فيهما؛ أي: التَّعميم والتَّخصيص الزَّائدين على مدلولِ اللَّامِ وجوهرِ اللَّفظِ إلى القرينةِ (١) من مقتضى المُقامِ وغيره.
والحاصلُ: أَنَّ اللَّامَ لَمَّا كان لتعريفِ ما هو معلومٌ عند السَّامع والإشارةِ إليه؛ فإن كان عِلْمُ المخاطبِ بمطلق الحقيقةِ فهو لتعريف الجنس، وإن كان علمُه بها بحسبِ العهدِ؛ فإن كان بالبعضِ (٢) فهو لتعريفِ العهد لفظيًّا أَوْ ذهنيًّا، وإن كان بالكلِّ فهو لتعريفِ الاستغراقِ. فتَغَيُّرُه بحسبِ تغيُّر علم المخاطَبِ ومُقْتضى المقام. فعُلِم أنَّ أصل وضْعِه للتَّعريفِ؛ لكن بكلِّ اعتبارٍ له تعريفٌ خاصٌّ؛ وإشارةٌ خاصّةٌ. وأمّا في تعريف الجنسِ فلا يحتاج إلى قرينةٍ؛ لأنَّ جوهرَ اللَّفظِ مفيدٌ له.
والمضافُ لأمورٍ؛ أي: يُخْتار (٣) الْمُضاف لوجوهِ:
الأوَّلُ: أَنْ لا طريق؛ أي: لا يكون للمُتَكلِّم إلَى إحضاره في ذِهن السَّامع طريقٌ سواها؛ سوى الإضافةِ؛ كقولك: "غلامُ زيدٍ" إن لم يكن عندك أَوْ عند سامعك (٤) منه شيءٌ سِواه.
_________________
(١) هكذا في الأصل، وبقيّة النّسخ. وفي ف: "قرينة [١٥ / أ].
(٢) في الأصل: "البعض" والصَّواب من: أ، ب، وهو الموافق للسّياق بعده: "وإن كان بالكلِّ".
(٣) في أ: "ويختار".
(٤) في أزيادة: "أو عندهما" ولم ألتفت إليها؛ لعدم إثبات المفتاح لها، ولتنافر ضمير المثنّى الغائب فيها مع السِّياق؛ إذ كان الأَوْلَى أن تساق بضمير الخاطب: "أو =
[ ١ / ٣٥١ ]
الثَّاني: تعذُّرُ التَّعدادِ (١) بالامتناعِ العاديِّ؛ كَكَون عَدَد المسندِ إليه غير محصُور، أَوْ بغيره؛ نحو:
بَنُو مَطَرٍ يومَ اللِّقَاءِ كأَنَّهُمْ أُسُودٌ لَهَا فِي غِيْل خَفَّانَ أَشْبُلُ (٢).
فإنَّه لَمَّا كان تعدادُ بني مطر (٣) مُتعذّرًا لكونهم غير محصورين اخْتارَ الإضافة.
الغيلُ -بالكسر-: الأَجَمَة (٤) ومأوى الأسدِ.
وخفَّانُ (٥): مأسدةٌ.
_________________
(١) = عندكما" اتباعًا لما قبلها، ولعدم وجود فائدة ترجّح الالتفات في هذا الموضع. وكلّ ذلك ينفي أن تكون تلك الزّيادة من الشَّارح. والله أعلم.
(٢) في الأصل: "التّعدد". والصَّواب من: أ، ب، ف.
(٣) البيتُ من الطَّويل. وقائلُه مروان بن أبي حفصة الشَّاعر، يمدح معن بن زائدة الشّيبانيّ، وبنو مطر قومه بطن من شيبان. والبيت في شعر الشَّاعر ص: (٨٨)، طبقات ابن المعتز ص: (٤٣)، الأغاني: (٥/ ٣٠٤)، والعمدة في صناعة الشّعر ونقده؛ لابن رشيق القيروانيّ: (٣٥٣/ ٢)، تحرير التَّحبير في صناعة الشِّعر والنَّثر وبيان إعجاز القرآن؛ لابن أبي الإِصبع: (٩٥). واستشهد به: المفتاح: (١٨٦)، والمصباح: (٢٠)، والإيضاح: (٢/ ٣٤)، والتّبيان في غير هذا الموضع: (٢٣٣). والشَّاهد في قوله: "بنو مطر"؛ حيث أغنت الإضافة عن تعداد متعذّر.
