ذكر الكرمانيُّ في كتابه بعضَ آراء شيخه الإيجيِّ، وكثيرًا منها لم أجد له ذكرًا في كتب الإيجيّ نفسه، ممّا يرجّح أنَّها ممّا تلقّفه التّلميذ عن شيخه مشافهة في وقت ملازمته له وتلقّيه عنه.
ويمثّل حفظ مثل هذه الآراء قيمة تاريخيّة وفكريّة، يمكن أن يفاد منه في رصد حركة التّطوّر الفكريّ للأمّة بعامّة؛ كما يمكن أن يفاد منه في دراسة الشّخصيّات وتقصّي أبعادها.
ومن أمثلة ما حفظه الكرمانيّ لشيخه قوله معلّقًا على ما ورد في المختصر (١): "وهاهنا نظر؛ فإنّ الإلف بالتّكرار يحصل؛ فكيف يتنافى حكمها؟! "، قال (٢): "والمصنّف ينقل كلام السَّكاكيّ، وإلّا فالحقّ عنده
_________________
(١) ص (٦٦٢) قسم التّحقيق.
(٢) ص (٦٦٢ - ٦٦٣) قسم التحقيق.
[ ١ / ١٦٣ ]
على طرف التّمام، وهو: أن كلّ تكرار لا يورث الكراهة، بل الَّذي يورثها تكرار شيء منه بدّ؛ وهو مناف للإلف، وأمّا تكرار شيء لا بدَّ منه؛ كتكرار الشُّبه الضّروريّة عند الطّبيب، فهو غير مناف للإلف؛ بل موجب له".
وبدت -لي- بعد الاستقراء والتّتبّع لكلّ ما هو على شاكلة هذا المثال حقيقتان مهمّتان:
أوّلهما: قرب الكرمانيّ من شيخه الإيجيّ قربًا يجعله أخصّ تلاميذه وأعرفهم بمراده، وأكثرهم إحاطة بآرائه.
ثانيهما: ولاء الكرمانيّ لشيخه وحبّه له، وكأنِّي به لا يجد أدنى مناسبة تستدعي إيراد وجهة نظر لشيخه أَوْ رأي له حتَّى يبادر إليها ويوفيها حقّها.