النَّوعُ الثَّاني في الرَّبطِ والتَّعلُّق (١)، وهو لا يَخْلو إمَّا أن يكونَ بين الجملتين، [أولًا يكون بين الجملتين] (٢)؛ وحينئذٍ إمّا بين المفردين (٣) أو بين مفردٍ وجملة (٤).
أَمَّا الثَّاني -وهو: أن لا يكون بين الجملتين- (٥)؛ فالتعلُّقُ (٦) والرَّبطُ بينهما لا يكون إلَّا بالحَمْل (٧) والإسناد، ثمَّ (٨) الحملُ قد يكونُ وحده؛ أي: مُجرّدًا؛ كما قال: إمَّا بين المفردين (٩) أو مفردٍ وجملةٍ؛ فبالحملِ وحدَه.
أو مؤكَّدًا؛ أي: وقد لا يكون مُجرَّدًا؛ وذلك إمَّا أن يكونَ مؤكَّدًا بالفصل -أي: بضمير الفَصل-؛ نحو: (زيدٌ هو القائِمُ) (١٠) أو (هو قامَ)؛ أو (هو أحسنُ من بكرٍ) أو (خيرٌ منه).
_________________
(١) في أ: "التّعليق". والمراد بالرّبط والتَّعلُّق: اتّصال أحد طرفي الكلام من المحكوم عليه والمحكوم به بالآخر.
(٢) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ولا بدّ منه لإقامة السِّياق.
(٣) نحو: "زيد منطلق".
(٤) نحو: "زيد أبوه منطلق".
(٥) عبارة: "وحينئذٍ. . . بين الجملتين" ساقطةٌ من ب.
(٦) في أ: "فالتّعليق".
(٧) الحمل هو الحكم بحصول أحد الطّرفين للآخر.
(٨) في ب "و" بالعطف بالواو.
(٩) هكذا -أيضًا- في أ، ف. وفي ب: "مفردين".
(١٠) في الأصل: "العالم". والصَّواب من أ، ب، ف. ويدلّ عليه ما بعده.
[ ١ / ٤٤٣ ]
ويُفيد: أن مَا دخلَ عليه خبرٌ لا صفةٌ؛ ولهذا سُمِّي ضمير الفصل؛ لأنَّه يفصلُ بين كونِه خبرًا وصفةً؛ إذ لا يجوزُ الفصلُ بين الصِّفةِ والموصوفِ.
والحاصلُ: أن ضميرَ الفصلِ ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مطابقٌ للمبتدأ يتوسَّطُ بينه وبين الخبرِ إذا كان معرفةً؛ نحو: (زيدٌ هو القائم)؛ إذ لا يلتبس بأنَّه صفةٌ إذا كان نكرةً؛ نحو: (زيدٌ قائمٌ). أو كانَ فعلًا؛ نحو: (زيدٌ هو قامَ) أو (يقومُ)، أو كان للتَّفضيل؛ إمَّا بصيغةِ أفعل؛ نحو: (زيدٌ هو أحسنُ من بكرٍ)، وإمَّا بِغيرها؛ نحو: (زيدٌ هو خيرٌ منه).
أمَّا في الفعلِ فلأنَّه يُشبه المعرفةَ من حيثُ اللَّفظُ؛ لامتناع دُخولِ اللَّام عليه. ولا يَرِدُ (١): (غلام رجل)؛ لأنَّ الامتناع في الفعل ذاتيٌّ (٢)، وفيه عرضيٌّ (٣)؛ فلا اعتداد بهِ (٤). وأما في صيغة التَّفضيل (٥)؛ فلأنَّها تُشبَّه بالمعرفةِ من حيثُ المعنى؛ لأنَّ معنى قولك: (أفضلُ من كذا): الأفضلُ؛ باعتبار أفضليّةٍ (٦) معهودةٍ؛ فالتَّعريفُ يمسُّه مَسًّا قويًّا (٧).
_________________
(١) في ب: "ويرد" وهو خطأ ظاهر.
