كان يهو نعمى الخزاعية وكانت كنانة وخزاعية يتقاربون في المنزل لأن بينهم نسبًا لم ترم فيه العصا فكان قيس يجلس إلى نعمى فيتحادث معها فدخل بينهم الهوى وقيل أنها رأته وقد ركب يومًا في ملعب وزينة ففخر على أكثر من حضر بالشجاعة فدعته للمحادثة وقد نزلت مع أتراب لها على منتزه فنزل وتحادثت معه ساعة فأقبل داع يسوق غنمًا فاشترى قيس منه عنزة وذبحها للنساء فلما أكلن وقمن ترك الفاضل منها على الأرض ثم تمثل بهذا البيت ويقال أنه لحاتم الطائي:
إذا لم يكن للطير في زاد عزوة نصيب فليسوا في الورى بكرام
[ ١ / ٧٨ ]
وفي النزهة إذا لم يكن للوحش والمعنى قريب فانتشأ الود بينهما ولم يزالا على ذلك برهة إلى أن أجدبت سنونهم فارتحلوا منتجعين وافترقت القبيلتان فلما كان يوم من الأيام نظت كنانة إلى موضع ديارها فوجدوا البروق ملية والسحب فضية فعلموا أن الغيث عما فارتحلوا إلى أن نزلوا بها فنظر قيس في مواضع خزاعة فتذكر اجتماعهم فتنفس الصعداء وأنشد:
إذا ما نأت نعمى فهل أنت جازع قد اقتربت لو أن ذلك نافع
قد اقتربت لو أن في قرب دارها نوالًا ولكن كل ما صين مانع
فإن تلق لي نعمى هديت فحيها وسل كيف ترعى بالمغيب الودائع
وظني بها حفظ لغيبي ورعية لما استرعيت والظن بالغيب واسع
وقد يلتقي بعد الشتات أولو النوى ويسترجع الحي السحاب اللوامع
وما ذات جيد نازعت حبل حابل لتنجو ثم استسلمت وهي طائع
بأحسن منها ذات يوم لقيتها لها نظر نحوي كذى البث خاشع
كأن فؤادي بين شقين من عصا حذار وقوع البين والبين واقع
فقلت لها يا نعم خلي محلنا فإن الهوى والشمل يا نعم جامع
فقالت وعيناها يفيضان عبرة بأهلي بين لي متى أنت راجع
فقلت لها تالله يدري مسافر إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
وإني لعهد الود راع وإنني لوصلك ما لم يطوني الموت طامع
ثم لم يزلا متعللًا بالأماني يعتوره الخيال أيامًا إلى أن بلغه خزاعة بجبل بالشم من اليمن فارتحل حتى وقع بهم فقيل أنه عند رؤيتها سقط ميتًا.
وقال في النزهة أقام عندهم إلى أن أغارت عليهم بنو فزارة فقتل يومئذ.