قد يُعْدلُ عن مُقْتضى الظَّاهر (١)، فيوضعُ اسمُ الإشارةِ موضعَ الضَّمير.
جميعُ ما ذكرنا من الحالاتِ المقتضيةِ لاختلافِ أحكامِ الْمُسندِ إليه أَوْ الْمُسندِ (٢) هو مقتضى الظَّاهر، ثُمَّ قد يُعدل عنه ويُخرَجُ الكلامُ لا على مقتضى الظّاهر؛ فيُوضع اسمُ الإشارةِ موضع الضَّمير؛ وذلك إمَّا للعناية بتمييزه (٣)؛ كقوله (٤):
_________________
(١) جميع ما ساقه المصنِّف من أقوالٍ تتعلّق بالسند أو السند إليه؛ ابتداءً من مفتتح الفنّ الثّاني إلى ها هنا مما جرى على مقتضى الظّاهر. وقد يجري بعض ما تعرّض له على خلاف مقتضى الظّاهر؛ فناسب أن يختم كلامه في نهاية الفن بما يوضّح ذلك.
(٢) قوله: "أو المسند" ساقط من أ.
(٣) لكونه مختصًّا بحكم بديع عجيب الشّأن. ينظر: المفتاح: (١٩٧).
(٤) البيتان من البسيط، وقائلهما: أحمد بن يحيى؛ المعروف بابن الرّوانديّ. وهما في المفتاح: (١٩٧)، والمصباح: (٢٩) والإيضاح: (٢/ ٨٣)، والتّبيان: (٢٤٥)، ومعاهد التّنصيص: (١/ ١٤٧). والشَّاهد في اسم الإشارة "هذا"؛ حيث عاد إلى غير محسوس؛ وهو كون العاقل محرومًا والجاهل مرزوقًا، وكان الأَولى بالمقام الضّمير؛ لكونه موضوعًا لغير المحسوس؛ بخلاف اسم الإشارة فإنه موضوع للمحسوس. والحكم البديع الذي سوّغ ذلك هو جعل الأوهام حائرة، والعالِم المتقن زنديقًا.
[ ١ / ٣٨٧ ]
كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ (١) أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ (٢) وَجَاهلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقا
هَذَا الَّذي تَركَ الأَوهامَ حائِرَةً وصَيَّرَ العَالِمَ النِّحْرِيرَ (٣) زِنْدِيقا (٤)
أَوْ للتهكُّم؛ أي: للاستهزاء (٥) والسُّخرية بالسَّامع، كما إذا كان فاقدَ البصرِ؛ فيسْخر منه؛ ويقال: هذا أبصر".
أَوْ لإيهام بَلادَةِ السَّامعِ بأنّه لا يُميِّزُ بين المحسوسِ بالبصرِ وبين غيرِه؛ فيُشار إلى غير المحسوسِ عنده بما يُشار إلى المحسوس؛ عسى أن يُدركَه.
أَوْ كمالِ فطَانتهِ، أي: لإيهامِ كمالِ فطانةِ السَّامع بأنَّ غيرَ المحسوسِ بالبصرِ عنده كالمحسوسِ عند غيره.
أَوْ لظهورِه؛ فهو عنده كالمحسوسِ؛ فيُشار إِليه باسمِ الإشارةِ،
_________________
(١) "عاقل" الثَّانية صفة لـ "عاقل" الأولى، أي: كامل العقل متناهٍ فيه. وقِسْ على ذلك "جاهل" الثَّانية.
(٢) عيِيَ فلان بالأمر: إذا عجز عنه. اللّسان: (عيا): (١٥/ ١١٤). ومراده بـ "أعيت مذاهبه": أعجزته وصعبت عليه طرق معايشته. معاهد التّنصيص: (١/ ١٤٨).
(٣) النّحرير: الحاذق الماهر العاقل المجرّب. وقيل: الرّجل الطَّبِن الفَطِن المتقن البصير. اللّسان: (نحر): (٥/ ١٩٧).
(٤) الزِّنديق: من الثَّنَويَّة، أو القائل بالنُّور والظّلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالرُّبوبية، أو من يُبْطن الكفرَ ويُظهر الإيمان، أو هو مُعرَّب: زن دين؛ أي: دين المرأة. القاموس المحيط: (زنديق): (١١٥٠).
(٥) في أ، ب: "الاستهزاء".