(٢) أي: امتناع دخول الَّلام على الفعل غير متحقّق أصلًا؛ إذ لا يجوز دخولها مطلقًا.
(٣) لأن امتناع دخول الّلام على (غلام) عارض للإضافة؛ إذ لا يجوز الجمع بينهما.
(٤) في ب: "فيه".
(٥) في الأصل: "التَّفضيليّ". والصَّواب من أ، ب.
(٦) في الأصل: "أفضليّته" وهو تحريف بالزِّيادة. والصَّواب من أ، ب.
(٧) في الأصل: "قربا" وفيه تصحيف وتحريف. والصَّواب من أ، ب.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وقد (١) يُقصدُ به (٢) الحَصْرُ في المبتدأ وتخصيصهِ به، وفيه نوعُ مخالفةٍ لما (٣) في "المفتاح"، لأنَّه قال (٤): "وأمَّا الحالةُ الَّتي تقتضي الفصلَ فهي: إذا كان المرادُ تخصيصَه للمسندِ بالمسند إليه"؛ وهو يدلُّ على أنَّه كُلَّما أورد ضميرَ الفصل قصد به الحصرَ والتَّخصيصَ. وعبارةُ الأستاذِ أسدُّ (٥)؛ لعدم وُجوبِ (٦) كونهِ للحصرِ (٧).
_________________
(١) "قد" -هنا- للتقليل.
(٢) "به" ساقطة من ب، والضمير في "به" عائدٌ إلى ضمير الفصل.
(٣) في أزيادة: "قال"، والسِّياق لا يستدعيها وبخاصَّة مع ورودها فيما بعد.
(٤) "المفتاح": (١٩١).
(٥) أي: أَصْوب. ينظر: اللِّسان: (سدد): (٣/ ٢٠٧، ٢٠٨).
(٦) في الأصل: "وجود" وهو تحريف. والصَّواب من: أ، ب.
(٧) ردَّ طاش كبرى زاده قولَ الكرمانيّ: "وفيه نوع مخالفة لما في المفتاح. . ." وقال (شرح الفوائد / ١١٥): "وأقول لا دلالة في المفتاح على هذا الوجوب؛ بل فيه ما يدلّ على خلافه؛ حيث قال: (وأمّا الحالة الّتي تقتضي الفصل إذا كان المراد التّخصيص) إذ لا يلزم من إيراد الضمير عند إرادة الحصر أن لا ينفك عن الحصر؛ كما لا لجزم من تقديم المسند إليه عند إرادة الحصر أن لا يفيد التَّقديم غير ذلك. وإنّما لم يذكر السَّكَّاكيّ إفادة الضّمير الفصل بين الخبر والنعت لكونه مذكورًا في علم النّحو، وإن أمكن البحث عنه في المعاني على قياس ما مرّ في أسماء الإشارة أو لكون اسمه منبئًا عن إفادة الفصل فلا حاجة لذكره". وفي نظري أن هذا الرأي هو الأرجح؛ إذ لا ينتظر من السَّكَّاكيّ -مع موفور علمه ودقة فهمه- أن يقصر ضمير الفصل على الحصر؛ وبخاصّة أنّ الحصر بالضّمير لا يرد=
[ ١ / ٤٤٥ ]
أو داخلًا عليهِ فعلٌ؛ عطفٌ على قوله: "مؤكدًا" (١)؛ أي: أو لا يكون (٢) مؤكَّدًا. وحينئذٍ إمَّا أن يكونَ داخلًا عليه فعلٌ؛ وهو إمَّا أن (٣) يفيد حالًا للحكم؛ من دوام، أو حدوثٍ (٤)، أو انتقالٍ إليه عن غيره، أو نفيٍ؛ نحو: "لا زال" (٥)؛ مثال للدَّوامِ، و"كان" للحدُوثِ. و"صارَ" للانتقال، و"ليس" للنَّفي، أو قُربٍ؛ عطفٌ على دوامٍ؛ وذلك القُربُ والدُّنوُّ للخبر [إمَّا] (٦) رجاءً؛ نحو: (عسى)، أو حُصُولًا؛ نحو (٧) (كاد).
