هوى جارية من قومه اسمها جيداء فاشتد بها كلفه وزاد في حبها تلفه فمنعها أهلها عنه فثار بينهما شر وخصومة عظيمة، فلما طال شوقه واضمحل حاله جاء إلى صديق له يقال له نمير فقال له: هل عندك صنيع تمن به علي عسى أن تعود روحي إلي، قال أشر بما شئت فإني فاعل قال له: تمضي إلى حي جيداء فإذا صادفت جاريتها فأخبرها بحالي فعسى أن تأخذ لي موعدًا، قال نمير فمضيت حتى لقيت الجارية فأخبرتها فمضت إلى مولاتها فأخذت منها موعدًا بأن تأتي بعد العشاء عند شجيرات هناك.
فلما كان الليل أقبلت فقام إليها بشير وهممت بالإنصراف عنهما فقالا: والله ما بيننا أكثر مما ترى فمكانك فجلسنا حتى مضى شطر من الليل فعزمت على الذهاب فكادت نفس بشير أن تزهق ثم سألها الإقامة معه بقية الليلة فقالت لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون في صاحبك هذا خير. فقلت فيم شئتم؟ فرمت بثيابها إلي وقالت إذهب إلى خدري كأنك أنا فسيجيء زوجي ويطلب القدح للحلب فلا تعطه حتى تطيل نكده ثم ارم به إلي فإني أفعل ذلك فإذا عاد باللبن فلا تأخذه حتى يضعه بنفسه أو يطول وقوفه فإنه بعد ذلك لا يأتيك بقية الليلة.
قال نمير ففعلت ذلك غير أني بعد أن طال وقوفه باللبن وأراد وضعه وأردت أخذه فاختلفنا فكب القدح وقال هذا طماح ثم عمد إلى سوط مفتول فضربني حتى زايلتني نفسي وهممت أن أوجره بالسكين فخلصوني وردوا علي الستر وجاءت أمها تعنفني وتوصيني بأن لا أخالف زوجي ظنًا أنني ابنتها وتقول مالك وللأشتر ثم قامت عني على أن ترسل لي ابنتها الأخرى تؤنسني. فلما جاءت جعلت تبكي وتدعو على من ضربني واضطجعت إلى جانبي فوضعت يدي على فمها ثم قلت أن أختك مع بشير في موضع كذا وقد جرى لي من جهتها ما علمت وأنت أولى بالستر على أختك فارتعدت ساعة ثم أنست فبت معها في أطيب ليلة من اللطف والعفة حتى إذا جاء الصباح وأقبلت أختها فأنكرت من معي فقلت هي أختك وستخبرك بما كان ثم مضيت إلى بشير فأعلمته بالخبر فلما رأى تأثير السوط في بدني وخروج الدم قال لقد عظمت صنيعك ووجب شكرك.
قال ابن طاهر فلم يقم بعدها بشير إلا دون شهر وجاءه شخص فقصد مما جنتة فقال له وهو يتناول عنبًا أتتفكه وجيداء قد قضت الساعة فلم يسمع منه إلا شهقة وحرك فإذا هو ميت فبلغ الخبر الجارية فهتكت سترها وجزت شعرها وألقت نفسها في بئر هناك فماتت.
ومنهم