لأنّ هذا كُلَّه جارٍ على الرُتْبَةِ فجازَ فيه الحَذْفُ على ما تَقَدّمَ، فإنْ أخّرْتَ الخبرينِ في المسألتين بطلَ فيهما ما بَطَل في الأوّل.
فقولُه: ليسَ بآتيك مَنْهِيُّها ولا قاصِرٍ عنكَ مأمورُها بمنزلة قولك: ليسَ بقائمٍ زيدٌ ولا خارجٍ عمروٌ، وكذلك بيت الجعدي، ولو كانَ تأليفُ البيتين: ليسَ مَنْهِيُّها بآتيكَ ولا قاصِرٍ عنكَ مأمورُها، وليسَ أنْ تَرُدَّها صِحاحًا بمعروفٍ ولا مستنكَرٍ عَقْرُها لم يَجُزْ لِما قَدَّمْنا.
فَحَمْلُ البيتينِ على جوازِ الجَرِّ في الثاني وإنْ كانَ الآخِرُ أجنبيًّا من الأوّلِ خارجٌ على هذا ولا يحتاج إلى ما تأوَّلَهُ سيبويه من جَعْلِ المَنهيِّ كالأمورِ ورَدَّ الضميرِ المضافِ
_________________
(١) النكت ٢٠٠ - ٢٠٤.
(٢) في ط: وكلّ ما لَمْ.
[ ٩٠ ]
إليه المأمورُ عليه، لأنّ المأمورَ لا يكونُ مِن المُنهي بوجهٍ وإنْ كانَ أُمورًا، وكذلك العَقرُ لا يَجوزُ أنْ يُضافَ إلى ضَميرِ الرَدِّ وإنْ كانَ الرَدُّ ملتبسًا بالخَيلِ، لأنّه لا معنى له إذْ ليسَ الرَدُّ بالخَيلِ ولا العَقْر واقِعًا به في التَحصيلِ.
فقَدْ بطلَ مذهَبُ سيبويه وصَحَّ التأويلُ الذي ذَكَرنا في البيتين مع السَماع مِن العربِ ووجودِه في القرآن والشِعر، قال اللهُ ﷿: "واختِلافِ الليلِ والنَهارِ وما [أنزَلَ اللهُ من السماءِ من رِزقٍ فأحْيا به الأرض بعدَ مَوتِها] (^١٤٦)، وتَصريفِ الرياحِ آياتٍ" (^١٤٧) وَآيات، فالرَفعُ على موضع إنَّ، والنَصبُ على المنصوبِ بها (^١٤٨)، وقد حَذَف الجارّ من الخبرِ كما ترى.
ولا يُلْتَفَتُ إلى ما تأوَّلَ (^١٤٩) النحويَون في الآيةِ ممَا ذكرناه في كتاب (النكت) (^١٥٠) عنهم، مع الشاهد القاطع في قوله (^١٥١) ﷿: "للذينَ أحْسَنوا الحُسْنَى وزِيادَةً" (^١٥٢) إلى آخِرِ الآيةِ، ثُمَّ قال: "والذين كَسَبوا السَيئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلها" (^١٥٣)، فالتقديرُ للذين أحسَنوا الحُسْنى وللذين أساءوا جَزاءُ بالسَيئِّة، فَحذَفَ مِن الآخِرِ حَرفَ الجَرِّ لذِكْرِهِ في الأول، فهذا (^١٥٤) كقولك: لزيدٍ عَقْل وعمروٍ أَدَبٌ تريد ولعمرٍو أدَبٌ، وكذلك ما حكاه سيبويه ﵀ مِن قولِ العرب: ما كُلُّ سَوداءَ تَمرةً ولا بيضاءَ شَحْمة (^١٥٥)، أرادَ ولا كُلُّ بَيضاءَ شَحْمَة، فحذَفَ (كُلًّا) من الآخِرِ كما حُذِفَ حَرفُ الجَرِّ في فيما ذكرناه.
_________________
(١) في ط: إلى قوله.
(٢) الجاثية: ٥.
(٣) قرأ حمزة والكسائي بنصب آيات، وقرأ الباقون بالرفع، وهي في المصحف بالرفع. مختصر في شواذ القرآن ١٣٨، الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٢٦٧، التيسير ١٩٨.
(٤) في ط: تأوله.
(٥) ينظر: النكت ٢٠١ - ٢٠٢.
(٦) في ط: وهو قوله.
(٧) يونس: ٢٦.
(٨) يونس: ٢٧.
(٩) في ط: فهكذا قولك.
(١٠) الكتاب ١/ ٣٣.
[ ٩١ ]
وكذلك البيتُ الذي أنشَدَهُ لأبي دُوَاد (^١٥٦) وهو قوله: