والإشارةُ؛ أي: يُختارُ الإِشارةُ، وهو (١) متى صحَّ إِحْضاره الشَّيءَ في ذهن السامع بواسطةِ الإشارةِ الحسِّيَّةِ إليه؛ لا الإشارةِ العَقْليَّة (٢) -كما في الموصولاتِ- لوجوهٍ:
الأَوَّل: تعيُّنه؛ أي: اسم الإشارة طريقًا إلى إحضاره (٣)،
بأن لا يكون لكَ أو لسامعك طريقٌ إليه سواها (٤).
الثاني: العنايةُ بكمالِ التَمييزِ، إذ التَّمييزُ والتَّعيينُ بالحسِّ أَكملُ؛ كقوله (٥):
_________________
(١) هكذا في الأَصل، ب؛ بالتَّذكير؛ على اعتبار مضاف محذوف تقديره: "اسم" أعني: اسم الإشارة. وفي أ: "وهي" بالتّأنيث. والأول أولى لوجود ما يدل على المحذوف قبل الضَّمير؛ وهو قوله: "يختار"، وبعده؛ وهو قوله: "تعينه" وكلاهما للمذكّر. أما تأنيث الضمير في المفتاح فمردّه إلى أنّ الضَّمير يعود إلى مؤنّث في قوله: "وأما الحالة".
(٢) وذلك لأن الأَصل في "أسماء الإشارة أَنْ يشار بها إلى مشاهد محسوس قريبٍ أو بعيد؛ فإن أشير بها إلى محسوس غير مشاهد، أو إلى ما يستحيل إحساسه ومشاهدته؛ فلتصيِّره كالمشاهد، وتنزيل الإشارة العقلية منزلة الحسية" المطوّل؛ للتفتازاني: (٧٧).
(٣) و(٤) الضمير فيهما يعود إلى الشَّيء المراد إحضاره في ذهن السامع. ومثاله: قولك عمن لا يمكن إحضاره بطرق التَّعريف الأخرى: "هذا رجل عالم؛ فاعرفه! " أو "هذا لا أعرفه؛ فمن هو؟ ".
(٤) البيتان من الكامل. وقد وردا مَنْسوبين لأكثر من شاعر؛ فقيل: إنهما لرجل يمدح حاتمًا. (عروس الأفراح للسّبكي -ضمن شروح التلخيص-: ١/ ٣١٣، =
[ ١ / ٣٤٢ ]
وإذَا تَأَمَّلَ شَخْصَ ضَيْفٍ مُقْبلٍ مُتَسَرْبِلٍ سِربال (١) لَيْلٍ أَغْبَر
أوما (٢) إِلى الكَوْمَاءِ (٣): هذا طَارِقٌ نَحَرَتْنِيَ الأَعْدَاءُ إن لَمْ تُنْحَر!
فإنّه لَمَّا أراد أن يُميِّز المشارَ إليه أكملَ تمييزٍ ذكرَ اسمَ الإشارةِ؛ وقال: "هذا طارقٌ".
الثّالثُ: التَّنبيهُ على غباوةِ السَّامع وادعاء أن الشَّيءَ لا يتميَّز عنده إلَّا بالحسِّ؛ ولا يَفهم إلا (٤) بالإشارة الحسية؛ كقولِ الفرزدقِ (٥) في
_________________
(١) = ومعاهد التّنصيص: ١/ ١٠٨). وقيل: إنهما لحسَّان بن ثابت - ﵁ -: (غاية الأرب: ٣/ ٢٠٣)، وهما في ديوانه ضمن الشِّعر المنسوب له: (٣٨٧). وقيل: إنهما لابن المولى؛ محمَّد بن عبد الله بن مسلم: (سمط اللآلي: ١/ ١٨٢). وقيل: إنهما للعلويِّ صاحبِ الزّنج: (مجموعة المعاني: ٣٤). وقيل: إنهما لأعرابي: (زهر الآداب: ٢/ ٨٤٥)، وقيل: إنهما لبعض الإسلاميين: (ديوان المعاني: ١/ ٤٧). والبيتان من غير نسبة في كتاب الأمالي للقالي: (١/ ٤٥) برواية: "متسربل أثواب عيش أغبر". واستشهد بهما في المفتاح: (١٨٣)، والمصباح: (١٧)، والإيضاح: (٢/ ١٨).
(٢) مُتسربل السِّربال: لابس القميص. ينظر: اللِّسان: (سربل): (١١/ ٣٣٥).
