لَمْ يَفْتَأ شيخُنا الكرمانيُّ -﵀- يتضلعُ صنوفَ العلومِ والمعارف ويعبُّ من مَعينها الصَّافي حتَّى ارتوى وفَاضَ خيرُه عَلى غيره؛ فكان له تلاميذ أَبْرار يجتمعون إليه ويُفِيدون منه.
ويَذْكُرُ المترجمون له -في هذا الصَّددِ- أنَّه استوطنَ في نهايةِ تَطوافه بغدادَ، "وتصدَّى فيها لنَشْر العلم مدَّةَ ثلاثين سنة" (١).
ومع أَنها مدَّة تكفي لتَخريج أجيالٍ يُعجز المرءَ حصرُهُم -وهم بلا شك كذلك-، إلا أنّ ما حفظته المصادرُ لنا منهم عدد يسير ممن شُهِر فيما بعدُ، جَرْيًا عَلى عادة تلك المصادرِ الّتي لا تُنوّه من قربٍ أَوْ بعدٍ إلّا بأولئك الأَفْذاذ الذين فَرَضوا أَنْفسهم عليها.
ومنهم:
١ - ابنه يحيى: تقيُّ الدِّين، المعروف بابن الكِرمانيّ (٢).
ويعدُّ أبرزَ تلاميذِه، وأكثرهم إِفادةً منه، لملازمته له جل وقتهِ، يَقُولُ السَّخاويُّ (٣): "ولكن جلّ انتفاعه إِنَّما كان بوالدِه؛ فإِنَّه لازَمه سفرًا
_________________
(١) ينظر: الدرر الكامِنة: (٥/ ٧٧)، طبقات المفسِّرين: (٢/ ٢٨٦)، البَدر الطالع: (٢/ ٢٩٢).
(٢) ينظر ترجمته في: الضَّوء اللَّامع: (١٠/ ٢٥٩ - ٢٦١)، شذرات الذّهب: (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، هديّة العارفين: (٢/ ٥٧٢).
(٣) الضّوء اللّامع: (١٠/ ٢٥٩).
[ ١ / ٧٧ ]
وحضرًا، وجَابَ معه نحو خمسين مدينة".
ولِدَ في رجب سنة (٧٦٢ هـ) ببغدادَ، وحفظَ القرآنَ صَغِيرًا، ثم الشَّاطبيَّة، والكَافِيَة، والشَّافِيَة، والحَاوي، والملْحة، وغيرَ ذلك، وما زَال يَنْهل من معين والدِه ويَرتشف رحيقَ غيره من علماءِ عصره؛ أَمثال أَسعد بن محمّد بن محمود الحنفيّ، وسعيد بن محمَّد المالكيّ، والقَاضِي العلاء الهرَويّ، والجمال ابن الدَّبَّاغ الحنبليّ- حتَّى تبحَّر وبَرَع؛ فأَتْقن الحديثَ، والطِّبَّ، والتَّاريخ (١).
وتذْكر بعض المَصَادر أنه أَخَذ عن والدِه: "الكتبَ السِّتَة سَمَاعًا غيرَ مرّة، وأَعربَ عليه غالبَ القرآن، وسَمِع عليه الكشَّافَ، وتفسيرَ البَيْضاويَ غيرَ مرّة، وجميعَ كافيةِ ابن الحاجبِ في النَّحو، وشَافيته في الصَّرفِ، والمِنْهاج الأصلي، وشرحه للبرهان العبديّ، والطوالع للبيضاويّ، وشرحه للشَّمس الأَصبهانيّ، والمطالع في المنطق، وشرحه للقطب التّحتاني، مع أسئلة واعتراضاتِ عليه، والفوائد الغِياثيّة لشَيخه العَضُد، و، و " (٢) وتَعدادها يَطولُ.
وله من التَّصانيف:
* مَجْمَعُ البحرين وجَوْهر الحبرين في شرح صحيح البخاريّ. كتبه بخطّه، وأَخْرجه في ثمانية أَجْزاء كبار.
_________________
(١) ينظر: المصادر السَّابقة في ترجمته.
(٢) الضَّوء اللامع: (١٠/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
[ ١ / ٧٨ ]
* شرحُ صحيح مُسلم.
* المَقْصودُ من تحفة المودود. لابن القيّم.
