هو أبو خثعم كعب بن مالك أو عبد الله أو خثعم بن لابي بن رباح بن ضمرة طائي من عرب الحجاز يعرف بالمخبل، وكان جوادًا سخيًا شجاعًا، مألوف الصورة.
وميلاء هي بنت لابي بن رباح أصغر أخواتها كانت أجمل نساء الحجاز وكان كعب قد خطب إلى عمه أخت ميلاء، وكانت تسمى أم عمرو فزوجه بها فشغف بها شديدًا وألفها طويلًا وأنه دخل عليها يومًا فوجدها قد نضت ما عليها وهي عريانة فسرته حين نظر إليها، فقال أنشدك الله هل تعلمين امرأة أحسن منك فقالت نعم أختي ميلاء فقال ومن لي بأن أنظرها فأخبأته وأرسلت إليها فحضرت، فلما رآها وقعت من قلبه موقعًا أدى إلى زوال عقله من العشق فانطلق في طلبها فاستعرضها وشكا إليها ما لقي من حبها، فأعملته أنها أعظم من ذلك في حبه، وشعرت أختها فتبعتها فرأتهما يتشاكيان المحبة فمضت إلى اخوتها وكانوا سبعة فأخبرتهم بذلك، وقالت إما أن تزوجوا كعبًا من ميلاء، أو تغيبوها عني.
فلما علم بمعرفة اخوتها به هرب إلى الشام فمكث بها أيامًا، وأن شاميًا خرج يريد الحج فضلت به الطريق فاسترشد امرأة وكانت بالتقدير المحتوم ميلاء وإلى جانبها أختها فأنشد الشامي متمثلًا:
أفي كل يوم أنت من بارح الهوى إلى الشمّ من أعلام ميلاء ناظر
بعمشاء من طول البكاء كأنما بها حرّ نار طرفها متحادر
تمنى المنى حتى إذا قلت المنى جرى واكف من دمعها متبادر
كما أرفض سلك يعد ما ضم ضمة بخيرط الفتيل اللؤلؤ المتناثر
قلت وهذا الشعر قاله كعب حين علق ميلاء قبل وقوعه إلى الشام والمصنف تبع الشيزري في أنه قاله بالشام وأصل الحال غلط الشيزري في قوله الشم فإنه قرأها إلى الشام بدليل أن الشامي لما أنشد الشعر سألته ممن الرجل قال من الشام قالت أو تعرف صاحب الشعر. قال هو أعرابي اسمه كعب أنه يحتمل إلى معرفتها من ذكر اسمها ويكون ما ذكر صحيحًا. ولما أخبرها باسم الأعرابي أقسما عليه أن لا يبرح حتى بنظره أخوتها فإنهم يكرمونه ثم سألاه هل تروي له غير ذلك، قال نعم وأنشد:
خليليّ قد رضت الأمور وقستها بنفسي وبالفتيان كل مكان
ولم أخف يومًا للرفيق ولم أجد خليًا ولاذا البث يستويان
من الناس إنسانان ديني عليهما مليان لولا الناس قد قفياني
منوعان ظلامان ما ينصفانني بدلهما والحسن قد خلباني
يطيلان حتى يعلم الناس أنني قضيت ولا والله ما قضياني
خليليّ أما أم عمرو فمنهما وأما عن الأخرى فلا تسلاني
بلينا بهجران ولم ير مثلنا من الناس إنسانان يهتجران
أشد مصافاة وأبعد عن قلى وأعصى لواش حين يكتنفان
يبين طرفانا الذي في نفوسنا إذا استعجمت بالمنطق الشفتان
فوالله ما أدري أكل ذوي هوى على شكلنا أم نحن مبتليان
فلا تعجبا مما بي اليوم من هوى فبي كل يوم مثل ما ترياني
خليليّ عن أيّ الذي كان بيننا من الوصل أو ماضي الهوى تسلاني
وكنا كريمي معشر حم بيننا هوى فحفظناه بحسن صيان
نذود النفوس الحائمات عن الهوى وهن بأعناق إليه ثواني
[ ١ / ٧٣ ]
سلاه بأم العمر يشفي فقد بدا به السقم لا يخفى وطول هوان
فما زادنا بعد المدى نقص حده ولا رجعنا عن عملنا ببيان
خليليّ لا والله ما لي بالذي تريدان من هجر الصديق يدان
ولا لي بالهجر اعتلاق إذا بدا كما أنتما بالبين معتلقان
ولا لاهيًا يومًا إلى اليوم كله ببيض لطيفات الخصور رواني
يمنيننا حتى يرعن قلوبًا ويخلطن مطلًا ظاهرًا بليان
أعينيّ يا عينيّ حتام أنتما بهجران أم العمر تختلجان
فما أنتما إلا عليّ طليعة على قرب اعتدائي كما ترياني
فلو أن أم العمر أضحت مقيمة بمصر ودوني الشحر شحر عمان
إذن لرجوت الله يجمع بيننا وأنا على ما كان ملتقيان
من البيض نجلاء العيون كلاهما مقيم وعيشي ضارب بجران
أفي كل يوم أنت رام بلادها بعينين إنسانًا هما غرقان
إذا ذرفت عيناي قالت صحابتي لقد ولعت عيناك بالهملان
ألا فاحملاني بارك الله فيكما إلى حاضر الروحاء ثم ذراني
هذا ما نقله الجل، واخرج هنا عن الأغاني من قوله ولا لاهيًا يومًا إلى آخر القصيدة لم ينشده الشامي قلت وقوله ففي كل يوم أنت رام وقوله ألا فاحملاني البيتان مسروقان من كلام عروة بن حزام.
ثم نزل وجاء اخوتهما فأكرموه ودلوه على الطريق بعد أن استخبروا منه عن كعب وموضعهن ثم توجهوا في طلبه وضعفت ميلاء على ما رواه في نهاية الأدب بصداع أصابها.
فلما حضروا بكعب نزل ناحية، وصادف وقت وفاتها فرأى الناس عند عند البيت مجتمعين، فأحس قلبه بالشر. فقال لصبي بإزاء البيت الذي هو فيه من أبوك.
قال كعب وكان تركه صغيرًا حين مضى إلى الشام فقال له ما اجتماع الناس على طنب هذا البيت قال على خالتي ميلاء ماتت الساعة. فلما سمع ذلك وضع يده على قلبه واستند إلى طنب البيت، وحرك فوجد ميتًا فدفنوه إلى جانبها رحمة الله عليهما.