(٣) أَوْ ما: مخففة: (أومأ)؟ بمعنى: أشار. ينظر: اللّسان: (ومى): (١٥/ ٤١٥).
(٤) الكوماءُ: النَّاقةُ العظيمة السِّنام. ينظر: اللِّسان: (كوم): (١٢/ ٥٢٩).
(٥) أداة الاستثناء: "إلا" ساقطة من أ؛ ومستدركة في الحاشية.
(٦) هو أبو فراس؛ همّام بن غالب بن صَعْصَة التَّميميّ البصريّ، اشتهر بالفرزدق. شاعر ذا أثر عظّيم في اللّغة؛ قيل عنه: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب. كان شريفا في قومه، عزيزا في نفسِه. له ديون شعر، توفّي في بادية البصرة سنة ١١٠ هـ. =
[ ١ / ٣٤٣ ]
خطابه جَريرًا (١):
أولئِكَ آبائِي، فَجِئْني بِمثْلِهِم، إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامعُ! (٢)
الرّابع: التَّهكُّمُ؛ أي: الاستهزاء أو التَّمَسْخُر (٣)، كما تقول (٤) للأعمى: "هذا هذا"؛ وليس ثَمةَ شيء يُشارُ إليهِ.
_________________
(١) = ينظر في ترجمته: طبقات ابن سلّام: (٢/ ٢٩٨)، الشّعر والشعراء؛ لابن قتيبة: (١١١)، الأغاني: (٥/ ٢٢١)، معجم المرزباني: (٤١١)، سير أعلام النبلاء: (٤/ ٥٩٠).
(٢) هو أبو حرزة؛ جرير بن عطيّة بن الخطفي التّميميّ البصريّ. شاعر مطبوع، ولد باليمامة، ونشأ بالبادية؛ فانطلق لسانُه، وتفتقت موهبتُه، ثم ارتحل إلى البصرة ينتجع الكرماء، ويمدح الكبراء؛ فشبّت بينه وبين الفرزدق والأخطل نارُ الهجاء. توفّي سنة ١١٠ هـ ودفن باليمامة. ينظر في ترجمته: طبقات ابن سلّام: (٢/ ٢٩٧)، والشّعر والشعراء: (١٠٨)، وفيات الأعيان: (١/ ٣٠١ - ٣٠٧)، وسير أعلام النُّبلاء: (٤/ ٥٩٠ - ٥٩١).
(٣) البيتُ من الطّويل. وهو في ديوان الشّاعر: (٢/ ٤٢) ضمن قصيدة طويلة يهجو فيها جريرا ويفتخر بنسبه. وهو -أيضًا- في النقائض: (٢/ ٦٩٩)، والإشارات: (١٨٤). واستُشْهد به في المفتاح: (١٨٤)، والمصباح: (١٨)، والإيضاح: (٢/ ١٩)، والتّبيان: (٢٤٤).
(٤) في ب: "والتَّمسخر" بالعطف بالواو. وحرف العطف والكلمة بعده سقطا من: أ.
(٥) في أ: "كما يقال".
[ ١ / ٣٤٤ ]
الخامسُ: بيان حالهِ في القربِ والبعدِ والتَّوسُّطِ بـ "هذا" و"ذلك" و"ذاك" فإن "هذا" يشار به إلى القَريب، و"ذلك" إلى البعيد، و"ذاك" إلى المتوسِّط. وكأنه (١) بحسبِ زيادة الحروفِ يزداد البُعدُ؛ إذ به كمال التمييز [إذ ببيانِ حالهِ من التَّوسُّطِ وطَرَفيْه يحصل كمال التّمييز] (٢) المطلوب من الإشارة، نحو: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
وقد يعتبرُ القربُ في الرُّتبةِ تَحْقيرًا (٤)، وذلك فيما يُشار إليه إشارة القريب، ويُراد قربه في المرتبةِ -لا القرب المكاني- وانحطاطُه فيها، تحقيرًا للمشار إليه واستِرْذالًا له؛ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٥)، وكما يحكيه القائل عن امرأته (٦):
_________________
(١) في أ: "فكأنه". وفي ب: "وكانت" ولا وجه له.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من الأَصل، ومثبت من: أ، ب. ولعلّه سقط من انتقال النَّظر.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٥.
(٤) هكذا وردت العبارة في ف. وفي ب: "وقد يُعتبر القربُ والبعدُ تحقيرًا".
