هو ابن محجن نصيب بضم النون وفتح الصاد المهملة الشهير بالشاعر الزنجي مولى راشد ابن عبد العزى من كنانة.
وصاحبته أم بكر زينب بنت صفوان بن غاوي كنانية في الأصح وليست زنجية كما زعم وسبب الوصلة بينهما.
أن نصيبًا كان يرعى ابلًا لمولاه وكانت رعاة مولاه تخالط رعاة صفوان، في المبروك بوادي البوار، وكانت زينب تأتي رعاة أبيها فتأخذ لبنًا، وأن نصيبًا تولع ببري القسي واراشة السهام وحجز الأوتار فبرع في ذلك حتى اشتهر في أحياء العرب، وكان يجلس لفعل ذلك وتذهب الرعاة فتقوم عنه بالخدمة وتتخلف الحلوب من النوق في المعاطن فتأتي زينب وهي جارية صغيرة فتأخذ اللبن، فينظرها وكان حاذقًا حسن التأمل في دقائق المحاسن ولطائف الشمائل، وهي من ذلك في أرفع المراتب، فنشأ عنده من حبها ما غير باله، وأشغل حاله فشبب بها وفشا ذلك فأتت العرب مولاه فقالت إن عبدك هذا قد برع في الشعر، ونخشى أن يهجو أحدنا ويشبب بنسائنا، وليس لنا في أحد الخليتين سيرة، فقال له مولاه إني بائعك فانظر لنفسك، فأقبل حتى دخل على الأمير وهو يومئذ عبد العزيز بن مروان فأنشد:
لعبد العزيز على عترته وغيرهم منن ظاهره
فبابك أسهل أبوابهم ودارك مأهولة عامره
وكلبك أرأف بالزائرين من الأم بالابنة الزائره
وكفك حين تري السائلين لأثرى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومنا الثناء بكل محبرة سائره
فأمر له بألف دينار. فقال أصلحك الله إني عبد لا آخذ الجوائز ولكن أباع فقال لخادمه امض به إلى باب الجامع فإذا انتهت الرغبات فيه فأخبرني فمضى فلما نودي عليه بذل فيه شخص خمسين دينارًا فقال نصيب قولوا يحسن كذا وجعل يعدد صنائعه وهو يوفي بها حتى انتهى إلى ألف دينار.
فأخذه الأمير فكان في خدمته إلى أن توفي فأوصى به سليمان بعد أن أعتقه على ما ذكر بعض المعتنين بذكر محاسن الحبش والزنج، فكان من أكبر سماره وكان يلهج بالعشق وقال ابن فاتك في محاسن العبيد.
أن سليمان استخفى ليلة فسمع نصيبًا وقد استخلي بنفسه يبكي ويقول متمثلًا بكلام المجنون قضاها لغيري البيت فاستحضره فقال ما هذه التي قضاها لغيرك وابتلاك بحبها أو عاشق أنت. قال أي والله جعلت فداك من العشق فقال ولمن قال لجارية في كنانة علقتها فمنعت منها القلة حسبي وحقارة نسبي عند العرب فكنت أجلس في ممرها لأخالسها النظر وفي ذلك أقول:
جلست لها كيما تمرّ لعلني أخالسها التسليم إن لم تسلم
فلما رأتني والوشاة تحذرت مدامعها خوفًا ولم تتكلم
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري حياة جميع العاشقين بدرهم
فوعده سليمان بتزويجها. ففي النزهة ومحاسن العبيد لابن فاتك أنه زوجه بها وأقام معها وأنها توفيت عنده في خلافة سليمان.
وقيل أنه تزوج بها على يد اليزيد بن الوليد وما ذكره هنا من أن يزيد استخبره عل عشقت فقال نعم عشقت جارية حمراء يعني من البيض ومنعت منها مدة فلما توفي من كان يمنعها كتبت إليها:
فإن أك حالكًا فالمسك لوني وما لسواد جلدي من دواء
وبي كرم عن الفحشاء ناء كبعد الأرض عن جوّ السماء
ومثلي في رجالكم قليل ومثلي لا يردّ عن النساء
فإن ترضى فردّى قول راض وإن تأبى فنحن على السواء
[ ١ / ٦٨ ]
فقالت المال والعقل يغطيان غيرهما لو تزوجتني يدل على أن ليس ليزيد في تزويجها شيء. وقيل أنه تزوجها على يد ابن أبي عتيق. وفي تسريح النواظر أنه لم يتزوجها وأنها اعتذرت حين أرسل إليها بأن العرب تعيرها بزواج الزنجي والمتواتر خلاف ذلك أخبر التنوخي والتوزي كلاهما عن ابن الجزار بسنده إلى العتبي.