أو لاعتقادك (٨)؛ عطفٌ على قوله: "للحكم"؛ أي: أو يفيدُ
_________________
(١) = إلَّا نادرًا وفي النَّزر اليسير من الأحوال. ثم كيف لنا أن نجمع بين ما أورده في قسم النّحو ص: (١١٥) ممّا يدل على أنّ ضمير الفصل يؤتى به للفصل بين الخبر والنّعت وبين ما أورده هنا من إفادة الحصر؛ إن قصر عليه؟!. وكلا القولين في كتاب واحد!.
(٢) فيكون المعنى: الرّبط بين المفردين أو بين الفرد والجملة، إمّا أن يكون بالحمل مجردًا، أولًا؛ فإن لم يكن مجردًا؛ فإمّا بالحمل مؤكّدًا بضمير الفصل، أو بالحمل داخلًا عليه فعل.
(٣) في الأصل: "يكون". والصَّواب من أ، ب.
(٤) " أن" ساقطة من: أ.
(٥) في الأصل: "حَدَث". والمثبت من أ، ب، ف.
(٦) في أ: "ما زال".
(٧) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(٨) في أ، ب وردت كلمة: "نحو" ضمن كلام المصنِّفِ، وليست في ف.
(٩) ويلحظ أنّه أعاد حرف الجرّ مع صحّة العطف بدون إعادته؛ لئلّا يتوهّم كونه =
[ ١ / ٤٤٦ ]
حالًا، لاعتقادك لي [أي للحكم] (١)؛ من قُوَّةٍ أَوْ ضعفٍ (٢)، نحو (علمتُ)؛ مثالٌ للقوّة، و(ظننتُ) للضَّعف.
أو حرفٌ، عطفٌ على "فعل"، أي: أو أن يكونَ داخلًا عليه حرفٌ يُفيدُ حالًا للحكم، وهو لا يفيد حالًا للاعتقاد بالاستقراء من كونه، أي: الحكم محقّقًا، كـ (إنّ) - بالكسر، أو مُشارًا إليه كـ (أَن) - بالفتح، أو مُشبَّهًا كـ (كأنّ)، أو مرجوًّا كـ (لعلّ)، أو متمنًّى (٣) كـ (ليت)، وهنا (٤) في بعض النُّسخ. أو منفيًّا [بلا عموم] (٥) كـ (ما)، ولا المشبَّهتين بليس أو مع عمومٍ، أي: منفيًّا مع عموم كـ (لا) الجنسيّة؛ أي: كـ (لا) الَّتي لنفي الجنسِ، فإنّها تُفيدُ النَّفيَ والتَّعميمَ كليهما (٦).
_________________
(١) = معطوفًا على "دوام".
(٢) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من أ، وعليه درج الشَّارح.
(٣) جملة: "من قوّة أو ضعفٍ" وردت ضمن كلام الشَّارح في الأصل.
(٤) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "متمنيًّا".
(٥) في ب: "وهذه". والمشار إليه باسم الإشارة هو ما وردَ في آخر عبارة المصنّف؛ من كون الحكم متمنًّى. وإنَّما أُهمل ذكره في بعض النُّسخ لأنّ بحث المصنّف الآن في الخبر، وما دخله التَّمنّي ليس بخبر بل إنشاء.
(٦) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ف، ومثبت من أ، ب. ويدلّ عليه قوله بعدَه: "أو مع عموم".
(٧) في أ: "كلاهما"، خلافًا للمشهور عند العرب؛ حيث جعل المثنّى وما أُلحق به بالألف مطلقًا: رفعا، ونصبًا، وجرًّا، وهي لغة كنانة، وبني الحارث، وبني العنبر، وبني هجيم، وبطون من ربيعة، وزبيد، وخثعم، وهمدان، وعذرة.
[ ١ / ٤٤٧ ]