قال الله تعالى: (وَيَسأَلونَكَ عَنِ الروح قُل الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبّي وَما أُتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلاَّ قَليلًا) اختلف أهل التفسير في معناها، فقيل هو سؤال عن حقيقة الروح، وجوابه إنه مما استأثر الله بعلمه، وهو الذي صدى صاحب (الكشاف) ونقل عن أبي بريدة لقد مضى النبي ﷺ وما يعلم الروح، قال ابن حجر في تخريجه ذكره الواحدي في الوسيط عن عبد الله بن بريدة، ولم يسق إسناده وإليه ذهب تاج الدين السبكي في (جمع الجوامع) قال: وحقيقة الروح لم يتكلم عليها محمد ﷺ وآله وسلم فنمسك عنها. قال شارحه البدر الزركشي في (تشنيف المسامع) وهذه طريقة المحتاطين كالجنيد ﵁. فإنه قال: الروح شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود لقوله تعالى: (قُل الروح مِن أَمرِ رَبي) وعلى ذلك جرى خلق من أئمة التفسير كالثعالبي وابن عطية، وكذلك الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتابه (عوارف المعارف) فإنه قال: الكلام في الروح صعب المرام والإمساك عن ذلك دليل ذوي الأحلام، وقد عظم الله سبحانه شأن الروح وسجل على الخلق بقلة العلم، فقال: (وَما أُوتيتُم مِنَ العِلمِ إِلا قليلًا) ثم استدل بحديث ابن عباس أنها قالت اليهود للنبي ﷺ: أخبرنا ما الروح وكيف يعذب الروح التي في الجسد وإنما الروح من أمر الله. ولم يكن نزل إليه شيء فلم يجبهم. فأتاه جبريل بهذه الآية. قال: وحيث أمسك رسول الله ﷺ عن الإخبار عن الروح وما هيته بإذن الله ووحيه وهو ﷺ معدن العلم وينبوع الحكمة، كيف يسوغ لغيره الخوض فيه والإشارة إليه لا جرم لما تقاضت النفس الإنسانية المتطلعة إلى الفضول المسفوفة إلى العقول المتحركة بوصفها إلى كل ما أمر بالسكون فيه والمتسورة بحرصها إلى كل تحقيق وتمويه، وأطلقت عنان النظر في مسارح الفكر وخاضت غمرات معرفة ماهية الروح، تاهت في التيه وتنوعت آراؤها فيه، ولم يوجد الاختلاف بين أرباب النقل والعقل في شيء كالإخلاف في ماهية الروح ولو لزمت النفوس حدّها معترفة بعجزها، كان ذلك أجدر بها وأولى كلامه وقد جنح فيه إلى أن الأولى عدم التعرض للكلام فيه لا المنع مطلقا لما سننقله عنه إن شاء الله من بيان مختارة فيه على جهة التأويل لا التفسير. فإنه قال: لا يسوغ التفسير إلا نقلا، وأما التأويل فتمد العقول إليه الباع الطويل. وحكى الطيبي عن الإمام فخر الدين بن الخطيب: أن المختار إنهم سألوه عن الروح وأنه ﵌ أجاب على أحسن وجه بقوله: الروح من أمر ربي، أي موجود محدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره إفادة الحياة للجسد ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء ماهيتها مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها. وتبعه البيضاوي فقال: إنه إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى ﵇ في جواب وما رب العالمين بذكر بعض صفاته.
قال المحقق سراج الدين بعد إيراده لكلام القاضي: ومن طلب الحق بالمجاهدة يلوح له ما يحتذيه منارا إلى عالم المشاهدة وقد أجاب المتكلمون على ماهية الروح عن الأولين المتمسكين في المنع بظاهر الآية بوجوه، أحدها: إن اليهود كانوا قد قالوا إن أجاب عنها فليس بنبي، وإن لم يجب فهو صادق، فلم يجب لأن الله لم يأذن فيه ولا أنزل عليه بيانه في وقته تأكيدا لمعجزته وتصديقا لما تقدم من وصفه في كتبهم لا لأنه لا يمكن الكلام فيه.
[ ١ ]
ثانيها: إنهم سألوا ﷺ سؤال تعجيز وتغليط إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر يقال له الروح، وصنف من الملائكة والقرآن وعيسى بن مريم كما أشار إليها صاحب (الكشاف) في تفسير الأية، فقصد اليهود أن يسألوه فبأي شيء أجابهم، قالوا: لسنا نريد هذا فجاء الجواب كسؤالهم مجملا، فإن أمر ربي يصدق على كل واحد من مسميات الروح، وذكر مثل هذا الوجه الزركشي في (البحر المتوسط قال: وهكذا ذكر صاحب الافتتاح في خلق الإنسان إذ قد دلت قواطع الشرع على تعيينها، فقد يحمل المستدل لفظا احتياطا لنفسه في ميدان النظر بحيث إذا توجه سؤال المعترض على أحد معنيي اللفظ تخلص عنه بتعيين كلامه بالمعنى الآخر.
ثالثها: ما ذهب إليه علماء الطريقة أن المراد بقوله تعالى: (مِن أَمرِ رَبي) كون الروح من عالم الأمر، وهو عالم الغيب وعالم الملكوت ومقابله عالم الخلق الذي هو عالم الشهادة، وعالم الملك، وحملوا قوله تعالى: ألا له الخلق والأمر على العالمين المذكورين، وأراد بعالم الأمر عالم المجردات لأنها وجدت بمجرد الأمر الذي هو قول كن ومقابله الجسمانيات، وقد بالغ الشيخ العارف بالله أبو الحسن الشاذلي ﵁ في نصرة هذا الوجه. فقال: من ظن أن علم الروح وغيره مما ذكر ومما لم يذكر لم يحط به الخاصة من العلماء أهل البدء الأعلى فقد وقع في عظيمين، تجهيل أوليا الله إذ وصفهم بالقصور عن ذلك وظن بربه أنه منعهم وكيف يجوز أن يظن على مخصوص ويسري به التكذيب إلى القدرة والشرع، بقوله عن اليهود أو عن العرب على الخلاف (وَيَسأَلونَكَ عَنِ الروح قُل الروحُ مِن أَمرِ رَبي) فما الدليل لك فيها على جهل الصديقين وأهل خاصة الله العلياء والكشف عن هذا، إن السؤال يقع بهل وكيف ولم ومن فهل يقع السؤال به عن الشيء أموجود هو أو معدوم وقد عرفنا وجوده من قبل، ولولا ذلك ما قال (وَيَسأَلونَكَ عِنِ الروح) فثبت إنهم عرفوا وجوده فبطل هذا وليس فيه سؤال عن الحال كيف هو ولا سؤال عن العلة لم كذا وكذا. ولو كان سؤالهم عن هذين لما قنعوا بقوله (قُل الروحُ مِن أَمرِ رَبي) الآية المراد منه وحاصله أن المقدار الذي ينبغي أن يطلب من يتعرف الروح إنما هو عالمه ومن أين هو، فأوجب الشيخ معرفة مثل هذا عن الروح، وهي كون الحياة والحركة والعقل مثلا تابعا لها، لا معرفة حقيقتها ولكنه لا يتمشى على تقدير صحة حديث ابن عباس المتقدم، إذ هو صريح في السؤال عن الماهية لا من أين هو.