حيث تجنّب مؤلّفه الإطناب المملّ والاختصار المخلّ، فسلك به منهجًا وسطًا سواءٌ في عرض المادّة العلميّة أَوْ في التّقسيم والتّفريع. وما يندرج تحتهما من التقعيد والتّمثيل وإيراد الأقوال والأدلّة ومناقشتها. متحاشيًا في ذلك كلّه التّكرار والإطالة، ومحترزًا -في الجملة- عن التّقصير والإيجاز، ولذا نجده عندما يتعرّض لأحوال المسند والمسند إليه وبعض أحوال متعلّقات الفعل لا يفرد كلّ نوع ببحث مستقلّ -كما فعل غيرُه من البلاغيّين، بل كما فعل السَّكاكيّ نفسه، عمدة الكرمانيِّ في كتابه- وإنّما يعالجها جميعًا تحت مبحث واحد ذاكرًا أغلب النّكت البلاغيّة؛ ممثّلا لها بما تيسّر من الأمثلة مما قد يَكون مندرجًا تحت المسند
_________________
(١) مدخل إلى كتابي عبد القاهر الجرجاني د. محقد محمّد أبو موسى: (١١).
(٢) راجع ص (١٠٧ - ١١٠) من قسم الدِّراسة.
[ ١ / ١٥٤ ]
إليه أَوْ تحت المسند؛ أَوْ تحت متعلّقات الفعل؛ تاركًا المجال مفتوحًا أمام القارئ لإعمال عقله في تحصيل ما لم يذكره وقياس الأشباه على النّظائر فيما لا يستغلق فهمه أَوْ يشقّ طلبه، وأسوق للدّلالة على ذلك قوله (١): "ثمّ إنَّه، أي الحذف، يترجَّحُ لوجوهٍ: الأوّل: ضيق المقام؛ كجوابِ المشرف -أي على الموت-: أموت، حيث يقال له: كيف أنت؟ إذا الوقت لا يسع أن يقول: أنا أموت وكضروة الشّعر، وقوله:
قَال لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيلٌ سَهَرٌ دَائمٌ وحُزْنٌ طَويلُ
الثّاني: الاحترازُ عن العَبَثِ؛ نحو: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾؛ إذ لو كرِّر فعلُ التّسبيح؛ لكان عبثًا؛ إذ هو معلومٌ من الأوّل".
فلقد تحقّقت الفائدة المنشودة بإيراد الوجهين المذكورين وغيرهما من الوجوه الأخرى الواردة بعدهما التي تكشف أسرار الحذف البلاغيَّة غير أنَّه درءًا للتطويل والتّكرار عالج أوّلهما "ضيق المقام، ضرورة الشّعر" في باب المسند إليه؛ حيث جاء المحذوف في أمثلته مسندًا إليه.
وعالج ثانيهما "الاحتراز عن العبث" في باب المسند؛ حيث جاء المحذوف في مثاله مسندًا.
_________________
(١) ص (٢٧٦ - ٢٧٧) قسم التحقيق.
[ ١ / ١٥٥ ]
وكان بإمكانه أن يمثّل لكل وجه بمثالين؛ أحدهما في باب المسند إليه، والآخر في باب المسند، كما فعل غيره ممّن رام البسط والتّوسّع.
وظاهر أنّ الَّذي هيّأ لهذا المسلك، أي مسلك "التّوسّط والاعتدال" هو الإيجيّ، صاحب الكتاب المختصر؛ حيث بنى كتابه على أسس منطقيّة لا تقبل الحشو والاسترسال.
ويبدو لي أنّ الكرمانيّ -﵀- نشد هذا المسلك وهدف إليه قبل تأليف الكتاب، ولو أنه آثر منهج المطوّلات لعدل من أوّل الأمر عن ربط كتابه بمختصر شيخه، أَوْ حتَّى عدم تضمينه إيّاه بالطّريقة الدّقيقة المحكمة الَّتي سبق أن أشرت إليها (١) على أقلّ تقدير.