[ ١ / ٣٨٨ ]
كقوله (١):
تَعَاللْتِ (٢) كَيْ أَشْجَى (٣) وَمَا بِكِ عِلَّةٌ تُرِيدِينَ قَتْلِي قَدْ ظَفِرْت بَذَلِكِ.
أي: بقتلي، وكان القياسُ أن يقولَ: "به" ولكن لَمَّا كان قتلُه بادِّعاءِ الشَّاعرِ كأنَّه ظهرَ ظهور المحسوس بالبصرِ أشار إليهِ باسمِ الإشارة لا بالضَّمير.
والمظهرُ؛ أي: ويُوضعُ (٤) المظهرُ، موضعَ المضمر؛ فيوضع موضعَ الضَّميرِ (٥) الغائب؛ لتمكين نقشه نقش المُظهر (٦)، نحو: ﴿اللهُ
_________________
(١) البيتُ من الطَّويل. وقد اختُلف في قائله ولفظه؛ والمشهور: أنّه لابن الدُّمينة، ولم أجده في ديوانه؛ لكن نسب إليه برواية المتن في الأغاني: (٩/ ٦٣)، ودلائل الإعجاز: (٩٠)، والحماسة البصريّة: (٢/ ١٠٧). وبرواية: "تمارضت"؛ منسوبًا لعلية بنت المهديّ، في العقد الفريد؛ لابن عبد ربّه: (٢/ ٤٥٣)، وبرواية: "تمارضت قد رضيتُ بذلك"؛ منسوبًا لمرّة؛ في أمالي القالي: (١/ ٣١) وفي كلا المصدرين المتقدّمين وردت الرّوايتان عن أبي العبّاس المبرّد؛ غير أنّي لم أعثر على الأبيات في كتابه الكامل. وقد استُشهد بالبيت في نهاية الإيجاز: (١١٠)، المفتاح: (١٩٧)، والمصباح: (٢٩)، والإيضاح: (٢/ ٨٣)، والتّبيان: (٢٤٥). وهو في معاهد التّنصيص: (١/ ١٥٩).
(٢) تعاللت: ادّعيت العلّة؛ أي: المرض. ينظر: اللِّسان: (علل): (١١/ ٤٧١).
(٣) أشجى: أحزن. اللَّسان: (شجا): (١٤/ ٤٢٣).
(٤) في ب: "يوضع" بحذف الواو.
(٥) في أورد قوله: "المضمر الضّمير، ضمن كلام المصنِّف، وليس في ف.
(٦) في أورد قوله: "نقش المظهر" ضمن كلام المصنِّف، وليس في ف.
[ ١ / ٣٨٩ ]
الصَّمَدُ﴾ (١) دُون هُو الصَّمَد، أَوْ موضعَ الضَّميرِ المتكلِّم؛ لتربية المهابة في عينِ السَّامعِ، وإدخال الرَّوْعةِ في ضميره؛ كما يقولُ الخليفةُ: "أميرُ المؤمنين يأمرُك بكذا"، أَوْ: "الخليفةُ يرسمُ لك"، مكان: "أنا آمرُ"، أَوْ "أرسم". أَوْ لتقوية الدَّاعيةِ؛ أي: داعية المأمُور، نحو: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢): تركَ (٣) ضميرَ النَّفسِ (٤) وهو: "اليَاء" بأن يقول: "وعليَّ" (٥) إلى المظهر وهُو الله؛ فإنَّ داعيتَه إلى التَّوكّل تتقوَّى بسماع لفظةِ "الله" بخلافِه لو قيلَ: "وعليَّ" (٦).
والمضمرُ (٧)؛ أي: يوضعُ المضمَرُ موضعَ المظهرِ عكس المذكور؛ كقوله -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٨)، لأنَّه -أي: السَّامع- إذا لم يَفْهَمْ من الضَّمير معنيَّ ينتظرُ ما يردُ عليه فيتمكّن المسموعُ
_________________
(١) سورة الإخلاص، الآية: ٢.
(٢) سورة إبراهيم، من الآية: ١٢.
(٣) في أ: "بترك".
(٤) في ب: "الضَّمير" بدلًا من قوله: "ضمير النّفس".
(٥) في: أ، ب: "عليَّ" بحذف الواو.
(٦) في ب: "عَلَيَّ" بحذف الواو.
(٧) هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "المضمر" بحذف الواو.
(٨) سورة الإخلاص، الآية: ١.
[ ١ / ٣٩٠ ]