* هذا بالإضافة إلى خدمته كتبًا كَثِيرة، إِمَّا باختصارها، أَوْ بإعادة صِيَاغتها نظمًا أَوْ نثرًا، ويُذْكر من ضمن مُؤلّفاته -أيضًا-: كتابٌ في الطِّبِّ (١).
توفّي -﵀- مطعونًا بالقاهرة سنة (٨٣٣ هـ) بعد أن كفّ بصره.
٢ - ابنه: حميد الدِّين الكرمانيّ (٢).
واسمُه: عبدُ الحميد، ويبدو أنه كان أَقل ملازمةً لأَبيه من أَخِيه تقيِّ الدِّين، ومع ذَلك فقد أَخذَ عن والدِه كثيرًا، ونال حظه منه، وتُطْلِعنا المصادر أنَّه هُو الذي نسخَ لوالده شَرحَ البُخاريِّ بخطِّه، وأَن له عدَّةَ رحلاتٍ في طلبِ العلم بينَ بغداد والقَاهرة والشَّام التي استوطنها إِلى أَن توفي بها سنة عشر وثمانمائة (٨١٠ هـ) وقد زاحمَ الأربعين.
٣ - زميلُه في الطَّلب: العلامة السَّرائي (٣).
وهو يوسفُ بن الحَسنِ بن محمود السَّرَّائيّ، المولود بتبرز سنة (٧٣٠ هـ).
_________________
(١) ينظر: المصادر السَّابقة في ترجمته، وكشف الظُّنون: (٥٤٦، ٩١٩، ١٦٢٩)، ومعجم المؤلّفين: (١٣/ ٢٣٠).
(٢) ينظر ترجمته في الضَّوء اللامع: (٤/ ٣٩ - ٤٠).
(٣) ينظر ترجمته في الضَّوء اللَّامع: (١٠/ ٣٠٩ - ٣١٠)، بُغْية الوُعاة: (٢/ ٣٥٦)، طبقات المفسِّرين: (٢/ ٣٧٩).
[ ١ / ٧٩ ]
زامل الكرماني في الطلب، وتَتَلمذ عَلى شيخه الإِيجيِّ، وعندما عَلِم بعودةِ زميلِه محدِّثًا إلى بغداد رحلَ إِليه، ولَم يَستنكف من الأَخذِ عنه لعلْمِه بفَضْلِه وموفورِ عِلْمه.
له عدّة مؤلّفات، منها:
* شرح منهاج البَيضاويِّ.
* حاشِية عَلى الكشَّافِ.
* حاشِية عَلى شَرح الشَّافيةِ.
اختلف في وَفَاتهِ فقيل: سنة (٨٠٢ هـ)، وقيل (٨٠٤ هـ). ﵀ وأسكنَه فسيحَ جنّاته!.
٤ - المجد الشِّيرازيّ (١):
وهو محمَّد بن يعقوب بن محمّد الشّيرازيّ الفيروزآباديّ، وفد عَلى شمس الدِّين الكِرمانيِّ سنة أربع وخمسين وسبعمائة (٧٥٤ هـ) (، وقرأ عليه، ثم رحل معه إلى الشَّام، ثم إلى مصر، وهناك سمعا الصَّحيحَ عَلى الفارقيِّ، وهُناك افترقا بعود الكِرمانيِّ إلى الحجّ -كما سبق ذكره-.
له عدّة مصنّفات، منها:
* بصائرُ ذوي التَّمييز في لطائف الكتابِ العزيزِ.
* القَاموس المُحيط. وكان مطوَّلًا في مجلّدات عديدةٍ، وبأَمرِ شيخِه الكرمانيّ اخْتصره في مجلّد ضخمٍ.
_________________
(١) ينظر ترجمته في: طبقات الشَّافعيَّة لابن قاضي شبهة (٤/ ٦٣ - ٦٦)، الضّوء اللَّامع: (١٠/ ٧٩ - ٨٦)، طبقات المفسِّرين: (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٩).
[ ١ / ٨٠ ]
* القَاموس الوَسيطِ لِمَا ذَهب من لغةِ العربِ شَمَاطِيط (١).
تُوفي في شَوال سنة سبع عَشْرة وثمانمائة، عن عمرٍ يُناهز الثامنة والسَّبعين عامًا.