قال شهدت هوادج مزينة حين نزلنا إلى مكة، فلما نزل الحاج خرج من أعظمها هودجًا امرأة وقد مهد له مهاد فجلست وأقبل زنجي حتى جلس إلى جانبها فمر سائق ابل وهو يقول:
بزينب ألمم قبل أن يدخل الركب وقل إن تملينا فما ملك القلب
فوثبت المرأة فضربت الذي إلى جانبها وقالت قد فضحتنا فسألنا عنهما فقيل هي زينب وهو نصيب ونحو هذا عن الزبير عن الخزامي وعن ابن خلف وابن الجوهري في أخبار السودان وكل يصف المرأة بالبياض ما عدا الأول فإنه قال إنها زنجية.
وعن ابن خلف من طريق آخر بيننا نحن في الركب إذا بزنجي يمشي وإلى جانبه امرأة كأنها البدر والمسك يسطع منهما فقالت له من أنت قال أنا الذي أقول:
ألا ليت شعري ما الذي هو حادث غدا غربة النأي المفرّق والبعد
لدى أم بكر حين يقذفها النوى بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي
أتصر مني عند الذين هم العدا فتشمتهم بي أم تدوم على العهد
فصاحت المرأة لا والله بل ندوم على العهد، وتوفي نصيب سنة ثلاث عشرة ومائة وقيل إحدى عشر. وفي كتاب ابن الجوهري كانت وفاته تاسع شوال من السنة المذكورة، وقيل توفيت قبله ورؤي باكيًا عليها وهو يقول:
أيا دهر ما هذا لنا منك مرة عثرت فأقصيت الحبيب المحببا
وأبدلتني من لا أحب دنوّه وأسقيتني صابًا من العذب مشربا
ومن لطائف شعره:
كسيت ولم أملك سوادًا وتحته قميص من الصوهيّ بيض بنائقه
وما ضرّ أثوابي سواد وإنني لكالمسك لا يخلو عن المسك ناشقه
ولا خير في ودّ أمري متكاره عليك ولا في صاحب لا توافقه
إذا المرء لم يبذل من الود مثله بعافية فاعلم بأني مفارقه
ومنها:
وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيًا أبدًا حزينًا مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي أن نأوا شوقًا إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي وتسخن عينه عند التلاقي
أخبار المرقش وصاحبته أسماء
هو عمرو أو عوف بن سعد بن مالك بن قيس بن ثعلبة بن ربيعة أعلى قبائل طيء، ولد باليمن قبل خروج ربيعة ثم انتقلوا إلى العراق فنشأ بها وله اخوان أنس وحرملة رفعهم أبوهم إلى نصراني ببغداد يتعلمون الكتابة، وكان سعد والده يرى دين النصرانية، ومات فقام عمرو مقامه في العرب، فكان شجاعًا مهابًا في العرب.
خرج يومًا وقد قطع وادي نجران بأسد ونمر فلم يطق أحد أن يمر منهما فلما رأى عمرو الأسد وثب عليه فزاوغه ووثب فصار على ظهره فأمسك أذنيه مستثبتًا ثم دق رأسه وسلخ جلده، فلما أحس بالنمر ألف في جلد الأسد ونامًا سيفه فوثب النمر لينزل عليه فتلقاه بالسيف ثم سلخه، وأخذ جلده عليه وأقبل على العرب فسموه المرقش، وقيل سمي بذلك لقوله:
الدار قفر والرسوم كما رقش في ظهر الأدني قلم
ومن ولد أخيه حرملة رجل دعته العرب بالمرقش الأصغر لشبهه ذاك.
وأسماء هي بنت عوف بن سعد بن مالك أيضًا، وكان عمرو قد ألفها من التربية صغيرين فخطبها إلى عمه فأنعم ومضى عمرو إلى جار الفلاة فمدحه، وحظى عنده فأمسكه مدة وأن الغلاء وقع بالبادية وطرقها جدب فقدم مرادي على عوف فخطب أسماء فزوجه بها على مائة ناقة واحتملها إلى قومه وعمدوا إلى عظام كيس فذبحوه ودفنوا عظامه وصيروها قبرًا، فلما قدم عمرو أخبروه أنها ماتت وأروه القبر فلزمه حتى ضني وتغير حاله فبينما هو يومًا منتحبًا إذ سمع ولدًا قد اقتتل مع آخر على كعب يقول هذا أخذته من عظام الكبش الذي دفن وقيل لعمرو أنها أسماء فدعاه وسأله الخبر فحين عرف ذلك دعا بزوج ابنته وسارا في طلب المرادي.