(٤) في أ، ب: "بني المطر".
(٥) الأَجَمَة: الشَّجر الكثيرُ الملتفُّ. اللسان: (أجم): (١٢/ ٨).
(٦) خَفَّان -بفتح أَوَّله وتشديد ثانية-: "موضع قرب الكوفة يسلكه الحاجّ =
[ ١ / ٣٥٢ ]
وأشبلُ: جمع شبلٍ (١).
أَوْ تعسُّرُه، كقوله (٢):
قَومِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ (٣) أَخِي فإذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمِي
فإنَّ قومَه إذا لم يكونوا غيرَ محصورين لم يتعذَّر التَّعداد؛ لكنَه مُتعسِّرٌ لكَثْرته. ويجوزُ كونه للمَذَمَّةِ -أيضًا-.
أَوْ إِمْلالُه؛ كقوله (٤):
_________________
(١) = أحيانًا، وهو مأسدة". معجم البلدان: (٢/ ٣٧٩). وقيل: "موضع قَبل اليمامة؛ أشبُّ الغياض، كثير الأُسد". معجم ما استعجم: (٢/ ٥٠٥).
(٢) والشِّبْلُ: ولد الأسد إذا أدرك الصّيد. اللسان: (شبل): (١١/ ٣٥٢). والمشهور أنّ ذوي الشّبل من الأسود أشدّ مقاتلة ومقابلة ومدافعة من غيرها.
(٣) في أ: "كقولهم" وهو تحريف بالزّيادة. والبيت من الكامل. وقائله هو الحارث بن وعْلة الجرميّ الذّهليّ. شاعر جاهليّ. والبيتُ في الحماسة: (١/ ١١٨)، وعيون الأخبار: (٣/ ٨٨)، سمط الّلآلئ: (١/ ٥٨٤)، المؤتلف والمختلف: (٣٠٣)، وشرح الحماسة للمرزوقيّ: (١/ ٢٠٤)، والتّبريزي: (١/ ١٠٧)، ودلائل الإعجاز: (٢٥٣). واستُشهد به في المفتاح: (١٨٦)، والإيضاح: (٢/ ٣٤). والشَّاهد في قوله: "قومي" حيتّ أغنت الإضافة عن تعداد متعسّر.
(٤) أميم: منادى مرخّم؛ وأصله أميمة؛ وهي التي كانت تحضّ الشَّاعر على الأخذ بثأر أخيه.
(٥) البيتُ من الطَّويل. وقائله: القتّال الكلابيُّ. ديوانه: (٥٠)، الكتاب: (٣/ ٥٦٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النّحويّين: البصريّين والكوفيّين؛ للأنباري: (٢/ ٧٧٢)، إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي: (١/ ٤٤٧)، واستشهد به في المفتاح: (١٨٧). =
[ ١ / ٣٥٣ ]
قَبَائِلُنا سَبْعٌ وأنْتُم ثَلاثةٌ ولَلسَّبْعُ (١) خَيْرٌ مِن ثلاثٍ وأكْثَرُ.
الثَّالثُ: مجازٌ لطيفٌ (٢)، أي: لكون الإضافةِ متضمِّنة لاعتبارٍ لطيفٍ مجازيٍّ، كقوله (٣):
إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ، -أي: الحَمْقَاءِ- لاحَ بسُحْرةٍ (٤)
سُهيْلٌ (٥) أَذَاعتْ (٦) غَزْلَها في القَرائِبِ
والاعتبارُ اللَّطيفُ المجازيُّ هو الإضافةُ لأَدنى مُلابسةٍ، وهو ظهورُ حُمْقِها عند طلوعِه، فإنَّ الكَيِّسَةَ (٧) من النِّساءِ تَسْتعدُّ للشتاءِ صَيْفًا
_________________
(١) = والشَّاهد في قوله: "قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وأنتُم ثَلاثَةٌ" حيث عدل عن التَّعداد خشية الإملال.