(٥) سورة الفرقان، من الآية: ٤١، وقبل الجزء المستشهد به: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾.
(٦) في ب: "امرأة". والبيتُ من الطويل؛ وقد ورد منسوبًا إلى الهذلول بن كعب العنبريّ في ديوان الحماسة شرح التّبريزي: (٢/ ٢٢٨) برواية: "تقول وصكت"وفي شرح المرزوقيّ: (٢/ ٦٩٦) برواية: "تقول ودقَّتْ صدرها". كما ورد منسوبًا إلى أعرابي من بن سعد بن زيد بن مناة بن تيميم في قول أبي =
[ ١ / ٣٤٥ ]
تَقُولُ وَدَقَّتْ نَحْرَهَا بِيَمِينِها أبعْلِي هَذَا بالرَّحى الْمُتَقَاعِسُ؟! (١).
أَوْ البُعْدُ [أي] (٢) وقد يُعتبر البعدُ فيها -في الرُّتبةِ- تعظيمًا، وذلك فيما يُشارُ إليه إشارة البعيد، ويُرادُ بعدُه في المرتبة (٣) وارتفاعُه فيها؛ كأنه بلغ الدَّرجَةَ العليا، بحيثُ لا يُدرك قُربه، نحو: قوله -تعالى-:
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٤) ذهابًا إلى بُعدِه درجةً، فإن الكتابَ لَمَّا كان قريبًا وأُشير إليه إشارةَ البعيدِ عُلِم أنَّه لا يريدُ البُعدَ المكاني، بل البُعدَ الرُّتبيَّ.
_________________
(١) = العبّاس، وإلى ابن محلم السعدي في قول أبي الحسن، في الكامل في اللغة والأدب: (١/ ٣٥). برواية: "تقول وصكت صدرها". وإلى الأخير نسَبهُ صاحبُ العقد الفريد: (١/ ١٠٩) برواية: "تقول وصكت وجهها". وبرواية المتن استشهد بالبيت في المفتاح: (١٨٤)، والإيضاح: (٢/ ٢٠)، والتّبيان: (٢٤٥).
(٢) المُتقاعِسُ: الذي يدخل ظهره ويخرج صدره، ضدّ الأحدب. ينظر: اللّسان: (قعس): (٦/ ١٧٧).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من: أ، وعلى مثله درج الشارح.
(٤) في الأَصل: "الرتبة" والصَّواب من: أ، ب، وهو الموافق لا يقابله قبله؛ وهو قوله: "ويراد قربه في المرتبة".
(٥) سورة البقرة، الآية: ١، وبعض الآية: ٢.
[ ١ / ٣٤٦ ]
أَوْ خلافه (١) قد يُعتبر البُعدُ في الرُّتبة بخلاف التَّعظيم، أي (٢):
التَّحقير؛ كما يُقال: ذلك اللعين، وهو حاضرٌ تبعيدًا له عن ساحة العزَّةِ لاسْتِرْذَالِه. هذا كما هو في "المفتاح" (٣)؛ لكن قال المصنِّف بحمله -أيضًا- على التَّعظيم (٤)؛ أي: ذلك اللعينُ العظيمُ المرتبة الرَّفيعها (٥) في اللعن.
قوله: "أوْ خلافه" بالنَّصبِ عطفٌ على قوله: "تعظيمًا"؛ ولا يجبُ في معطوفِ المفعولِ له التَّنكيرُ؛ بل في نفس المفعولِ له.
_________________
(١) هكذا في الأصل. وفي أ، زيادة: "أو" والمعنى تام بدونها. وفي ب: "أي" وقد وردت "أي" في جميع النّسخ مرّة أخرى في نفس الفقرة عندما قال الشّارح عقب ذلك بقليل: "أي: التحقير" وليس من عادة الشَّارح تكرارها في فقرة واحدة.
(٢) في ب: "أو" وعليه تندرجُ نكتٌ أخرى خلاف التَّعظيم والتَّحقير، والمثال بعده يضعف ذلك.
(٣) ينظر ص (١٨٤).
(٤) هذا القولُ من جملة ما نقلَه الكرمانيُّ عن شيخه الإيجي، ولم أعثر عليه في مؤلّفات المصنّف التي بين يديّ.
(٥) هكذا في الأصل، ب. وفي أ: "الرّفيع".
[ ١ / ٣٤٧ ]