[ ١ / ٦٩ ]
فقيل إن إخوته شعروا به فردوه فمات وتظافرت الأخبار بأنه وصل إلى واد بقرب مراد وقد ثقل في المرض فقال زوج ابنته لها اتركيه واذهبي بنا فقد أجهدنا، فلما سمع ذلك كتب على مؤخر الرحل:
يا صاحبيّ تلبثا لا تعجلا إن الرواح رهين أن لا تفعلا
فلعل لبثكما يقرّب بيننا أو بسبق الاسراع سيبا مقبلا
يا راكبًا ما عرضت فبلغن أنس بن سعد إن لقيت وحرملا
لله درّكما ودرّ أبيكما لا يفلت العبدان حتى يقتلا
من مبلغ الأقوام أن مرقشًا أضحى على الأصحاب عيا مثقلا
وكأنما ترد السباع بشلوه إذ غاب جمع بني ضبيعة منهلا
فلما رأى أخوته الكتابة قتلا الرجل والمرأة، وأما عمرو فحين ذهبا عنه بقي مطروحًا فأوى إلى غار هناك وكان يألفه راع من مراد بينما هو به إذا هو بغنم وراعيها. فلما بصر به الراعي قال له من أنت فأعله باسم الذي هو عنده فإذا هو زوج أسماء فقال له تكلم مولاتك قال لا ولكن تأتيني جارية من عندها لأخذ اللبن.
قال في النزهة وكانت أسماء قد مرضت أيضًا شوقًا إليه فلم تغتذ إلا بقدح من لبن في اليوم، فنزع عمرو خاتمه وقال للراعي ألقه في القدح فستصيب به خيرًا، فلما رأته دعت الجارية فأخبرتها أن لا علم لها فنادت زوجها وأخبرته القصة فاستحضر الراعي، فلما عرفه ركب وأركب زوجته فأدركوا عمرًا وبه رمق فاحتملوه عندهم، فمات وقيل أنشد عند موته:
سما نحوي خيال من سليمى فأرّقني وأصحابي هجود
فبت أدير أمري كل حال وأذكر أهلها وهم بعيد
على أن قد سما طرفي لنار يشب لها بذي الارطي وقود
حواليها مها بيض التراقي وآرام وغزلان رقود
نواعم لا تعالج بؤس عيش أوانس لا تروح ولا ترود
يرحن معًا بطاء المشي رودًا عليهنّ المجاسد والبرود
سكنّ ببلدة وسكنت أخرى فقطعت المواثق والعهود
فما بالي أفي ويخان عهدي وما بالي أصاد ولا أصيد
وربّ أسيلة الخدّين بكر نعمة لها فرع وجيد
وذي أشر شنيب النبت عذب نقيّ اللون برّاق برود
لهوت بها زمانًا في شبابي وزين بها النجائب والقصيد
أناس كلما أخلقت وصلًا عناني منهم وصل جديد
وله:
أغالبك القلب اللجوج صبابة وشوق إلى أسماء أم أنت غالبه
يهيم ولا يعني بأسماء قلبه لدات الهوى امراره وعواقبه
وعلى قوله راكبًا البيتين أورد المصنف الحكاية المشهورة دليلًا على ذكاء العرب وأسندها إلى مجهول وأصلها قال في روضة القلوب أن أسامة بن غسان بن حارث الكناني قتل أبو صبرًا في تميم، فخرج يستجيش له نصرة وذلك قبل يوم أوارة بأعوام يسير، فلما طال عليه المدى وقد صحب عبدين لخدمته ولحقته علة فعزما على قتله، فلما أحس ذلك قال لهما هل أنتما مبلغا ابنتي هذين البيتين قالا وما هما قال تقولان:
ألا يا بنات الحيّ أن أباكما لله در كما ودر أبيكما
فلما أتيا الحيّ أخبرا بموته فقالوا هل أوصي بشيء، فقالا لا ضرر عليا فيما ذكره وذكرا لهم القول، فقالت إحدى بناته اقتلوا العبدين قد قتلا أبي فقالوا ومن أين لك ذلك قالت إن هذا الكلام سفه وهدر وقد كان مصونًا عن ذلك وإنما كتم عنهما تكملة البيتين والأصل:
ألا يا بنات الحيّ إن أباكما أضحى قتيلًا في التراب مجندلا
لله دركما ودر أبيكما لا يبرح العبدان حتى يقتلا
فاستخبروهما فأقرا بالقصة. قلت وفي البيت خزم بالحرف الأول وهو عيب مشهور سائغ الاستعمال في الصناعة. وقوله بنات الحي، ثم عدل إلى التثنية في قوله أن أباكما جريًا على الغالب في خطاب العرب فإنهم يستعملون التثنية في موضع الجمع والأفراد.
[ ١ / ٧٠ ]
قال ابن النحاس وأصل ذلك أن البدوي كان أكثر ما يكون مع راعيه ورفيقه أو أن نزل ابنتيه منزلة الجمع تعظيمًا، ثم عاد إلى أصله وقد حكى في شرح العبدونية هذه القصة عن المهلهل، وقال في صدر البيت الأول من مبلغ الأقوام أن مهلهلًا والباقي على حكمه.