(٢) في أ: "والسّبع".
(٣) اللَّطيف: ما يدقُّ إدراكه. ينظر: اللّسان: (لطف): (٩/ ٣١٦).
(٤) البيتُ من الطَّويل. ولا يعلم له قائل. وقد ورد الشّطر الأوّل منه في المفضل: (١٢١)، وأتَمَّه النعسانيّ في شرح أَبْيات المفصّل وقال: (١٢١): "لم أرَ مَن ذكره قائلَه". والبيتُ برواية المتن في المقرّب؛ لابن عصفور: (١/ ٢١٣)، والمفتاح: (١٨٧)، والمصباح: (٢١). وبرواية: "الغرائب" في عروس الأفراح: (١/ ٣٤٧) ضمن شروح التّلخيص. وخزانة الاُدب للبغدادي: (١/ ٤٨٧).
(٥) لاح بسُحرةٍ: أي ظهر عند السَّحَر. وهو لا يطلع سحرًا إلَّا عند الشّتاء.
(٦) سُهيل: بدل من كوكب، أو عطف بيان، وهو اسم لنجم معروف. ينظر: اللِّسان: (سهل): (١١/ ٣٥٠).
(٧) أذاعت: نشرت. ينظر: اللِّسان: (ذيع): (٨/ ٩٩).
(٨) الكيّسة: العاقلة. اللِّسان: (كيس): (٦/ ٢٠١).
[ ١ / ٣٥٤ ]
فَتَسْتريح عند طلوعه، والحَمْقَاء لعدم استعدادها إذا أخذها البردُ بطلوعه أخذت تُفَرِّقُ قُطْنَهَا وتُذيعُه في نساءِ القرائب؛ ليَغْزِلن لأجلها.
والغزلُ؛ بمعنى: المغزول، وأَراد به: القطنَ مجازًا باعتبارِ المآلِ.
الرّابعُ: نوعُ تعظيمٍ للمضاف؛ نحو: عبدُ الخليفةِ رَكِبَ (١)، أَوْ المضافِ إليه؛ نحو: "عبدي حَضَر" (٢)، أَوْ غيرهما، نحو: "عبدُ السُّلطان عندي"؛ فتعظم شأنَك لا شأنَ المُضافِ ولا شأنَ المضافِ إليه (٣).
أَوْ إهانةٍ، أي: نوع إهانةٍ للمُضافِ؛ كـ "غُلامِ الحَجَّام جاء"، أَوْ للمُضَافِ إليه، كـ "عبد العالمً سىَرَقَ"؛ مُحقِّرًا لشأن (٤) العالم بعِلَّةِ سُوء سِياسَته له، أَوْ لِغيرهما؛ نحو: "ولد الحَجَّام رفيقُ فُلانٍ".
_________________
(١) فَتُعظم شأن العبد باعتبار أنَّ مالكه الخليفة.
(٢) فتعظم شأنك باعتبار أَنَّك تملك عبدًا.
(٣) على أَنَّ الأَوْلَى بالمثال الأخير -وإن كان صادقًا في عدم وقوع التّعظيم فيه على المضاف أو المضاف إليه- أن يكون هكذا: "عبد السّلطان عند فلان"، وذلك لما يلي: أ - دفعًا لِلَّبس الَّذي قَدْ يَنْشأ عن المثال الثاني: "عبدي حضر"؛ إذ أَنَّ التَّعظيم فيه مُنْصبٌّ على المتكلِّم -أيضًا-. ب- انسجامًا مع المثال المقابل في الضِّدّ "الإهانة" إذ أنَّ الإهانة فيه لم توقع على المتكلِّم بل على غيره: "ولَدُ الحجَّام رفيقُ فلان". جـ - موافقةً للمفتاح واقتداءً به حيث إِن السَّكَّاكيَّ لم يُوقع التَّعظيم على المتكلِّم كما فعل الشَّارح، وإنَّما أوقعه على الغير؛ ومثاله (ص ١٨٧): "عبد الخليفة عند فلان" وقد درج المُصنِّف والشَّارح على الاقتداء به.
(٤) في ب: "شأن".
[ ١ / ٣٥٥ ]