٥ - أَبو الفتح التستريّ (٢):
وهو نصرُ الدِّين؛ أحمد بن محمّد التَّستريّ البغداديّ. ولد سنة (٧٣٣ هـ)، واشْتَغَل بالعِلم حتَّى برع في علمِ الحَديث، مُفِيدًا من شيخه شَمس الدِّين الكرمانيِّ، وعليه قرأَ الكِتابَ الْذي نحن بصددِ تحقيقه، وأَجازَه روايتَه، يقول السَّخاويُّ (٣): "قال التَّقيُّ فيما قرأته بخطِّه: قرأ على والدِي شرحَ المختصر، وأَجَازه والدِي واستفدتُ أنا منه فوائدَ جمَّةً". والتَّقيُّ بذلك يشيرُ إلى نصِّ الإجازةِ الواردةِ في إحدى نُسَخ الشَّرح المَخْطوطة والتي اعتمدتُها أَصْلًا، كما سيأتي إيضاحُه فيما بعدَ (٤).
ولهذا التَّلميذِ النَّجيبِ مؤلّفاتٌ، منها:
* نظمُ غريبِ القرآن.
* حاشيةٌ عَلى فروع ابن مفلح.
* حاشية عَلى تَنْقيح الزّركشي في الحديث.
* وله منظومة في الفِقْه تزيد عَلى سبعةِ آلاف بيت، وأخرى في
_________________
(١) الشماطيط: القطع المتفرقة. اللّسان (شمط): (٧/ ٣٣٦).
(٢) ينظر ترجمته في: الضّوء اللَّامع: (١٠/ ١٩٨)، شذرات الذّهب: (٧/ ٩٩).
(٣) الضّوء اللّامع: (١٠/ ١٩٨).
(٤) راجع ص: (١٨٣) من هذا البحث "قسم الدّراسة".
[ ١ / ٨١ ]
الفرائضِ تَقَعُ في مائة بيت.
توفِّي سنة ثنتي عشرة وثمانمائة من الهجرة، وله من العُمر تسعةٌ وستّون عامًا.
٦ - محبّ الدِّين التّستريّ (١):
وهو أَحمدُ بن نصر الله (أبي الفتح) المتقدِّم، ولِدَ بمسقط رأسِ أبيهِ (بغداد) سنة (٧٦٥ هـ)، وعلى حلقاتِ شيخ أبِيه -أيضًا- تفتّح سمعُه وشقَّ بصرُه؛ فأخذَ يستنشقُ عبيرَها ويَرتشفُ رحيقَها حتَّى فتح الله عليه فجادَ أدبًا وعلمًا، وغدا "قدوةً رجَعُ إليه، وإِمَامًا تحطُّ الرَّواحل لديه، مع استحضاره للفروع والأصول، والمعقول والمنقول، وصدق اللَّهجة، والوقوف على الحجَّة" (٢).
وقد كان موضعَ تَقديرِ الكِرمانيّ وموطنَ ثقتِه؛ إذْ أَجازه روايةَ ما صحَّ عنه من التَّفاسير والأحاديثِ والأصولِ والفُروع والأَدَبيّاتِ وغيرِ ذلك، خصوصًا: الصِّحاح الخَمْسة الّتي هي أصول الإسلام ودفاترَ الشَّريعة، وشرحه صحيحَ البخاريّ المسمَّى بالكواكب الدَّراري (٣).
له عدَّةُ حواشٍ عَلى بعض المصنَّفات، منها:
* حَاشِيتُه عَلى تنقيح الزّركشيّ.
_________________
(١) ينظر ترجمته في: الضَّوء اللَّامع: (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٩)، شَذَرات الذهب: (٧/ ٢٥٠ - ٢٥١).
(٢) الضّوء اللّامع: (٢/ ٢٣).
(٣) الصدر السّابق (٢/ ٢٣٤) بتصرف يسير.
[ ١ / ٨٢ ]
* وأُخرى عَلى فروع ابن مفلح.
* وثالثة عَلى الوَجِيز.
توفِّي ﵀ سنة أربعٍ وأربعين وثمانمائة، ولَهُ من العُمر ثلاثٌ وسبعون سنة.
[ ١ / ٨٣ ]